بين دمشق ـ حيفا والمدينة الحجازية: سكة حديد محملة بالذكريات

وديع عواودة

Jul 21, 2018

الناصرة ـ «القدس العربي»: بعد عقود من تدميرها، استكملت إسرائيل بناء مقطع من سكة الحديد الحجازية التي أنجزتها الدولة العثمانية في فترة السلطان عبد الحميد الثاني على نفقة موازنتها وعلى التبرعات، وقد امتدت بطول نحو 1300 كيلومتر بين دمشق وبين المدينة المنورة. ومن سوريا التي كانت مرتبطة بشبكة قطار مع تركيا قبل ذلك، امتدت سكة الحديد الحجازية من دمشق إلى درعا ثم إلى الأردن فالحجاز. بدء في بناء السكة في أيلول/سبتمبر 1900 بإشراف مهندس ألماني كبير يدعى هنريخ مايسنر، وهو الذي أنيطت به قبل ذلك مهمة بناء شبكة القطارات في الدولة العثمانية عام 1876 وبعضها وصل إلى فلسطين عبر رأس الناقورة حيث تخترق مقاطع من السكة، وهي معلقة بالهواء، مغارة أسفلها البحر المتوسط. وعمل مع مايسنر طاقم من عشرات المهندسين العثمانيين والأجانب وبمشاركة عدة آلاف من العمال معظمهم من الجنود العثمانيين وتم تدشين خط الحجازية في الفاتح من أيلول/سبتمبر 1908.

أهداف الحجازية

ويقول المرشد المؤرخ فريد حاج يحيى لـ «القدس العربي» إن من وراء الحجازية، قصدت اسطنبول علانية تيسير خدمات السفر للحج، وقد عاش المسلمون في العالم حلم إنشاء الخط الحجازي وتبرعوا له من أموالهم، وغطت هذه التبرعات ثلث تكاليفه، وتفجرت الحماسة الدينية في قلوبهم وهم يترقبون إنجازه.
وتابع «تخيل الكثيرون أن البعث والصحوة بين المسلمين اقترب زمانها، وتجلت هذه المشاعر الفياضة في حماسة العمل وسرعة إنجازه، وعندما وصل أول قطار إلى المدينة المنورة حاملا الحجاج انهمرت الدموع، وانهالت الدعوات للسلطان عبد الحميد». بيد أن هدفها غير المعلن، وفق بعض المؤرخين ومنهم د. جوني منصور، يكمن في تقصير المسافات ونقل الجنود في حال نشوب الثورات في البلدان العربية. كما يعتبر مؤرخون آخرون أن المشروع جاء لتعزيز الهوية الإسلامية الجامعة. واستذكر أن السلطات العثمانية قد رفضت تبرعا بقيمة 500 ليرة استرليني قدمه رئيس المنظمة الصهيونية العالمية دافيد وولفسون عام 1908 خوفا من تغلغل النفوذ الصهيوني لإدارة الشركة وحفاظا على قدسيتها كونها جاءت رسميا كوسيلة لتيسير طريق الحج والعمرة.

قناطر وأقواس

ويوضح منصور أن سكة الحديد التي اعتمدت على الخشب والفحم الحجري كانت قصيرة العرض (105 سم) وهذا ساهم في تخفيف النفقات لكنه قلل سرعة القطار، تخللها بناء عدد كبير من المحطات بمعدل محطة كل 20 كيلومترا مثلما تخللها أيضا بناء مئات الجسور على شكل قناطر وأقواس للتغلب على معيقات طوبوغرافية. منوها أنها أتاحت السفر من دمشق إلى المدينة المنورة في خمسة أيام بدلا من 40 يوما على الجمال. هذه السكة التي لحقت بها أضرار كبيرة في الحرب العالمية الأولى قد تم ترميم واستخدام أجزاء منها فقط بعد الحرب المذكورة. وفي عام 1905 تم تدشين خط القطار بين حيفا ودرعا السورية (161 كيلومترا) وقد مر عن طريق مرج بن عامر وبيسان، مجامع النهرين ـ سمخ والحمة جنوب بحيرة طبريا. وبسبب التضاريس القاسية كان بناء السكة في المقطع بين الحمة (وهي منطقة حدودية بين فلسطين والأردن وسوريا) وبين درعا عملية معقدة اضطروا فيها لبناء جسور وأنفاق وقناطر.
ويشير جوني منصور، أن حيفا ارتبطت بدمشق بسكة قطار جزء من الحجازية وقد استغرقت الرحلة بين العاصمة السورية وبين عروس الكرمل 12 ساعة. وبعد نحو قرن تم تجديد المقطع بين حيفا وبيسان بطول 60 كيلومترا وأبقت إسرائيل على اسمها التاريخي وذلك لتحقيق عدة أهداف اقتصادية واجتماعية وقد دخلت حيز التنفيذ في 2016. تم بناء السكة الجديدة بمحاذاة مسار سكة الحديد الحجازية التاريخية من حيفا إلى بيسان في غور الأردن. وقتها نوه مدير عام وزارة المواصلات الإسرائيلية أن السكة المتجددة تهدف إلى تسهيل المواصلات، ونقل المسافرين والبضائع، والحد من أزمة السير، وتبديد الوقت وتشجيع السياحة وبقاء الشباب في هذه المنطقة الريفية.

قناة السويس

وبالطبع هناك أحاديث إسرائيلية كثيرة حول التخطيط لهذا المشروع أن يصبح خط مواصلات بين حيفا وإربد ومنها إلى دول الخليج. كما كان وزير المواصلات الإسرائيلية الأسبق شاؤول موفاز قد كشف في 2007 عن أن إسرائيل باشرت في أنجاز مشروع جديد للالتفاف على قناة السويس وصولا للعراق ولمنطقة الخليج وربما يفسر عودة السلطات الإسرائيلية للحديث اليوم لمد هذه السكة نحو الأردن لتكون همزة وصل مع ميناء حيفا. إضافة للمحطات ومباني شراء التذاكر مخروطة الشكل أبرزها بناء مخروطي من الحجر البازلتي الأسود قبيل مدينة بيسان. وفي المنطقة الممتدة بين حيفا وبيسان بنيت 20 محطة لسكة الحديد الحجازية التاريخية وهي قائمة في عمارات حجرية متطابقة بشكلها وبتصميمها الهندسي ومعظمها مبان مهجورة. ومن أجمل وأبرز هذه المحطات محطة تل الشمام (مستوطنة كفار يهوشع اليوم) والمنحوت اسمها على لوحة رخامية في عمارة مبنية من الحجر، وقد بات الموقع مزارا يتم فيه استعراض تاريخ السكة الحديدية.

ذكريات

الحاج محمد سرحان أبو أحمد (90 عاما) من بيسان المقيم في قرية الفريديس اليوم يوضح أنه يتذكر جيدا السكة الحديد الحجازية عندما كانت تمر من مدينته بيسان التي هجر منها في 1948. وخلال مرافقته وفي محطة القطار الحجازية غربي مدينة بيسان أشار أبو أحمد إلى بيت أبو العز الأرناؤوطي، بوسني الأصل، مدير المحطة حتى 1948 طيلة فترة الاستعمار البريطاني وإلى جهة الغرب بيت محمد حسن أبو خليل، مفتش المحطة من قرية قومية المهجرة في قضاء بيسان. ويتوقف القطار الجديد اليوم في منطقة غربي بيسان وقبيل محطتها التاريخية حيث ما تزال هناك بناية حجرية على شكل مخروط استعمل الطابق الأسفل للحراسة فيما استخدم الطابق الثاني مستودعا للمياه. وهناك أيضا بقايا مضخة لضخ المياه للقطارات التي تعمل بالبخار وبجوارها بناية كانت تستخدم مخزنا للبضائع. ويشكل القطار بالنسبة لأبي أحمد صاحب الذاكرة النادرة أكثر من مرفق اقتصادي مهم، فهو بمثابة حامل لذكريات طيبة يوم كان يستخدمه للسفر إلى حيفا وطبريا ودمشق مقابل قرشين أو قرشين ونصف كما يقول. ويضيف «ليس أجمل من السفر في القطار خاصة أيام الربيع حينما كان يتجول في ربوع الوطن المخضر». ويستذكر أبو أحمد أن سرعة القطار كانت بطيئة في المرتفعات حيث لم تتجاوز الثلاثين كيلومترا، لافتا إلى أنه كان بوسع ركابه النزول منه واعتلائه مجددا وهو مستمر في السير. وهذا ما أكد عليه الشيخ محمود مصطفى الذي عمل مفتشا في قطار الحجازية قبل أن يهجّر وأهله من بلدته شعب قضاء عكا إلى لبنان عام 48. قبل نحو 30 عاما أكد الشيخ مصطفى خلال زيارته لمسقط رأسه أن القطار كان يسير في تلك المنطقة بسرعة قليلة تتيح للمسافرين التمتع بالطبيعة الساحرة خاصة في الربيع. مستذكرا أن القطار كان يسافر بين حيفا ودمشق مرتين في اليوم للمسافرين ومرتين للبضائع واتسعت القاطرة لأربعة أشخاص فقط.

السلاح للثورة

وفي سياق السفر من البلاد لدمشق روى الشيخ سالم صقر من كفركنا، ضمن شهادة مطولة وبتفصيل مذهل قبيل رحيله عن 103 سنوات رحلته إلى سوريا للمشاركة في تأمين السلاح غداة الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) فقال: «كنا نستحضر السلاح من الشام. رحت على دمشق خلال الثورة وكان معي 100 ليرة من أهالي قريتي. لم يكن معي جواز سفر فخشيت القبض علي وقد رافقني صديقي من بلدي ياسين خشان عباس. وصلنا الحمة والتقيت بأخي سليمان وبدلنا القطار الفلسطيني بقطار سوري وكان أخي سليمان قد سبقنا بيوم إلى هناك هو وتركي طه من كفركنا لذات الغرض. في القطار السوري سألنا رجل بوليس سوري عن أسمينا فأنكرنا كوننا فلسطينيين لكنهم عرفوا وتغاضوا عنا. وصلنا درعا واشترينا أكل وكملنا حتى دار الأمة في دمشق ومعنا واحد من جماعة الشيخ نايف الزعبي كدليل فدفعنا أجرة القطار عنه. وصلنا بوابة الله في دمشق ثم بتنا في دار الأمة والصبح قالوا لنا إن الطلب على السلاح كثير فقلت: بلدنا متحمسة للثورة وبدنا سلاح وإلا تموت الثورة. وكان هذا في العام 1938. عند الأمة كانت البارودة بثماني ليرات ونصف وفي السوق السوداء بـ 16 ليرة. أما القائد يحيى هواش من البروة في الجليل فقد سمع ما قلته فقال: سنعطيكما ثماني بنادق والبقية بعدين بالتدريج وطلب من الشيخ سليمان أخوي البقاء وطلب منا المغادرة».

20 دقيقة

واليوم في مدينة العفولة كما في محطة تل الشمام داخل مستوطنة كفار يهوشع فإن المشروع الإسرائيلي الجديد يستعيد مشروعا تاريخيا يطمس رواية المكان الفلسطينية ويستبدلها برواية صهيونية في التسميات والرسومات والصور والشروحات والخرائط. اصطحبنا برحلة الحجازية الجديدة نورة وحسين، وهما تلميذان في المرحلة الإعدادية يحرمان من التعرف على رواية شعبهما وتقدم لهما كعشرات الآلاف من أترابهم الرواية الإسرائيلية. من العفولة إلى بيسان استغرقت رحلة القطار بالحجازية، نحو 20 دقيقة ممتعة من السفر المحاط بمشاهد الكروم والحقول الرومانسية وسط مرج بن عامر بين جبال الناصرة وجبل فقوعة الدرع الشمالي لمدينة جنين مصدر الينابيع الفياضة الغزيرة والجميلة في ساحل أكبر مروج فلسطين وأكثرها خصوبة (مرج بن عامر). هذه السفرة القصيرة تستغرق ثلث ساعة لكنها كانت كافية لاستعراض محطات وملامح بارزة في تاريخ وجغرافية فلسطين خاصة بشطرها الشمالي. وتوفر النظرة العابرة عبر النافذة فرصة للعودة للوراء بنفق الزمان إلى قرون خلت وحوادث انقضت وما زالت منقوشة في صخرة التاريخ كمعركة عين جالوت الفاصلة بين المماليك والتتار والتي تمت في سفح جبل فقوعة عند عين جالوت، حيث تتدفق واحدة من أجمل وأغزر عيون الماء في البلاد. عبر النافذة أيضا كانت تتبدل المشاهد بسرعة نتيجة سرعة القطار وتروي بصمت رواية المكان إذ تمتد على سبيل المثال مستوطنات كثيرة قامت على أنقاض سلسلة من القرى الفلسطينية التي دمرتها الصهيونية عام 1948 مثل قرى المرصص، وقومية، ويبلى، وشطة، والأشرفية وتل الشوك والساخنة وغيرها.

موسم الهجرة للجنوب

وعند بلوغ مرج بيسان ضيعة فيروز الظليلة يمر القطار بجوار سجن شطة حيث يقبع المئات من الأسرى الفلسطينيين خلف القضبان وهم رسل الشعب الفلسطيني في معركته من أجل التحرر من نير احتلال هو نتيجة صراع دام عمره بعمر سكة الحديد الحجازية. استمعت نورة وحسين بخشوع لتضحيات هؤلاء الأسرى ممن ضحوا بزهرات شبابهم في سبيل كرامة وعزة وحقوق شعبهم.

بين دمشق ـ حيفا والمدينة الحجازية: سكة حديد محملة بالذكريات

وديع عواودة

- -

2 تعليقات

  1. رحم الله آخر خليفة للمسلمين السلطان عبدالحميد الثاني (باني هذا الخط) والذي تم عزله من الماسونيين الأتراك سنة 1909 – ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. إسبانيا محاكم تفتيشها فعلت فعلها بالأندلسيين ومع ذلك حافظت على العمارة الأندلسية ما جعلها تُحظى بموروث حضاري أهلها لتكون قِبلة سياحية عالمية لا يستهان بها.
    في بلدان أُخرى وقع تخرب سكة الحديد على إثر خروج فرنسا واستمر التخريب إلى درجة غلبت فيها الأنانية بدل تطوير موروث وسيلة نقل في الصين مثلا جعلت من سرعة القطار تحاكي سرعة الطائرة ضمن آخر اختراع لها.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left