هل تقف إيران خلف مظاهرات العراق؟

نجاح محمد علي

Jul 21, 2018

لعل الكثير من العراقيين يدركون أن العراق لن يُكتب له الاستقرار ما لم تستقر جارته الكبيرة إيران والعكس صحيح.
وإيران أيضاً لن تستقر ما لم تُحسم الأزمات في المنطقة لصالحها أو لصالح حلفائها سواء في اليمن وسوريا وحتى في موضوع تشكيل الحكومة اللبنانية، وفي البحرين وفلسطين.
هكذا تقرأ إيران معادلة صراعها المتصاعد مع الولايات المتحدة وحلفائها كحزمة واحدة، وهي تتابع المظاهرات التي اندلعت خصوصاً في البصرة، وتحاول أن تنأى بنفسها عنها وتظهر وكأنها تراقب فقط ولا تتدخل، بينما هي حاضرة في عمق هذه المظاهرات إنْ بالاتهامات التي أطلقها عدد لا بأس به من السياسيين وقطاع عريض من الشعب بأنها وبسبب وقف صادراتها من الكهرباء تقف وراء اندلاع ما أسماها البعض مظاهرات «كرة الشمس الساخنة» إشارة إلى مونديال روسيا، وأنها جرت في البصرة ومن ثم امتدت إلى العمارة والناصرية، تحت حر الشمس اللاهبة بدرجة حرارة تقترب من الغليان (أكثر من 50 درجة مئوية) وبالشعارات التي أطلقها البعض ضدها خصوصاً شعار: «إيران برّه برّه» وإحراق صور زعماء روحيين إيرانيين، وإغلاق منفذ شلامجة الحدودي معها.
وبينما لم تخرج مظاهرات البصرة تحديداً عن سياقها العام ولَم ترفع شعارات سياسية واضحة عدا المطالبة بالحقوق كالماء والكهرباء وفرص العمل منددة في الوقت نفسه بكرة الفساد المتدحرجة التي تكبر يوماً بعد يوم دون أن يلوح في الأفق بصيص أمل في التغيير، فقد أصر بعض القيادات المحلية في البصرة على اتهام إيران بأنها السبب حتى في شحة مياه الشرب وزيادة الملوحة والتلوث في شط العرب. وذهب القاضي وائل عبد اللطيف وهو من كتلة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، إلى حد اتهام إيران وسوريا معاً بخلق أزمة المياه في العراق وقال في إحدى مداخلاته «إن أبناءنا يقتلون في سوريا وهي تقطع المياه عنا مع إيران».
وإذ لم تعلق إيران على أصل المظاهرات وعلى الاتهامات لها بشكل مباشر، إلا أن وزير الطاقة الإيراني رضا اردكانيان أوضح وهو يعتذر للشعب الإيراني ويطلب العفو والسماح بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء في فصل الصيف، أن تزويد العراق بالكهرباء جرى وفق اتفاقية مشروطة بتصدير الفائض عن الحاجة المحلية، وقد تم تعليقها منذ أكثر من خمسة أسابيع بسبب حاجة إيران للكهرباء وعدم سداد الجانب العراقي المستحقات التي تستخدم في إعادة تأهيل خطوط الطاقة التي تعرضت لبعض الأعطال في فصل الصيف.
وقال إن تعليق العمل بالاتفاقية تم بالتوافق مع وزير الكهرباء العراقي قاسم الفهداوي الذي زار طهران وأنه تفهم دوافع القرار الإيراني. وأضاف: كل عقود الطاقة والاتفاقيات تحتوي على أطر ومتطلبات، بما في ذلك أن الدولة المصدرة وعندما تكون في حاجة شديدة، عليها أولاً أن تلبي احتياجاتها الداخلية.
ويستورد العراق الكهرباء من إيران منذ نحو10 سنوات، وبلغ إجمالي ثمن ما تم شراؤه من الكهرباء أكثر من 6 مليارات دولار، وهو ما يكفي لبناء 12 محطة تستطيع حل أزمة انقطاع الكهرباء بشكل دائم.
ونشرت وزارة الطاقة الإيرانية على موقعها على الشبكة العنكبوتية نص الاتفاقية لتلقي بالكرة في ملعب الوزير العراقي قاسم الفهداوي إذ تساءل ناشطون :لماذا يوقع العراق من البداية اتفاقية مشروطة مع إيران وهو عاجز عن تأمين البديل؟ ولماذا لا يملك أصلاً خطة بديلة في حال تعليق الاتفاقية كما حصل بالفعل؟ ولماذا لم تدفع الحكومة ما عليها من مستحقات لإيران، وهل الضغوط الأمريكية هي السبب في ضوء قرار الرئيس الأمريكي تشـديد العقوبات على إيران ومنعها بالتالي من الحصول على عوائدها المالية بالدولار؟ وأخيراً لماذا لا يستطيع رئيس الوزراء محاسبة الوزير المقصر في تأدية واجباته الخدمية تجاه الشعب في نظام المحاصصة؟
إلى السعودية دُر

هذه الأسئلة حاولت الحكومة العراقية استيعابها وهي تقرر تعويض النقص من الكهرباء الإيراني، بالتوجه صوب السعوديّة في إطار مجلس التنسيق المشترك الذي تأسس العام الماضي بإشراف أمريكي مباشر، لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق، إذ تجد فيه الحكومة ووزيرا الكهرباء قاسم الفهداوي والتخطيط سلمان الجميلي الذريعة للتخلص من النفوذ الإيراني وإضعافه. وأعلنت الحكومة العراقية أنها ستوفد إلى السعودية من أجل حل أزمة الكهرباء فريقاً برئاسة الجميلي ويضم الفهداوي ووزير النفط عبد الجبار لعيبي ووزير النقل كاظم فنجان الحمامي المحسوبين على زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، الطامح بالظهور كزعيم (عربي) مستقل عن إيران!
ورحبت السعودية بالزيارة وأهدافها وحركت جيشها الالكتروني ليطلق وسم «السعودية تزود العراق بالكهرباء» تناولته قنوات فضائية مثل «بي بي سي» عربي».
لكنْ فجأة تم تأجيل الزيارة إلى إشعار آخر، وصدرت تكهنات عدة عن أسباب التأجيل بعضها أشار إلى أن مشروع تزويد البصرة والمدن الجنوبية بالكهرباء من السعودية لا يمكن تحقيقه، والكثير منها لمح إلى رفض حلفاء إيران في العراق هذا التوجه وأن العبادي الذي استنجد بالحشد الشعبي في مواجهة تداعيات المظاهرات فيما لو خرجت عن السيطرة، استمزج رأي أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي فرفض.
وغرد أنصار المهندس منتقدين خطوة التوجه صوب السعودية وقالوا إن السعودية التي أراد العبادي الاستنجاد بها، تحرض هِي وإعلامها وذبابها الالكتروني على إسقاطه وحكومته وكل النظام السياسي الراهن كما كانت تفعل مع (ثوار العشائر) وجماعة قادمون يا بغداد، في إشارة إلى مظاهرات الأنبار التي يَرَون أنها مهدت لسقوط مدن عراقية كثيرة في قبضة تنظيم «الدولة» الإسلامية الاٍرهابي.

أزمة نهر كارون

إلى جانب الكهرباء يُحمل عراقيون إيران جانباً من أزمة شحة المياه، لكن التصريحات العراقية تتضارب في هذا الجانب وتغلب عليها الأهداف السياسية في ظل إصرار إيران على نفي مسؤوليتها في جفاف مياه شط العرب وزيادة نسبة الأملاح فيه كونها تشارك العراق نصفه حسب اتفاقية الجزائر التي وقعها صدام حسين نائب الرئيس عام 1975 مع شاه إيران السابق.
ونفت القنصلية الإيرانية في البصرة، إغلاق مياه نهر كارون باتجاه شط العرب، معربة عن استعداد إيران استقبال أي لجنة عراقية لزيارة مدينة الأهواز الإيرانية للاطلاع على مسير النهر.
وقال مدير العلاقات والإعلام في القنصلية محمد إسماعيل، إن التصريحات التي تتحدث عن قيام إيران بقطع مياه نهر الكارون عن العراق غير دقيقة وعارية عن الصحة، مشيراً إلى أن المياه تحكمها معاهدات دولية وأن إيران عضو في تلك المعاهدات.
ونفى إسماعيل التصريحات التي أشارت إلى قيام إيران برمي مياه البزل لنهر كارون في مياه شط العرب، مشيراً إلى أن استقامة نهر كارون تؤدي إلى أن تذهب مياه بزله إلى البحر وليس في المياه العراقية.
وتابع أن شط العرب وفضلاً عن كونه يغذي مناطق السيبة والفاو في الجانب العراقي، فان له الدور الكبير في تغذية مدينتي خرمشهر وعبادان جنوب إيران، وبالتالي من غير الممكن قيام إيران برمي مياه البزل في شط تستفيد منه مناطقها بالتغذية المائية.
وأعلنت مديرية الموارد المائية في البصرة في وقت سابق أن مشكلة ملوحة المياه في ناحية السيبة تعود لإغلاق نهر كارون بالكامل فضلاً عن عمل مصبات المبازل التي ترمى مياهه في شط العرب من قبل الجانب الإيراني والذي تسبب برفع نسبة الملوحة في تلك الناحية.
ويبدو أن الحكومة العراقية تبنت وجهة النظر الإيرانية وقررت ضمناً في بيان بعد اجتماع مجلس الوزراء الاعتيادي أن زيادة نسبة الملوحة في مياه شط العرب سببها قلة الموارد المائية الآتية من نهر دجلة، إضافة إلى المد الذي يصل من الخليج، بينما الحكومة المحلية كانت قررت منذ 2013 انشاء سد لمنع عملية المد والجزر من الخليج ولَم تنفذ المشروع حتى الآن بحجة عدم وجود تخصيصات مالية.
وفي هذا السياق ذكر بيان مجلس رئاسة الوزراء، أن «المجلس صوت على زيادة إطلاق المياه عبر ناظم قلعة صالح بمستوى 75 متراً مكعباً في الثانية وزيادة إطلاق المياه في قناة البدعة إلى 7.5 متر مكعب في الثانية، وتشغيل مشروع ماء البصرة الكبير نهاية شهر آب/اغسطس المقبل تشغيلاً تجريبياً تمهيداً للتشغيل الكامل».
فهل هي جزء من إجراءات ترقيعية لتهدئة الغاضبين يضاف لها بالطبع اعتذار قائد منظمة بدر هادي العامري للشعب عن الإخفاقات في حل الأزمات، والذي تطرحه بعض الأوساط منافساً قوياً على رئاسة الوزراء تفرضها المعادلة الحاكمة في الصراع الإقليمي الدولي، أم أن وراء الأكمة ما وراءها وأن إيران بالفعل قادرة على قلب الطاولة على أمريكا في العراق وعموم المنطقة إذا صعدّت المواجهة معها بعد تدشين العقوبات؟

11HAD

هل تقف إيران خلف مظاهرات العراق؟

نجاح محمد علي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left