المكان في الروايات

أمير تاج السر

Jul 21, 2018

أظننا نتفق جميعا بأن الرواية أو السيرة الروائية هي في النهاية مجتمع متجذر، بكل شروط المجتمعات ومعطياتها، يتكون داخل نص شبيه بنصوص الحياة العادية، فلا بد إذن من مكان جغرافي حقيقي أو مخترع، لتجري فيه الأحداث.
 والمكان ولكي يمنح هبة احتضان النص كاملة، لا بد من رسمه بإتقان، لا بد من رصد تفاصيله، ووضع مكوناته، كل في مكانه الطبيعي، بمعنى أنه لا بد من بيوت للسكنى، من شوارع للمشي فيها، من أسواق للشراء، وأركان مضيئة أو معتمة للثرثرة. لا بد من قرية أو مدينة أو وطن لتمجيده أو عتابه حسب ما يحكى في النص. وقد اعتدت في قراءتي للأعمال الروائية، أن أتعمق في تذوق مكان الأحداث أولا، وجمع تفاصيله للاحتفاظ بها في الذهن، ومن ثم متابعة العمل الروائي، ورؤية مدى حنكة الروائي في جعل القارئ، ماشيا أو راكضا أو متعثرا، حتى غافيا باطمئنان داخل مكانه النصي.
 كان غابرييل غارسيا ماركيز يبهرني بمكانه الأسطوري، ذلك المكان المخترع لنصوصه باستفادة كبرى من بيئة الكاريبي، وما تمنحه من تميز حتى على صعيد الفقر والتشاؤم وتذوق الأساطير المتجذرة والعابرة.
 والذي يتعرف إلى قرية ماكندو التي أنشأها الجد خوسيه أركاديو بونديا، في مئة عام من العزلة، وأضحت بعد ذلك مكانا جغرافيا محتملا، بملامح القرى الكاريبية، لا يحتاج لكثير عناء أن يلم بكتابة ماركيز بعد ذلك، سيلم جيدا بأحداث روايته العظيمة «الحب في زمن الكوليرا»، والعظيمة الأخرى «أحداث موت معلن»، وحتى في قصته الحقيقية «حادث اختطاف»، حين حكى عن صديقته التي اختطفتها عصابات بابلو أسكوبار، إمبراطور المخدرات في كولومبيا في تسعينيات القرن الماضي، وأطلقتها وهي على حافة الانهيار. في كل تلك القصص تتنوع الحكايات وقد تتنوع أسماء القرى والمدن التي تجري فيها الأحداث، لكن في النهاية، نحن إزاء المكان الجغرافي المستوحى نفسه، المكان بما وهبه وما قد يهبه مستقبلا.
هاروكي موراكامي، ذلك الياباني الملهم، هو أيضا وضع لبنات مكانه النصي في البداية ومن ثم نوع حكاياته بحيث لن تخرج من خريطة طوكيو الحقيقية، بالرغم من جعل العالم غرائبيا ومزدحما بتفاصيل كثيرة. القارئ لا تهمه أشياء كثيرة في النص، بقدر ما يهمه خيط قوي، أو عصا سحرية مستعدة لقيادته داخل النص، المكان، وإتاحة الفرصة له ليلم بالمعالم المهمة. لذلك ستبدو القراءة لموراكامي في البداية مغامرة كبرى، لكن بعد الإلمام ببيئته جيدا، تصبح القراءة ممتعة.
من الروايات التي قرأتها وما تزال أصداؤها ترن في ذهني بسبب ما قدمته من خدمة جيدة بالتعريف بالمكان جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، رواية «الوله التركي» لأنطونيو غالا. إنها رواية ضخمة تدور أحداثها في اسطنبول، قصة حب قد تكون غير متكافئة بين فتاة إسبانية مرفهة، ودليل سياحي تركي على حافة الفقر، ويعيش بشخصية تحتوي على كل الصلف العثماني القديم.
 لقد نقل غالا ببراعة شديدة، مكانا زاره قطعاً، وتمعن فيه، وحفظ جزءا كبيرا من تفاصيله، وأظنها كانت رواية قصدية، أن تكتب فقط عن اسطنبول إحدى المدن المثيرة للجدل بتنوعها الكبير، واحتضانها لتاريخ قوي، يصعب تخيله أو الإلمام به. وستكون مهمة الدليل السياحي في البداية وقبل أن يأسر الإسبانية في حبه، أن يصحبها في جولات سياحية مع الوفد الذي أتت معه، وسنرى في تلك الجولات السياحية، عددا من المساجد القديمة الضخمة، عددا من القصور التي لا يمكن التخيل كيف بنيت أصلا، سنرى البازار الكبير، ونشم رائحة التوابل فيه، وسنرى السجاد المتنوع المنسوج ببراعة والمنسوج بإهمال، وأيضا سنرى مغيب الشمس في خليج البوسفور، وكل ما يمكن أن تضمه خريطة سياحية لمدينة مثل إسطنبول. وأظن أن المدينة هنا جاءت بالثوب المزركش أكثر من إسطنبول نفسها التي تجيء في كتابات الأتراك مثل أورهان باموق وإليف شفق، هنا المكان تلقائي بكل حسناته ومساوئه، فالكاتب التركي ليس سائحا ولن يقدم خدمة سياحية لبلده، هو يصنع مكانه الموازي لمدينة فيها الخير والشر، الشوارع الواسعة والأزقة، الأمن والرعب، النساء الجميلات والخاليات من صيغة الجمال، هكذا.
أيضا رواية مثل «ظل الريح» للإسباني كارل رويس زافون. هذا كاتب من برشلونة، ومؤكد هو ملم بخارطتها الجغرافية والإنسانية، وحين كتب حكايته عن الكتب المنسية في أحد الأماكن، بكل تلك الغرابة والفن، لم ينس أن يسير بنا في الشوارع البرشلونية، متتبعا اللافتات نفسها التي تسمي بها البلدية تلك الشوارع. هو لن يقول مثلا: انحرفت إلى شارع واسع، ولكن سيسمي الشارع باسمه الرسمي، كذلك سيسمي المكتبات، وأماكن بيع التحف والملابس بذات الاسم الموجود في الواقع. فقط سيكون النص خياليا، تم استلاف مكان مزدحم بالتفاصيل لاحتضانه.
هذا يقودنا لمسألة الإلمام بالمكان التي ينبغي توفرها لدى الكاتب من أجل صياغة مكان مواز، أي البيئة التي يخبرها الكاتب بحكم نشأته فيها، أو خبرها مؤخرا بعد أن سافر إليها بغرض العيش فيها أو لمجرد الزيارة السياحية كما شاهدنا في «الوله التركي». تلك البيئة في رأيي أول ما يتبادر لذهن الكاتب حين يضع قدمه في درب الكتابة، سيطرقها على الفور مستوحيا مكانه النصي منها، وسيستمر في طرقها في كل نص جديد، في الغالب، ما لم يكن نصا تاريخيا أو عن مكان بعيد، وسينتبه إليها القارئ، ولن يلهث خلف التفاصيل مجددا. ذلك أنه يعرف المكان، فقط سيتابع الحكاية الجديدة.
وبحكم عملي منذ سنوات في التدريب على الكتابة الإبداعية للشباب ممن شغفوا بالكتابة وأرادوا قواعد علمية لاتباعها، كنت أنبه إلى رسم المكان أولا قبل أي حوار أو حدث مهم، لأنني كقارئ لن أتفاعل مع الحدث جيدا، ولن أهضم الحوار الذي يدور بين شخوص معينين ما لم أتعرف إلى المكان الذي تدور فيه الحكاية، والشخصيات التي تتحاور داخلها. غير مقبول أبدا أن تضعني في نص بلا معالم، وتطلب مني الاستمرار، إنه أشبه بوضعي داخل غرفة من الصلب، وبناء حائط مكان الباب، ومن ثم تطلب مني الخروج منها.
كاتب سوداني

11RAI

المكان في الروايات

أمير تاج السر

- -

4 تعليقات

  1. اظن ان الروائي المغربي الراحل محمد شكري قد جعل لمدينة طنجة
    -
    فضاء سيرته الذاتية الخبز الحافي مكانا في ذهن القراء
    -
    تحياتي

  2. صباح الخير ايها الاخوة الاعزاء في ثقافية القدس العربي …. من هنا ابعث اليكم هذا السرد القصصي اتمنى ان ينال رضاكم واسعادي بنشره في الصفحة الثقافية .. وسبق لكم ان نشرتم لي الشهر الماضي نصا قصصيا وآخر شعريا …. تقبلوا محبتي ….. فراس تاجي – البصرة – عراق

    قصة
    (( هي الأيامُ تعدو ))
    كانَ على سريع أنْ ينهضَ من كبوتِه ، ويواصلَ السيرَ معَنا ونحنُ ننسحب … كانَ عليه أنْ يغلقَ بكفِّه الجُرحَ الذي احدثته شظيةٌ في أعلى صدرِه مِن جهةِ اليمين ، فنحنُ في سباقٍ مع الوقتِ والأرض ، إذ كانت قذائفُ مدفعيةِ الأعداءِ تلاحقُنا ، وأزيزُ رصاص بنادقِهم يئزُّ قريباً من مسامِعِنا فهُم في صولةٍ نسمعُ صيحاتِهم الموتورة بغيةَ اثارةِ الرُّعب في نفوسِنا ، فليس لنا غير أنْ نعدو أو نهرولَ بكلِّ ما نملكَ من جُهدٍ ، وما في قلوبِنا من عزيمةٍ .
    كان سريع أصغرَنا سناًّ ، وأحدثَنا في الالتحاقِ بالخدمةِ العسكريةِ . فقد نُقِلَ إلى وحدتِنا بعد تدريبٍ لم يزُد عن ثلاثةِ اسابيعَ ، وتكيّفٍ لم يتُم اكتمالُه … ما زالَ خطُّ شاربِه ناعماً ، وبياضُ وجهِه ناصعاً لم تلوّحه الشمسُ التي لوَّحت وجوهَنا نحن الذين التحقنا منذُ أكثر من عامٍ ، وامتلأت خياشيمُنا برائحةِ البارود ودخانِ الحرائق .
    كان ، وهو يحاولُ مواصلةَ الجري ، خائفاً ومرتعباً لرؤيةِ الدمِ يتدفَّق من صدرِه وينتشرُ سريعاً في قميصِه الكاكي .. تترقرقُ في عينيه دموعٌ نقيّةٌ يتمنّاها تأخذ مجراها على خدِّه فقد صارت تتسبَّب في تضبِّبِ الرؤيةِ لديه . وصارَ يتمتمُ بجزع ٍ: آه ، لو كانت أمّي تدري ما يحدث لي الآن ؟ .. لو كانت هنا !
    يهتفُ به احدُنا وقد تأخَّر كي يكونَ الى جوارِه يحثّه على الجري ، ويدفع به ليكونَ معنا فلا يتأخَّر خطوةً واحدة ؛ فالتأخّرُ يعني التلكؤَ ، يعني اصابته من قِبل العدو كهدفٍ سهلٍ : أوقِفْ يا سريع التصوّرات ؛ أوقِف الاحتمالات .. إنّنا في سباقٍ مع الموت .
    نقرأ في عينيه رسالةَ التقهقرِ ، ونرى كفَّه تغرقُ بالدمِ الدافِق من صدرِه .
    يمدُّ الذي كان يعدو إلى جانبِه ذراعَه الأيمن ويسنده بعدما لاحظَ رأسَ خيطِ الخواءِ يلتفُّ على جسدِه … يتدفَّقُ من عيني سريع بريقُ الشكر ، ويشعر أنَّ الذِّراع التي التفت تسنده إنَّما هي ذراعُ أمّه ، وهمسٌ ينطلقُ من حنجرتِها تقول له : هذا أخوكَ إلى جانبك … انتم كلُّكم أخوةٌ على هذي الارض .. أرضُكُم كبرياؤكم .
    يتنهَّد سريع اليوم بعدما مرَّ ما يزيد عن الثلاثينَ عاماً على الحربِ .. يحاولُ استرجاعَ صورةَ مَن كانوا معه في تلك اللحظاتِ العصيبة … يحاول .. ويحاول … لكنَّه لا يقدِر .
    لقد احدثت الجلطةُ الدماغيةُ التي ضربت رأسَه تخلخلاً في منظومةِ الدماغ ؛ وتركتُه يسيرُ في شوارعِ المدينةِ وأزِّقتِها بلا بوصلةٍ ، ولا هدى .

  3. الثلاثية لنجيب محفوظ من اروع الروايات التى وظفت المكان

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left