هل هي «انتفاضة شيعية» حقاً؟

صبحي حديدي

Jul 21, 2018

تقول الحكاية الأولى إنّ بعض قادة «حزب الدعوة» هم أبرز المحرّضين على تظاهرات الاحتجاج الشعبية في النجف، المدينة التي تحتضن مرقد علي بن أبي طالب؛ رابع الخلفاء الراشدين عند السنّة، وأوّل الأئمة عند الشيعة الإثني عشرية. لماذا التحريض، قد يتساءل المرء، ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ينتمي إلى «الدعوة»؟ الإجابة بسيطة، رغم أنها لا تخلو من الدراما: لأنّ هؤلاء القادة لا يتنعمون بالمكاسب التي يجنيها قادة آخرون في الحزب ذاته، يحدث أنهم في مواقع (المطار مثلاً، الذي اقتحمه المتظاهرون) تتيح لهم الكسب غير المشروع.
في البصرة، كما في سامراء والعمارة وذي قار، تذهب الحكاية مذهب المطالب الخدمية المباشرة، أي الكهرباء والماء؛ ولهذا يهاجم المتظاهرون منشآت النفط، العراقية والعالمية، لأنّ الوقود المتوفر لتشغيل محطات الكهرباء غير كافٍ (في بلد يزمع زيادة إنتاجه من النفط إلى 6،5 مليون برميل يومياً!). الحكاية هنا ترتدي صفة إقليمية، غير خالية من المفارقة «المذهبية»: الكويت (البلد السنّي، الذي اجتاحه صدّام حسين سنة 1990) يقرر تأمين الوقود لمحطات الكهرباء العراقية المتوقفة عن العمل؛ وفي المقابل، فإنّ إيران (البلد الشيعي، المتمتع بالنفوذ السياسي والأمني والديني الأقوى في العراق) تختلق عشرات الذرائع في تبرير امتناعها عن استئناف ضخّ وقود التشغيل.
مضامين هاتين الحكايتين، وسواهما من حكايات أخرى متنوعة المحتوى ومتشعبة الدلالة، لا تبخس في شيء سلسلة المطالب المشروعة التي ساقها المتظاهرون في محافظات جنوب ووسط العراق؛ خاصة تلك التي تمحورت حول الفساد والفشل الحكومي والتقصير الإداري، أو التي ربطت بين استئساد غالبية الأحزاب الشيعية في سوريا عبر ميليشياتها المختلفة، مقابل إهمال جماهيرها الشعبية التي كانت وتظلّ وقود صعود تلك الأحزاب. لكنها، في المقابل، مضامين أقرب إلى القرائن الدامغة (ثمّ المتفجرة، والدامية أيضاً حيث كان آخر الضحايا متظاهر قُتل أمام فرع «منظمة بدر» في الديوانية)، حول الهوة الفاغرة بين هرم التمثيل الشيعي وقواعده، على مستويات حكومية ومعيشية وخدمية مباشرة وحيوية، قبل أيّ مستوى مذهبي أو حزبي أو سياسي.
وليس دون مفاجأة، في الصياغة اللغوية بادئ ذي بدء، أنّ عدداً غير قليل من المعلقين العراقيين لم يجدوا أيّ حرج في استخدام تعبير «الانتفاضة الشيعية»؛ وذلك بعد استذكار حقيقة أولى تشير إلى عدم انخراط الجمهور الشعبي السنّي في تظاهرات محافظات الجنوب والوسط، أو قلّة الحماس لها؛ وحقيقة ثانية مرادفة تشير، من جانب آخر، إلى مزاج مماثل لدى المحافظات الشيعية إزاء انتفاضات شعبية اجتاحت المحافظات السنّية؛ خلال نموذجَيْ 2008 و2013، على التوالي.
صحيح، غنيّ عن القول، إنّ الحاجة إلى الكهرباء لا تختلف بين مواطن عراقي سنّي وآخر شيعي وثالث كردي ورابع آشوري… ولكن، كيف يمكن إغفال المحتد المذهبي لمسؤول مقصّر وفاشل، إذا كان في الأصل قد صعد على لافتة هويته المذهبية؟ وكيف يُنتظر من جمهور سنّي في الموصل، على سبيل المثال، أن يتضامن مع تظاهرة جمهور شيعي في البصرة، إذا كان «الحشد الشعبي» الشيعي هو سيّد الأمن في الموصل، وحامل المفهوم الذي يقول إنّ غالبية أهل السنّة في المدينة هم من الدواعش؟ هذا سؤال لا يزجه في قلب النقاش منطقٌ راهن طاغٍ، سوسيولوجي قبل أن يكون سياسياً، فحسب؛ بل تشارك في تغذيته تلك الشرائح النخبوية التي تزعم الترفع عن المذهبية، لكنها تكشف أسوأ ما في التمذهب من تعصب وانعزال وتخلف وجاهلية، وتنتج أردأ ما يتماشى معه من خطابات تأثيم الآخر وتمجيد الذات.
وفي معارضة هذه الشرائح تحديداً ثار العراقيون مراراً، منذ الغزو الأمريكي سنة 2003، فتبدلت مواقع، وتعدلت ولاءات، وصعدت أحزاب، وعربدت ميليشيات، وتفسخت نُخب ومُسخت أخرى… لكنّ أسباب الانتفاض الشعبي الجوهرية بقيت كامنة، في ازدياد واتقاد، أياً كانت هوية «المذهب» وانحيازاته، وكيفما تعالى ضجيج النخبة وعجيجها!

11RAI

هل هي «انتفاضة شيعية» حقاً؟

صبحي حديدي

- -

11 تعليقات

  1. استاذي. عملت لدى شل الهولندية في منطقة البصرة وفي حقول مجنون و خور الزبير و جنوب وشمال الرميلة، Bp تأخذ (او تنهب بعتبيرٍ أصح) النفط وتولي الغاز(وسوائلة من ال NGL) لشل (Shell)، شل بدورها تأخذ (او تنهب) بواجهة ما يسمى بشركة غاز البصرة (BGC)حصتها ، ما لا تستطيع إسالتة شل بأقل ما يمكن من استثمار بإصلاح بنية تحتية كانت قائمة اصلاَ بعظمة بناها عراقيون عمالقة في عهود العراق العربي الذهبية و دمرها تماماً الثور الانجلوسكسوني. ما لا تستطيعة شل من ذلك تحرقة بالهواء مباشرة (direct flaring) بكل ما فية من سوائل شُعلات ملتهبة ارتفاعها يصل لخمسون الى ثمانون متراً يجري انجازها بسرعة البرق، حفرة Pit و انبوب موزع Mnifold…كوارث بيئية حقيقية تجري و تستمر على مدار الثانية. كنا نجتمع مع Bp للتنسيق فيما يخص النزر اليسير من فتات المشاريع (كإنزال صمام هنا او هناك…) على طرفي الطاولة; بريطانيين (انا بينهم بجنسيتي البريطانية لا العربية).. لا عراقيين بيننا اطلاقاً طلاقاً، فقط من ينتظرون خارجا لنقلنا و حمايتنا اثناء التنقل. لم استطيع تحمل كل ذلك فغادرت. بكل أسف ولوعة، بترول العراق ذهب غنائم حرب يا عزيزي و من ينهبة يدخل العراق من مطار البصرة وتتلقاة حافلات صغيرة مصفحة بحديد سمكة عشرة مليمترات حيث يلبس الجميع سترات ثقيلة واقية من الرصاص، يجلس في المقاعد الامامية مرتزقة بريطانيين على الاغلب, مسلحين ببنادق اوتوماتيكية توظفهم شركات النفط، تمشي الحافلة بطرق خارجية خاصة لتصل مباشرةً لموقع الانتاج… بإختصار، بترول عراقنا العربي العظيم عراق العمالقة الكبار، ذهب غنائم حرب…

  2. باختصار نجحت أمريكا بتحويل العراق إلى دولة فاشلة عندما قبل العراقيون بالمحاصصة الطائفية ولن تقوم لهذا البلد قائمة حتى يتخلى الشعب عن طائفيته

  3. كنت في البصرة منذ ثلاثة أشهر . كل من كلمته ، أشار الى أنه لن ينتخب .
    منذ ١٩٥٨ لم يدير أمور العراق رجال دولة ، بل أما عسكريين
    جهلة ، أو مؤدلجين ديماغوغيين لم يجدوا حرجاً أن يكونوا أمعات مع الغزاة المحتلين . و خلال كل تلك السنين قدّم الأبرياء مئات الألوف من الضحايا ، و عمّ الخراب .
    جاء الغزاة و حثالاتهم و وعدوا الناس بالمانيا و اليابان و إذا ببوركينا فاسو و تشاد و مالي تتقدم على العراق .
    من ثار و إنتفض ، فعلوا ذلك كعراقيين …و أنا ، و قد كنت في البصرة مؤخراً و رأيت مارأيك ، و سمعت ، متأكد من ذلك

  4. انتفاضة شيعية …انتفاضة سنية ….لن تقوم لأى بلد قائمة إلا بالابتعاد عن حكم الكهنوت و الملاللى و ما يسمى الشيوخ و العلماء ….و تأسيس دولة مواطنة فعلية لا يكون للدين او الطائفية مكان فيها ….العراق مثال حى على ذالك ….اعجبنى ما قاله السيد شهاب “وعدوهم بألمانيا و االيابان فوجدوا التشاد و بوركينا فاسو احسن منهم” و هذه حقيقة ساطعة بعدما نعرف ان هذا البلد يسبح على بحر من النفط و الغاز …للاسف يجب المرور بسنوات من الخراب و الدماء و الموت و التهجير …لكى يفهم البعض ان الطائفية و خلط الدين و السياسة هو طريق خاطئ …و نتائجه معروفة ….و لكم أن تولوا وجوهكم يمينا او شمالا ….لكى تروا الخراب و الدماء …..تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها

    • أشكرك أخي إبن الجمهورية

      و لكنك نسيت مالي!
      و أنا غفلت أن أذكر باقي دول العالم الثالث ، فجميعها سبقت

  5. اما عن المفارقة بين ايران والكويت في الموضوع فان الكويت حدودها مع العراق فقط في البصرة وقد قام المتظاهرون باغلاق معبرسفوان وبالتالي قد تصلها نار الاضطرابات وايران تريد العكس لكي تضغط على الكل وتتشكل حكومة على مزاجها. اما من يقف وراء المظاهرات فيمكن ان تتهم كل الاحزاب الشيعية (باقي المحافظات) في ذلك عدا ما حدث في البصرة لانهم يتقاسمون السرقة فالنفط لحزب الدعوة والموانيء للتيار الصدري والمعابر مع الكويت وايران للفضيلة ومجلس المحافظة للحكيم وهلم جرا

    • @ابو أشرف: اكيد لحمة العروبة اقوى من لحمة المذهبية و هذا رأيناه فى سوريا و نراه فى اليمن و العراق نفسها قبل الغزو و بعده ….و نراه فى ليبيا….و الصومال …و السودان …. و هذا بين العرب أنفسهم…فما بالك بين العرب و و الاكراد و الأمازيغ و ….و…..اللحمة لا تحتاج الى امثلة …..تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها

  6. *للأسف ضاع (العراق) الشقيق
    بين (الفساد) و (الطائفية)..؟
    حسبنا الله ونعم الوكيل.
    سلام

  7. تأكيداُ لكلام الأخ أحمد الطراونة، أكبر حقل نفط منتج حاليا هو حقل الرميلة (بشقيه الشمالي والجنوبي) الذي تم غزو العراق من أجله تقريبا وقد استولت عليه شركة النفط العملاقة بريتش بتروليوم و هي التي تديره الآن ويمتلك الحقل احتياطي نفطي مؤكد يبلغ 17 مليار برميل (أُنتج منه حتى الآن 4 مليارات برميل منذ عام 2009 حيث استولت عليه الشركة) و ينتج حالياً مليون ونصف مليون برميل من النفط الخام، الغاز المصاحب للنفط يتم حرقه بالكامل وكان بسهولة يمكن أن يتم الأستفادة منه في إنتاج الكهرباء ولكن لم يتم عن قصد. والطامة الكبرى لكي يتم تعزيز وتسريع إنتاج البترول يتم حقن المياه العذبة في المكمن حيث تضخ بي بي فيه يومياً 2 مليون برميل من المياه العذبة التي يتم نزحها من نهر دجلة ( من قرية كرمة علي قرب مطار البصرة عبر أنابيب قطر الواحد منها متر وبطول 70 كم) وذلك لتعزيز إنتاج البترول الخام.
    لقد تم اقتسام بترول العراق مباشرة بعد الغزو بين أمريكا وبريطانيا ( بريتش بتروليوم، شيفرون، إكسون موبيل و شل التي انسحبت مؤخرا) فأخذوا نصيب الأسد ثم تلتهم إيطاليا ( إيني) ومن ثم روسيا (لوك أويل) والصين (شركة نفط الصين الوطنية) للإسكات. عائدات بترول العراق تسرق بشكل كامل إذ لا تزال حتى لحظة كتابة هذه السطور تنقطع الكهرباء بشكل شبه يومي ويتم حقن المياه العذبة في باطن الأرض والناس يموتون عطشاً مع دوابهم و زراعاتهم. أما عن الشركات الأمنية فحدث ولا حرج إذ أن أغلب موظفيها جنود بريطانيين وأمريكان سابقين تم إعادة تأهيلهم ومن ثم توظيفهم في العراق وهم بالكاد يعرفون القراءة والكتابة وهم أجلاف متعجرفون وقساة، وأزيدكم من الشعر بيتاً، لقد أقسم لي زميل -وهو شيعي بالمناسبة- أن أغلب التفجيرات التي تحصل بين الحين والآخر وكان آخرها عندما كنت بالبصرة وقد حصل بالفعل على مدخل مدينة الناصرية- لقد أقسم لي أن التفجيرات تقوم بها جماعات مرتبطوبشركات البترول كي يبقى هناك مبرراً لبقاء شركات الحراسات الأمنية تلك والتي تعد بالمئات وهي مرتبطة (أي ملاك هذه الشركات) بمسؤولين عراقيين وآخرين أجانب ( بريطانيين وأمريكان بشكل أساسي) ولمن ثم يتم إلصاق التهمة بداعش العدو الوهمي الذي يدر عليهم الملايين وهم يقيمون في الخارج.

    Reply

  8. ليست ثورة إنما هو تدافع للفساد الذي يُكسر بعضه بعضا ليستقر في النهاية لصالح الفُرس فالعراق عندهم أعز من سوريا وإلا ما كان ليُحرك الشارع العراقي إلا بإعاز من طهران.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left