ثورة 23 يوليو ما بين «الكرنك» و«رد قلبي»… رؤى سينمائية مع وضد!

Jul 23, 2018

القاهرة ـ من كمال القاضي: مع بداية شهر يوليو/تموز من كل عام تتسابق القنوات الفضائية بمختلف اتجاهاتها على عرض الأفلام السياسية التي أرخت لثورة يوليو، حسب رؤية صناعها وتوجهاتهم، فمن يؤيد الثورة يذهب إلى إنتاج الخمسينيات والستينيات فنرى آيات التأييد مجسدة في ما طرحته السينما آنذاك، ودعمته بصور وموضوعات نفت عن الثورة سلبياتها وركّزت على الإيجابيات، باعتبار ذلك رداً للجميل وتوثيقاً للتاريخ الناصع والمرحلة الفارقة من عمر مصر المحروسة، بعد سنوات الاحتلال السبعين، التي أذاقت خلالها السلطات الأجنبية الشعب المصري سوء العذاب، وفي هذا الإطار جاءت السيناريوهات المختارة التي تحولت إلى أفلام تعلن انحيازها للثورة ورجالها، وتضع حيثيات الإقناع أمام الجماهير، وعليه كانت التجارب الأشهر ومن بينها، فيلم «الفتوة» للمخرج صلاح أبو سيف، الذي يناقش قضية الاحتكار ويحذر من الاستغلال والمستغلين، ويشجع عصامية صغار التجار والمستثمرين، ويعلي من قيمة نجاحهم في مواجهة العناصر المستغلة والمهيمنة، وقد اختار أبو سيف مجموعة مهمة من الأبطال الشعبيين، جاء على رأسهم فريد شوقي الملقب بملك الترسو، لزيادة التأثير وضمان وصول الرسالة الضمنية للفيلم ونجاحها على نطاق واسع، وهو ما تحقق بالفعل .
وليس هذا الفيلم وحسب، وإنما برزت أفلام أخرى مثل «رد قلبي» للمخرج عز الدين ذو الفقار، كأهم الأعمال التي اعتمدت الخطاب المباشر في طرح قضية الثورة، والحديث عن تنظيم الضباط الأحرار الذي تأسس لمواجهة الفساد الملكي، حسب السياق الدرامي، وأيضاً ركّز الفيلم على المسألة الطبقية وعذابات الفقراء والأجراء أمام سطوة الإقطاع والإقطاعيين، وبنيت الأحداث على العلاقة الرومانسية المستحيلة بين إنجي بنت الباشا، سليلة العائلة الأرستقراطية العريقة، وعلي ابن الريس عبد الواحد الجنايني، وتداعت الصراعات انطلاقاً من هذه الحالة إلى أن وصلت للذروة بقيام الثورة وطي الصفحة القديمة واستشراف المستقبل الجديد.
فيلم «غروب وشروق» للمخرج كمال الشيخ كان نموذجاً لصور الفساد والاستبداد قبل الثورة، وناقلاً لوجهة نظر المؤيدين، فهو يتناول سطوة البوليس السياسي وفساد رجال السلطة وذويهم، وحالة الاستهتار العامة التي كانت شائعة في أربعينيات القرن العشرين، ودلل عليها دور محمود المليجي، وأكدها دور سعاد حسني التي قامت أيضاً بتجسيد شخصيه مشابهة من حيث الإسقاط السياسي في فيلم «القاهرة 30» المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة»، والأمثلة في هذا الصدد متعددة وكثيرة، فهناك فيلم «في بيتنا رجل» لعمر الشريف وزبيدة ثروت، وفيلم «لا وقت للحب» لفاتن حمامة ورشدي أباظة، وفيلم «الحرام» و«الباب المفتوح»، وهي مجموعة متميزة فنياً للبطلة فاتن حمامة، حيث كانت هي الحصان الرابح آنذاك، والمنوط بها توصيل الرسائل المهمة عبر أدوارها المتنوعة والمهمة، ولم تقتصر عملية توثيق ثورة يوليو على مجموعة الأفلام التي أنتجت في فترتي الخمسينيات والستينيات، وإنما ظل الحدث الثوري حياً لما بعد هذه التواريخ بكثير، ففي فترة التسعينيات على سبيل المثال قدّم صلاح أبو سيف مجدداً فيلمه المعروف «المواطن مصري» عن قصة يوسف القعيد، ليؤكد ولاءه مرة أخرى، رغم المياه الكثيرة التي جرت في النهر على الصعيد السياسي والاجتماعي وصاحبها تغير في المفاهيم والأفكار، إلا أن المخرج الكبير ظل متمسكاً بمبادئه وثوريته.
على الجانب الآخر وبحدة في الرفض تساوي نبرة التأييد جاءت بعض التجارب السينمائية الموازية بأطروحات مختلفة في فترة السبعينيات وهي ما أطلق عليها سينما تصفية الحسابات، ومعظمها أنتج بعد تولي الرئيس السادات الحكم، ويعد أشــهرها فيلم «الكرنك» المأخوذ عن رواية الكاتب نجيب محفوظ، وقد كتب السيناريو ممدوح الليثي وأخرجه علي بدرخان، ويحمل الفيلم الكثير من أشكال النقد لمرحلة الحكم الناصري، في إشارات واضحة لديكتاتورية النظام وقبضته القوية على المعارضين وتخليه عن مبدأ الحرية مقابل البقاء في السلطة وهي دعاوى لم تكن ضمنية فقط، ولكنها كانت صريحة ومباشرة وربما فجة أيضاً.
والغريب أن هذا الفيلم قام ببطولته نور الشريف وسعاد حسني، وهما الثنائي الذي قدم بطولات مغايره لرؤى مناقضة للمعنى والدلالة في سياقات مؤيدة للثورة، ذكرنا بعضها في السطور السابقة.
وعلى المنوال نفسه جاءت أفلام كان لها الطابع النقدي الحاد نفسه، مثل «ثرثرة فوق النيل وميرامار واتنين على الطريق وطائر الليل الحزين» وكلها عزفت سيمفونية الهجوم الضاري وسلبت من ثورة يوليو كل امتيازاتها وإيجابياتها، هكذا تراوحت السينما المصرية ما بين التأييد والرفض، وقدّمت الرؤية والرؤية المضادة، إعمالاً بمبدأ الشفافية والموضوعية، أو خضوعاً للرؤية السياسية واتساقاً مع المناخ العام الذي لم يكن يسمح في فترة السبعينيات بإعادة إنتاج النظام الناصري وأدواته وشعاراته وملامحه.

 

ثورة 23 يوليو ما بين «الكرنك» و«رد قلبي»… رؤى سينمائية مع وضد!
- -

2 تعليقات

  1. إنّها لا تموتُ الثّوراتُ و إنّما تموتُ الرّجالُ … شكرا.

  2. انقلاب 23 يوليو الذي أسس لقيام دولة حكم العسكر…التي استبدلت نظام ملكي فاسد على حد زعمهم..بنظام جمهوري عسكري ديكتاتوري افْسَدُ منه …انتج لنا حكم الزعيم…صاحب الهزيمة النكراء..و من خلفه من بعد…بدءا ( بأمير المؤمنين) الذي ذاب عشقا في الصهاينة و ابرم معهم معاهدة استسلام ..و اكمل المهمة من بعده المخلوع …و خلفه من بعد انقلابي آخر أتى على الأخضر و اليابس …و المصيبة ان هوولاء الأوغاد كلهم خريجي المؤسسة العسكرية التي استعبدت الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا …و بقيت الامة العربية عامة و الشعب المصري خاصة يدفع الثمن منذ ذلك التاريخ المشؤوم الى غاية اليوم…هزاءم و استسلام و تطبيع و خضوع و خنوع ، بإسم شعارات جوفاء أوصلت الشعب الى العيش على الصدقات الآتية من دول الجوار…!! و هذا كله بإسم الثورة التي بشرنا بها هوولاء السحرة. و شكرا لقدسنا الموقرة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left