روسيا وأمريكا تفاهمتا في سوريا… ماذا عن تركيا ؟

د. عصام نعمان

Jul 23, 2018

من الواضح أن روسيا وأمريكا تفاهمتا على تفكيك تعقيدات أزمة سوريا المتأججة منذ نحو ثماني سنوات، والتوجّه بها تدريجياً إلى تسوية سياسية بمشاركة حكومتها وموافقتها. تجلّى هذا التفاهم بترتيبات «مناطق خفض التوتر» الأربع في شمال البلاد ووسطها وجنوبها، ثم بتسهيل إعادة سيطرة الجيش السوري على كامل محافظتيّ درعا والقنيطرة المجاورتين للجولان السوري المحتل، وأخيراً بتحرير أهالي كفريا والفوعة من حصار طويل مضروب عليهم وتنظيم إيصال المساعدات الإنسانية الى المحتاجين وإعادة اللاجئين في الأردن ولبنان إلى ديارهم.
ظاهرات عدّة لافتة رافقت تنفيذ إجراءات هذا التفاهم بين الدولتين الكبريين، يمكن أن تفضي إلى تداعيات خطيرة قبل نضوج التسوية السياسية المنشودة. أولى هذه الظاهرات رفضُ مسلحي «هيئة تحرير الشام» (اي جبهة «النصرة») قبول التسوية مع الحكومة السورية والإصرار تالياً على البقاء في محافظة إدلب حيث السيطرة لها. ثانيتها، سيطرةُ تركيا على محافظة إدلب وبالتالي موافقتها، مباشرةً او مداورةً، على قرار مسلحي جبهة «النصرة» بعدم قبول التسوية مع الحكومة السورية، مختارين دائماً الإنسحاب إلى أدلب. ثالثتها، ثبوت وجود عناصر لحزب الله بين المقاتلين المدافعين عن كفريا والفوعة وخروجهم مع الأهالي في عملية التبادل الأخيرة من دون علم «النصرة»، أو أيٍّ من الأطراف المشاركة في ترتيباتها، الأمر الذي يطرح سؤالاً عن المغزى من إبقاء وجودهم كما تحريرهم سراً، وكذلك وجهتهم المقبلة ودور حزب الله تالياً في دعم الجيش السوري في حال اتجاهه إلى تحرير إدلب من «النصرة» وحلفائها.
فوق هذه الظاهرات الثلاث يرتسم سؤال ملحاح: ما موقف تركيا من تفاهم روسيا وأمريكا في سوريا، وكيف ستتصرف إذا ما قررت دمشق الردّ على رفض «النصرة» أي تسوية معها بمهاجمة إدلب لتحرير المحافظة من جميع الفصائل المتمردة المتمترسة فيها؟
تركيا سبق لها أن أعلنت أن مهاجمة الجيش السوري لإدلب من شأنها أن تنسف اتفاق استانة بينها وبين كلٍّ من روسيا وإيران، من أجل ايجاد تسوية سياسية للأزمة السورية. فهل تراها تحاول، بعد إعادة سيطرة الجيش السوري على محافظتيّ درعا والقنيطرة، التواصل مع الحكومة السورية عبر شريكيها الآخرين في اتفاق استانه لإيجاد تسوية لمسألة إدلب؟ أم تراها تساند جبهة «النصرة» وحلفاءها لحمل الحكومة السورية على مفاوضتها مباشرةً، من أجل التوصل إلى تسوية تحمي مصالحها في شمال البلاد؟
من المعلوم أن تركيا سيطرت بالقوة على منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية في غرب سوريا، كما على منطقة جرابلس في شمالها، وكادت تتصادم مع أمريكا الداعمة لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» الكردية في منبج، فهل تتجه أنقرة إلى مفاوضة واشنطن، اولاً، حول مستقبل الوضع في سوريا، كما وجود قوات امريكية وتركية في شرق سوريا وشمالها؟ ام تقوم بالتفاوض مع الحكومة السورية مباشرةً؟
العلاقات التركية – الأمريكية ليست على ما يرام في الوقت الحاضر. فقد حدث خلاف بين الطرفين حول هوية الجهة الممكن قبول سيطرتها مؤقتاً على منبج، وقبلها حذّرت واشنطن انقرة من مغبة اقتنائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، وبعد ذلك أبدت انزعاجها لعدم امتثال أنقرة لعقوباتها القديمة والجديدة ضد ايران، بعد إعلان واشنطن خروجها من الاتفاق النووي منتصفَ مايو/أيار الماضي.
الى ذلك، أعلنت أمريكا، بلسان ترامب، سحق الإرهاب في سوريا، ما يستتبع زوال الحاجة إلى إبقاء قواتها هناك. في هذا السياق، قامت بتفكيك معسكرين لقواتها المتواجدة في منطقة التنف، جنوب شرقي سوريا، وقد تقوم لاحقاً بسحب قواتها من شمال شرقي سوريا. فهل تبادر واشنطن إلى مفاوضة انقرة حول مجمل القضايا العالقة بينهما، بغية التوصل إلى تسوية مقبولة؟
الكرد السوريون المنضوون في مجلس سوريا الديمقراطية «مسد»، الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» عقدوا مؤخراً اجتماعاً في مدينة الطبقة، الخاضعة ادارياً للحكومة السورية، وعسكرياً للقوات الكردية المدعومة من أمريكا، أبدوا خلاله استعدادهم لزيارة دمشق، لعقد حوار وطني سوري غايته «تغيير إدارة سوريا، وتغيير الذهنية وتغيير دستور البلاد، ليتساوى فيه المواطنون جميعاً في الحقوق والواجبات». سبق هذا الاعلان توقفُ اركان «مسد « عن المطالبة بالنظام الفدرالي والعودة إلى التركيز على النظام اللامركزي، الأمر الذي يخدم قضية استعادة سوريا وحدتها وسيادتها على كامل ترابها الوطني، وتسهيل عودة الحوار بين دمشق وجماعات الكرد الوطنيين المستقلين عن أمريكا وتركيا.
تبقى مسألة مقاتلي «النصرة» المصرّين على الانسحاب من المناطق المحررة والمستعادة منهم إلى محافظة إدلب. هل اتخذوا قرار الانسحاب بمعرفة تركيا وبطلب منها؟ أم كان مجرد قرار ظرفي اضطروا إليه لعدم شعورهم بالأمان إذا ما ألقوا السلاح وعادوا إلى كنف الحكومة السورية؟
إذا كان قرارهم اتخذ بطلب من تركيا فإن ذلك يؤشّر إلى أن انقرة تعتزم استعمالهم لمجابهة سوريا ميدانياً، اذا ما قام جيشها بشن عملية عسكرية لتحرير إدلب من «النصرة» وحلفائها. ولا شك في أن تصرفاً تركياً متهوراً من هذا الطراز يؤدي إلى تطويل الحرب في سوريا وعليها وتعقيد مساعي الوصول لتسوية سياسية لأزمتها المتمادية.
أما بالنسبة إلى مقاتلي حزب الله فإن تحريرهم بسرّية بالغة من حصار كفريا والفوعة، يؤشر إلى أمر بات حقيقة ساطعة وهي أن للحزب دوراً فاعلاً في محور المقاومة الاقليمي، وانه سيكون إلى جانب الجيش السوري إذا ما قررت دمشق (وحلفاؤها) شن عملية عسكرية لتحرير محافظة إدلب.
صحيح انه بإمكان تركيا مواجهة عملية تحرير إدلب بقواتها العسكرية وبالتعاون مع حلفائها الإرهابيين، لكنها ستكون في هذه الحالة وحدها مسؤولة ومدانة لتسببها بنسف اتفاق استانة، وما يمكن أن ينجم عنه من تداعيات كارثية.
كاتب لبناني

روسيا وأمريكا تفاهمتا في سوريا… ماذا عن تركيا ؟

د. عصام نعمان

- -

1 COMMENT

  1. واضح ان التفاهمات كانت لصالح اسرائيل وليست لصالح تركيا كما أن نظام الأسد هو المستفيد الأكبرمن تلك التفاهمات أما ايران فهي مستفيده الى حين.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left