مشروع تركي لحل هيئة «تحرير الشام» من بوابة انصهار جديد مع فصائل «معتدلة»

سوريا المقسمة إلى ثلاثة أقاليم وفقا لنفوذ اللاعبين الدوليين تدخل مرحلة جديدة من الصراع

هبة محمد

Jul 23, 2018

ادلب – «القدس العربي»: تتبلور خريطة سوريا، التي لا يملك النظام السوري ولا المعارضة أي سلطة فيها، فيما تبدو الأخيرة أمام ذروة تحدياتها، في ظل إدراكها للمناخ العام الدولي السائد حاليا، في ما يخص تفكيك القضية السورية، وتنفيذ هندسة ديموغرافية من قبل لاعبين دوليين وإقليميين استخدموا النظام السوري والمعارضة كأدوات للسيطرة على ثروات الدولة، عبر تقسيمها إلى مناطق نفوذ تابعة لهم، ومواصلة عمليات التهجير شمالا وجنوبا للقضاء على بؤر المواجهات، بتصفية مناطق المعارضة من الموالين للنظام السوري كما حصل في كفريا والفوعة الشيعيتين، وحشر المعارضة السورية، مدنيين ومقاتلين، في بقعة جغرافية محدودة شمال سوريا.
إن مصير نحو أربعة ملايين شخص في ادلب بات الملف الأكثر إلحاحا، على وقع الأنباء الواردة عن تشكيل جيش وطني برعاية تركية يضمن ذوبان الفصائل الجهادية والسيطرة على سلاحها، بموازاة الاقتراب من طي ملف الجنوب السوري آخر معاقل المعارضة، بعد ادلب.
وتتعاطى الدول الكبرى والإقليمية مع بعضها في سوريا ضمن إطار مناطق النفوذ كمخرج للحل، برأي خبراء ومحليين، فقد تقلصت مناطق النفوذ من أربعة إلى ثلاثة بسبب استثمار روسيا لملف الجنوب السوري وحساسيته بالنسبة لإسرائيل وأهميته الاقتصادية والأمنية بالنسبة للأردن، وملف توزيع القوات العسكرية الأجنبية الذي لم يتم حسمه بين موسكو وواشنطن منذ مباحثات كيري – لافروف، فأصبحت سوريا وفق رؤية الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، مقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ، أهمها إقليم الشرق الذي تبلغ مساحته نحو ربع مساحة سوريا، ومعروف بغناه بالثروات الباطنية، يقع تحت الوصاية الأمريكية والدولية التابعة للتحالف. وإقليم المركز الذي يقع تحت وصاية روسيا ويشمل ثلاثة تقسيمات عسكرية – إدارية (السويداء تقع تحت حكم محلي درزي – محافظة درعا تقع تحت حكم محلي لفصائل المصالحة – وبقية المناطق تقع تحت حكم النظام)، وإقليم الشمال ويقع تحت الوصاية التركية.
وبالرغم من هذه التقسيمات إلا أن طبيعة الحال لا تشير إلى انتهاء عمليات التحاصص، ورسم حدود مناطق النفوذ أو الأقاليم، إذ توحي التحركات الروسية العسكرية والسياسية حسب المتحدث لـ «القدس العربي» بالرغبة في السيطرة على أكبر مساحة من المناطق الثلاث عبر تفاهمات دولية ومحلية ومن ثم فرض نموذج حكم مبني على إدارات ذات صلاحيات محدودة بسقف الضمانة الروسية.

مخطط ناعم

ومازال الكثير من الغموض يخيم على مصير إقليم الشمال الممتد على أربع محافظات هي إدلب وحلب وحماة واللاذقية، لاسيما بعد سيناريو درعا وتخلي واشنطن العلني عن دعم المعارضة في الجنوب السوري، بعد أن كانت طرفا ضامنا في اتفاق التهدئة هناك. وأمام هذه المعطيات رأى الباحث في الشؤون التركية – الروسية د.باسل الحاج جاسم، أن أكثر من سيناريو ينتظر إدلب والمعارضة، قد يكون بينها الحل العسكري في حال لم تتمكن تركيا في فترة زمنية باتت قصيرة، من التعامل بشكل ناعم وسريع مع المنظمات المتواجدة هناك والمصنفة على قوائم الإرهاب.
وأعرب الحاج جاسم عن قناعته بأن المعارضة السورية لم تعد تتحكم باتجاه الأوضاع داخل سوريا، منذ ظهور التنظيمات الإرهابية المتطرفة منها والانفصالية وسيطرتها على مناطق واسعة في الجغرافية السورية، وهو ما جعل الأولويات تتغير لدى القوى العظمى والإقليمية في تعاملهم مع الحالة السورية.
ولفت إلى أن الغموض يكتنف مصير إدلب، لاسيما بعد جمع الكثير من المجموعات والفصائل مختلفة المشارب والتوجهات فيها، بالإضافة لوجود المنظمات المصنفة على قوائم الإرهاب، والغموض سببه نواح عدة برأي المتحدث، أبرزها أن تلك الفصائل التي فشلت في التعامل في إدارة مناطقها وفهم توجهات القوى الدولية والإقليمية الفاعلة على الأرض السورية، وتمسكت بتفرقها، فحالها بالتأكيد لن يكون أفضل في إدلب، وما الهدوء الذي تعيشه المدينة اليوم ألا مرحلي.
فلم يعد سرا في رأيي الباحث في العلاقات الدولية أن إعلان إدلب منطقة وقف إطلاق نار شامل مرتبط بإعلانها خالية من أي تواجد لقوى مصنفة أنها إرهابية، فكل طرف دولي سيجعل من المنظمات المصنفة بالإرهابية في إدلب هدفا له، مشيرا إلى أن المشهد اليوم على أرض ادلب يؤكد «أن الوقت مازال مبكرا على إعلانها منطقة آمنة، لاسيما أن تركيا لم تظهر حتى الآن أي توجهات سياسية أو عسكرية جديدة للتعامل مع الوضع في إدلب الذي يروح تحت فوضى السلاح».
ولفت الخبير في العلاقات التركية – الروسية إلى أنه لا يمكن تجاهل السلاسة والسرعة التي تم فيها تنفيذ أو استكمال تنفيذ اتفاق سابق لافراغ بلدتي كفريا الفوعة، وتوقيت هذه العملية الذي يتزامن مع رسم مرحلة جديدة من عمر الصراع في سوريا، وملامحها الواضحة «ظاهريا» بانتصار فريق روسيا – إيران – النظام.
وبالتالي فإن غض الطرف الروسي على استكمال عملية الإخلاء تثير الكثير من التساؤلات حول ما ينتظر الشمال السوري بشكل خاص و سوريا بشكل عام.

حل النصرة

تشير بعض المعلومات إلى وجود مساعٍ في محافظة إدلب ومحيطها لحلّ ملف هيئة تحرير الشام من بوابة اندماج جديد مع فصائل مصنفة على أنها «معتدلة» حيث تساءل الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي عن ردة الفعل الدولية تجاه هذه خطوة إن حصلت -غالباً- مشيرا إلى أنها «لن ترضي روسيا ولا حتى الولايات المتحدة الأمريكية لأنها التفاف على شروط موسكو ومطالب واشنطن».
وحسب معلومات لـ «القدس العربي» فإن «اجتماعات تجري لاندماج جديد في الشمال السوري بين الهيئة وكتلة أخرى من الفصائل المصنفة على أنها معتدلة وسيرى الإعلان الجديد النور قريبا». ورجح المصدر أن يكون الدافع وراء هذه التحركات هو الضغوط الإقليمية والدولية وحتى الداخلية لحل ملف تحرير الشام الإشكالي والذي يعد إحدى العقبات أمام التحول نحو وقف شامل لإطلاق النار.

ما راء الاتفاق

ويضع اتفاق الفوعة وكفريا الشمال السوري أمام ثلاثة سيناريوهات محتلمة، يكشف أولها على توافق بين الدول الضامنة لأستانا على جعل الشمال السوري منطقة وقف شامل لإطلاق النار ومن ثم منطقة آمنة ذات حكم ذاتي مؤقت تتحدد مدته بالحل السياسي في جنيف، وبالتالي فإن اتفاق الفوعة وكفريا يهدف إلى إنهاء ما بقي من بؤر اشتباك، وذلك وفق رؤية الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، الذي قال إن الاحتمال الوارد أيضا، أن تكون الدول الضامنة قد اتفقت على شكل جديد لمنطقة خفض التصعيد بحيث تتم إعادة توزيع وانتشار نقاط المراقبة ويشمل ذلك ملفات (الطريق الدولي – المعابر الحدودية – تأمين القاعدة العسكرية الروسية من الاختراق عبر جبهات الساحل وسهل الغاب). وبالتالي فإن اتفاق الفوعة وكفريا يقابله تبادل ملفات أخرى يتم الإعلان عنها تدريجياً أو تترك لمصيرها عسكرياً دون غطاء سياسي.
ويشير الخيار الأخير إلى عدم وجود اي اتفاق بين الدول الضامنة، وبالتالي فإن إيران تكمل بمفردها ما يُعرف باتفاق المدن الأربعة تمهيداً لمعركة واسعة على الشمال السوري، على اعتبار أنها بحاجة إلى إفراغ الجيب المعزول في كفريا والفوعة حتى لا يكون عبئاً عليها وحتى تستفيد من العنصر البشري فيه خلال المعركة المقبلة.

جيش وطني

رئيس المكتب السياسي لفرقة المعتصم المنضوية ضمن غرفة عمليات «غصن الزيتون» مصطفى سيجري، قال إن استباق الإشاعات عبر الصحف، يُراد منه إما معرفة المزاج العام أوالتشويش على الرأي المعارضة، وقال سيجري لـ «القدس العربي» كل ما يتم نشره يدخل في سياق الحرب الإعلامية بهدف تشتيت الرأي العام وتشكيل ضغط على القوى الثورية المتواجدة في الشمال السوري، مشيرا إلى مسؤولية النظام السوري الذي يقف بشكل مباشر خلف هذه «الأكاذيب».
وأشار المتحدث إلى دور «الجيش الوطني» الذي ترغب أنقرة في تشكيله لصهر جميع التشكيلات السورية المنتشرة في منطقة خفض التصعيد الرابعة في أرياف حلب وحماة واللاذقية فضلا عن مدينة ادلب، تمهيدا لتفكيك التنظيمات الجهادية في المنطقة والسيطرة على سلاحها، مشيرا إلى ضرورة «تفعيل ودعم الجيش الوطني والانخراط فيه، وصهر جميع فصائل الجيش الحر في إدلب وما حولها بجسم الجيش الوطني، وتعزيز دور الحكومة المؤقتة وتشكيل هيئة سياسية واحدة تكون المعنية وصاحب القرار في أي سيناريو محتمل لمستقبل المنطقة».
ولفت سيجري إلى أنه لن يكون هناك قرار نهائي حول مستقبل ادلب مالم ينعقد اجتماع آستانا المقبل». وقال «والواجب على الفصائل العسكرية الآن، وبعيدا عن التفاهمات المستقبلية بين الجهات الدولية والإقليمية والمتنفذة في الملف السوري يجب الإعداد والتجهيز وكأن الحرب على الأبواب».

مشروع تركي لحل هيئة «تحرير الشام» من بوابة انصهار جديد مع فصائل «معتدلة»
سوريا المقسمة إلى ثلاثة أقاليم وفقا لنفوذ اللاعبين الدوليين تدخل مرحلة جديدة من الصراع
هبة محمد
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left