في المعنى والمرجعية

هيفا نبي

Jul 23, 2018
hifa

لكل فرد مرجعيته، فمنــــهم من مرجعيتهم دينية ومنهم من مرجعيتهم علمية، وآخرون فلسفية منطقية وغيرهم اجتماعية.
وكل واحد من هؤلاء يحيلك إلى مرجعيته الخاصة ليقنعك بفكرة ما. فالمتدين بدل أن يبحث حسب منطقه بصواب وخطأ فكرة ما، يقــــول لك بكل قناعة: إن هذا مكتوب في الكتاب، ولذا فلا يمكن الشك فيه.
بالنسبة للمراقب الخارجي (خارج المرجعية الدينية)، يغدو الأمر وكأنه يفند نفسهُ بنفسِه، إذ لا يمكن للمراقب الخارجي مطابقة القناعة المطروحة مع المصدر الملهِم له، لأن هذا المصدر (أو المرجعية) ليس لها وجود وبناء في داخله. الأمر ينطبق بدرجة ما على صاحب المرجعية العلمية، فكل أمر مشكوك فيه يحيله إلى إسهام العلم في شرحه ومنطَقَتِهِ، وكذا الأمر بالنسبة لصاحب المرجعية الاجتماعية الذي يتناول أسس الصح والخطأ مما علمته الحياة الاجتماعية العامة.
في كل هذه المرجعيات متفاوتة المصادر هناك شيئان واضحان: «حقيقة خارجية» موجودة وثابته وفارغة من المعنى، وهناك «معنى» منفصل يسعى لإيجاد مطابقة له في العالم الخارجي، أي أن هناك شيئين يبحث أحدهما عن الآخر، أحدهما هو «الشيء» والآخر هو «المعنى».
إن الشيء يمكن إن يكون شيئاً مادياً أو أن يكون فكرة أو أن يكون جملة أو كلمة، أما المعنى فهو الغطاء المفهومي الذي نُلبِسه للشيء لنجعله ممكناً أو مفهوماً أو مقنعاً. هنا نستذكر أن الفينومينولوجيا الهوسرلية ترتكز على هذين البعدين فتشرح المعنى على أنه عمل تركيبٍ متعالٍ، وتشرح الشيء على أنه شيء موجود «في ذاته». لكن إذا ما فصلنا الشي والمعنى عن بعضهما بعضا، ونظرنا لكل منهما على حِدة، ماذا نرى؟ نرى إسهاما إنسانيا متخفّيا للسيطرة على عالمه. إن هذه الفكرة البسيطة والمبسّطة يمكن أن تكون أساس كل معتقد وفكرة. هناك رغبة تعمل ليل نهار لأنسنة الكون والعالم وحشره في أنبوبة الاختبار الإنساني، لكن إن تصوّرنا هذا العالم بدون «سعي الأنسنة» هذا وبدون وجود الإنسان المتكلف بشرح العالم وتصنيفه وإعطائه المعنى ماذا يبقى؟ العماء؟ الوجود بلا وجود؟ حقيقة لا يمكن تصور شكل للعالم بدون سعي «الأنسنة» وإن تم تصوره فسيتم بناء على تصور إنساني لاحق.
كمثال لجعل الفكرة واضحة نذكر الحقبة التاريخية السابقة للإنسان، إن كل ما نعرفه عن هذه الحقب نُقل إلينا بواسطة الفهم أو العلم الإنساني، الذي لاحظ وشرح وفسّر تلك الحقب اللإنسانية في فترات لاحقة انطلاقا من منظوره الإنساني الحالي، أي أن الإنسان في شرحه لتلك الحقب اعتمد على جهوده الإنسانية، ونقل لنا تجارب تلك الحقبة السابقة من خلال تصوراته الإنسانية اللاحقة. تخدمنا في هذا السياق عبارة وردت في كتاب ميشيل بوتور «بحوث في الرواية» تقول: «إن العالم في جزئه الأكبر يظهر لنا بواسطة ما قيل لنا عنه». رغم أن بوتور لا يطور هذه الفكرة بالمنظور ذاته الذي نود هنا استخدامها فيه، إلا أنها فكرة عميقة تربط الوجود بالمعنى المُعطى له. العالم يظهر من خلال ما قيل لنا عنه إذن، وما قيل هو قول إنساني بالدرجة الأولى، أي انه مسعىً إنساني لإضفاء معنىً ما. لا أكثر ولا أقل.
نعود من جديد لهوسرل لنختم به فكرتنا عن الأشياء والمعنى. يقول هوسرل: «إن الوعي هو الوعي بشي ما» ليظهر أن الوعي يجب أن لا ينطلق مما هو موجود داخله، بل بما هو في العالم. إن المعنى يتعلق بأحد ما، ولكن هذا «الأحد ما» (الشخص) ليس كائنا مطلقا، بل هو فرد يشعر بالخوف والقلق… أي أنه هش، وبما أن الإنسان هش فإن المعنى الذي يعطيه هو أيضاً مشبع بالهشاشة. ولهذا أيضاً فإن العالم يظهر لنا كـ»نقص في المعنى». وبالنتيجة يمكننا القول إن العالم إن كان يبدو بلا معنى فذلك لأن الأساس الذي أُقيم عليه هو أساس هش متعلق بكائن هش يسعى ضمن إمكاناته المحدودة لصناعة وجوده بتوزيع المعاني هنا وهناك.
أما بالنسبة لمن يتناسى هذه الهشاشة بتعليق معاني الأمور وتفسيراتها بقِوى مطلقة أكبر من الإنسان فإنه أنما يمارس طريقاً ملتوية للتسليم بحتمية الأمور لا بحقيقتها، أي أنه يسلك طرقاً أكثر أماناً ليخفي عن نفسه قبل الجميع حقيقة أن الإنسان أمسك العالم بيديه، فألبسه المعنى الذي يريد وأطلقه من جديد نحو العالم والآخرين ليمطر كغيمة معان وحقائق مطلقة.

٭ كاتبة سورية

 

في المعنى والمرجعية

هيفا نبي

- -

1 COMMENT

  1. عنوان (في المعنى والمرجعية) وزوايا تحليل رائعة وعن موضوع الأنسنة، في سؤال أهل الفلسفة، هل اللغة أولا أم الفكر أولا لتحديد معنى المعاني؟ وأضيف ما الفرق بين علم الكلام وعلم اللغة وعلم الذكاء ولماذا ليس هناك علم للتدوين؟ لأن بدون معنى معاني مشتركة متفق عليه بين الـ أنا والـ آخر لن يمكن أن يكون هناك أي حوار بين إنسان وإنسان في أي مكان في العالم بغض النظر عن اللغة المستخدمة لأي مرجعية من المرجعيات، فاللغة هي وسيلة للحوار، قبل أن تكون وسيلة للتفكير، ومن ثم وسيلة للتدوين في أي دولة لحفظ الحقوق وتنظيم العلاقة بين فلان أو علان.
    لاحظت لا يوجد أدب مع ثقافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان، لأنه ببساطة لا تعترف بوجود الآخر، فلماذا ستحتاج إلى أدب اللغة في الحوار معه؟! فالحوار مع الآخر بواسطة الآلة، من خلال مواقع التواصل والاتصال الإجتماعي، كشفت لنا مفهوم جديد للغة لم نكن نعرفه قبل أدوات التقنية في أجواء العولمة والاقتصاد الإليكتروني.
    لأن هل هناك أدب بدون لغة؟ وهل النقل الحرفي الببغائي، من لغة أخرى إلى لغة الكتابة يعتبر ترجمة لغوية؟! من يقول فقدان الثقة بلغتك، وبقية مكونات شخصيتك له علاقة بالأدب بلغتك الأم؟! مفهوم الوظيفة بعد الثورة الصناعية، أصبح له علاقة بالآلة، بشكل مباشر داخل دولة الحداثة بغض النظر كانت أوربية أو امريكية، ولاحظت على ذكر أوربا وأمريكا، أن مفهوم المواطن الصالح في أمريكا (رجل الأعمال) يختلف عن مفهوم المواطن الصالح في أوربا (المقاول)، وبالتأكيد مفهوم المواطن الصالح في النظام الاشتراكي/الشيوعي (عاملا) في المصنع أو(فلاحا) في المصنع سيكون مختلف تماما فالكل عبيد لوظيفة النظام البيروقراطي حينها.
    وتدوين علم اللغة، للغة كما تُنطق تُكتب حروفا وكلمات وجمل (لغة القرآن) التي لا تقبل لها ترجمة بأي لغة أو لسان بشري، وهي تختلف عن اللسان العربي، فهذا ما لاحظت ما يجهله من درس علم اللغة وعلم الترجمة بين اللغات، بغير مناهج لغة القرآن، للتعليم اللغوي. نحن نقترح للحفاظ على حياة الإنسان وزيادة دخله هو أولا، أن نبدأ من الأسفل إلى الأعلى في تنفيذ عملية الأتمتة، ويكون هدفنا تحفيز الموظف وتعليمه ما الأتمتة، وكيف يمكن تطويعها لتحويل أي منتج ليكون ذو عائد اقتصادي مربح له في صحته ولأسرته بداية من ماء الحنفية، الذي ليس بجودة طيبة تصله من الدولة، فكيف يمكن تطوير جودة ما ينتجه من وظيفته للدولة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left