الصراع في مصر… الى أين؟

كما ان الناس أسرى خياراتهم فالاحزاب والحركات السياسية والدينية ايضا اسيرة خياراتها، فهل من الممكن ان نصف ما يحدث في مصر على انه صراع؟ يتميز الشعب المصري بعلاقاته الطيبة الحميمة الجميلة التي لا تشوبها شوائب، فمنذ القدم والشعب المصري وعلاقاته ببعضه البعض علاقة لا تفرقها الا الموت، فهم في رباط دائم، وخصوصا وقت الشدائد.
لقد مرت على مصر ازمات وازمات، وكان الشعب المصري يدا واحدة ضد اي عدوان، بل ضد اي عدوان خارجي يحاول ان يقتص من مصر، وكان الشعب له بالمرصاد وهذا ان دل فانه يدل على الترابط والحب والمحبة والعطاء بين المصريين، هذه هي الاحزاب والصراعات السياسية التي لم تكن في صالح المجتمع.
نقطة الارتكاز في الازمة المصرية الراهنة التي وصلت الى فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة بقوات الامن، لا تتجه الى تسوية مقبولة على الطرفين وانما الى صراع اهلي طويل قد يأخذ مصر الى المجهول.
المتتبع للاحداث في مصر يدرك ان الصراع بين القوى الاسلامية التي ابعدت عن السلطة بالقوة وبين خصومها، والمعركة على مصر، وفي مصر، لا تمنح احدا رفاهية الحياد، ولا تمكن احدا من ارتداء الاقنعة، بدءا من الولايات المتحدة، وانتهاء برافعي رايات ‘القاعدة’ دفاعا عن ‘الشرعية والشريعة’، ولا تتوقف علامات ذلك على المشهد الاعلامي وحده، واستمرار اعتصام ‘رابعة العدوية’، وانما ايضا على وجود قطيعة بين الطرفين وحوار من خلال البيانات والبيانات المضادة، وليس عبر طاولة دائرية للحوار.
وهذا ينذر بمخاطر ومضاعفات لا تحمد عقباها، لكن السيناريو الجزائري لن يتكرر في مصر، اما الكلام عن تكرار السيناريو السوري، فليس سوى مزحة سخيفة، ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من حجم المخاطر. ان استمرار الاعتصامات يشكل مأزقا للفريق الحاكم حاليا في مصر، فهو اولا يؤكد ان هنالك قطاعات شعبية ليست بالقليلة غير راضية عن الانقلاب حتى لو كان مدعوما بعمق شعبي. لا يمكن ان نتجاهل ان ما يحدث في مصر اليوم، يمكن توصيفه بالصراع الايديولوجي الفكري، بين تيارات فكرية لها منحى سياسي، متمثلة في التيارات الدينية والتيارات المدنية. بعد ثورة يناير اهتز ميزان القوى، واختفت الخطوط الواضحة الفاصلة بين هذه الطبقات وطبقات المجتمع السفلي، نظرا لصعود جموع من البشر في شكل غضب، وهجوم على كل من سلب حقوقهم في الحياة الكريمة، سواء من خلال منعهم من الحصول على وظائف معينة داخل مؤسسات الدولة او حتى حق الحياة.
اليوم يطلق النار الضابط والشرطي والقاضي ورجل الاعمال والاعلامي، على افراد لا يمتلكون حتى ما يلبسونه، يطلق النار على افراد لا امل لهم بعد الآن في حياة افضل، وهم يرون من سلبوا حقوقهم طول السنوات السابقة يعودون ويقتلونهم مرة اخرى، فطلقات الرصاص لا تفرق بين من هو ثوري او اخواني او اسلامي او قبطي، طلقات الرصاص فقط على من هم ضد هذه الكيانات الحكومية والعائلية والطبقية، هذه الطلقات تطلق بمسميات لتبرير القتل كمسميات الارهابي والمخرب والبلطجي، لم تنقطع هذه المشاهد منذ 25 يناير مرورا بفض اعتصام الضباط واحداث العباسية والحرس الجمهوري حتى رابعة والنهضة.
ان تحرك الصراع في مصر تدعمه وتموله قوى عربية ودولية واقليمية لها مصالحها واهدافها، هذه المصالح والاهداف التي لا بد معها من ان تظل مصر هشة دوما على جراحها، لا يطيب لها جرح حتى يفتح لها آخر.
مصر بحاجة اليوم الى قيادة ومنظومة سياسية اجتماعية اعلامية اقتصادية قضائية قوية متناغمة ومتعاونة، تعلو فيها المصالح الوطنية والقومية والاسلامية على الحسابات المغلوطة للبعض.
ان حسم هذا الصراع يبقى بين ايدي اجهزة الدولة المصرية، فهي تملك في حال وحدتها، وعملها على قلب رجل واحد وطني ومخلص، لانقاذ البلاد واستعادة الاستقرار وافشال المؤامرات المدسوسة لها، لان ما يقع اليوم في مصر ستكون له نتائج وخيمة ستؤدي الى تقسيم مصر الى دوليات.
لا بد ان يدرك الطامعون ابعاد المؤامرة ويتكاتفوا لانقاذ بلادهم قبل تحقيق مصالحهم الذاتية واهدافهم الشخصية، لان التكلفة عندها ستكون باهظة من الدماء الانسانية المصرية التي لا تقدر بثمن.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يجب ان تستسلم مصر للامر الواقع او ما الذي يمكن فعله للخروج من الازمة الراهنة؟
أيمن هشام عزريل

Email this pageShare