أبو عون: نحن نتيجة التحام المجتمع وتعزيز الهوية روايتنا صلبة ولا نخشى التجديد

فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية في لبنان تقدم عرض «طلَّت»

زهرة مرعي

Jul 28, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»:حلّت فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية في قلوب من شاهدها في لبنان. شوق ولهفة كانت في انتظار اللقاء مع خبط أقدامهم واحيائهم لأحد مكونات هوية فلسطين. سبقها إلى لبنان أنس أبو عون، واستقبلته دار النمر للفن والثقافة في محاضرة بعنوان «الدبكة: منظور معرفي ومقاربة تنموية اجتماعية ـ تجربة فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية».
تحدث عن الدبكة في سياقها السياسي الاجتماعي، ثم وضعها في أبعادها الجمالية. شاب في مقتبل العمر، أفكاره واضحة ومترابطة. قدم بحثاً عميقاً ربط بين الدبكة وشتات الشعب الفلسطيني. فالتحرر من الاحتلال الصهيوني يحتاج كافة الطاقات. فخلال الانتفاضة الأولى كان يسأل الحاكم العسكري شباب فرقة الفنون «أنتم فرقة غناني أم قناني»؟ يقصد المولوتوف.
هنا حوار معه:
○ ماذا يمثل أنس أبو عون في فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية؟
• مهنياً أنسق المشاريع في الفرقة. وداخل هذا المسمى أعمل مساعداً في الإخراج، والمنتج لبعض الأعمال الفنية. وأتابع الإجراءات الإدارية والقانونية بالتعاون مع بعض الزملاء.
○ لماذا جذبتك الفنون الشعبية وكيف تطورت من خلالها نظرياً وعملياً؟
• هي الصدفة. كنت بعيدا عن الدبكة. لقاءاتي المتكررة مع أصدقاء من الفرقة تركتهم يدعونني «أنس تعال». قدمت طلب عضوية. قُبلت رغم كوني راقصا سيئا. مدير الفرقة خالد قطامش رحب بي. تابعت التدريب رغم الفرق الشاسع بين رقصي ورقص الزملاء. لاحقاً أمهلت ثلاثة أشهر لإثبات ذاتي، وإلاّ. قررت التدريب اليومي صولو، وفجأة تحسنت، وكان لي صولو في العرض الجديد، وانزاحت عني صفة الراقص السيء.
○ ماذا عن دراستك؟
• درست الصحافة والعلوم السياسية في جامعة بير زيت. عملت في التعليم، وفي التطوع. توطدت صلتي بالثقافة عبر الكتابة منذ الصغر في مجلة «يرعات» التابعة لمؤسسة تامر، ومنها راودتني الصحافة. ويراودني طموح السينما. انجازي الشخصي غير منفصل عن وجودي في فرقة الفنون، فجزء من تكويني كإنسان جاء عبرها. دخلت الفرقة سنة 2006 جئت من بيئة مختلفة سياسياً، ولهذا لا أعزل بين أنس الشخص وأنس الفنون، والذي تطور عبرها. مع الفنون رأيت العالم من باب واسع. الفنون تجربة تهز الفرد، ترفع عنه الغبار لتلبسه ثوباً جديداً.
○ بعد النكبة متى وكيف بدأت الفنون الشعبية تجمع شتاتها؟
• بدأت فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية سنة 1979. أما الفنون كتراث فبدأت بعد النكبة وتنامت مع حركة النهوض القومي التي أطلقت مطلب العودة في الخمسينيات. وبدأت تظهر نزعات الهوية الفلسطينية من أغنيات ورقص وسواها، وذلك في محيط عربي كانت تتشكل فيه الهويات ونطق الناس بسوري، لبناني وأردني. حينها بدأ الكلام في التراث في مخيمات اللجوء. ونضجت الأفكار مع ظهور منظمة التحرير. ولعبت مؤسسة الدراسات الفلسطينية دوراً كبيراً في الحديث عن الفنون الشعبية الفلسطينية. ولم تكن فرقة الفنون حصيلة تشتت بل التحام المجتمع وجمع الشتات. وفي الداخل الفلسطيني وجد بناء لتعزيز الهوية الفلسطينية واستعادتها في نهاية الستينيات، وكان الخوف قائما من محوها بعد احتلال الضفة وغزة، بحيث يصبح الفلسطيني عربيا داخل المنظومة الصهيونية. تحصين المجتمع تجلى في المهرجانات الثقافية، وكانت فرقة الفنون هي الأهم، أسسها ثلاثة شباب، سنة 1979 وبعد سنتين انضمت إليها مجموعة صبايا ولا تزال مختلطة. شكلت فرقة الفنون استجابة للواقع.
○ كون الشعب الفلسطيني في غالبيته العظمى لاجئا فهل يقارب الفنون الشعبية بتجل خاص به؟
• طبعاً، ولأنه يرى في الفنون تعبيراً مجازياً عن الفقد الذي يعيشه. ولأن معظم الشعب لاجئ فالتجلّي أعلى بكثير. التواصل مع الدبكة والفنون الشعبية غيبي في مكان ما.
○ بمناسبة 70 سنة على النكبة ماذا عن الفعاليات التي ستؤديها فرقة الفنون وأين؟
• برنامجنا في هذه الذكرى متواصل مع برامج مؤسسات أخرى. في البرنامج جولة عروض في الأردن. جولة عروض في فلسطين ضمن مهرجان التراث. نواصل التدريبات في الأردن، ونبحث في تدريب مجموعات في لبنان. الفنون جزء دائم من كافة النشاطات الوطنية العامة.
○ ما هو شكل تواصل فرقة الفنون مع فلسطينيي الداخل؟
• موجود إنما تعيقه صعوبة حركة مواطني الضفة بالدخول إلى أراضي الـ48. أهلنا هناك يحضرون حفلات رام الله وجنين وغيرها. السعي دائم لتنظيم عروض في الداخل الفلسطيني الذي يضم فرق فنون شعبية نتواصل معها. سبق واتيح لفرقة الفنون المشاركة في جولة عروض سنة 2008 في الجولان السوري المحتل، وفي حيفا.
○ هل يتعامل الاحتلال معكم كفعل عسكري أم ثقافي مناهض؟
• يخشى الاحتلال أي حركة نهضوية للفلسطيني وتربكه. ثقافياً يرفض الاحتلال أي تواصل بين المجتمع الفلسطيني أينما كان، ويرى فيه اختراقاً للقمع الذي يمارسه. يخشى التواصل مع لبنان، وتغيير الصورة النمطية بين اللبناني والفلسطيني. هذا التواصل يعني استعادة الذات ووجود مشروع مشترك بين اللبناني والفلسطيني، وهذا يزعج المحتل.
○ هل يتجسس على نشاطكم؟
• مؤكد. بوستر المهرجان في رام الله جسد هذا العام السلم الموسيقي، وكل نوتة حملت صورة لفلسطيني يمارس المقاومة بضرب الحجر وغيره. بعث الاحتلال برسالة للممول الأجنبي تفيد أن الفرقة تمارس نوعاً من التحريض.
○ أن يمارس سكان الحي الأحمر المهدد بالهدم الدبكة في مواجهة العدو فكم يشكل هذا تحدياً للاحتلال؟
• يرفض الصهيوني أن يمارس الفلسطيني إنسانيته الطبيعية. وفي لحظة القمع الكبرى لتلك الإنسانية يمارس الفلسطيني أعلى درجات الإنسانية عبر الدبكة، فيعرّي المحتل من إنسانيته، وهذا ما يحدث مع السجناء. يحاول السجان تحويل السجين لقاتل وليس مقاتلا. في ظني أن بعض الصهاينة طرح سؤالا «شو عم أعمل هون؟» في مواجهة ردة فعل سكان حي الأحمر. ونحن نعرف أن عدداً كبيراً من الجنود الصهاينة يتعرضون لأزمات نفسية.
○ لنعد إلى الدبكة وهي الأكثر حضوراً في بلاد الشام. ما هي تعبيراتها الاجتماعية؟
• أن يلتقي المجتمع بعضه بالآخر. لقاء الناس وممارستهم لطقوسهم جماعياً، ليس كما مارسها سيدي «جدي» بل كما أعيشها أنا في 2018. لمة الناس يعني تواصلها.
○ وما هي صلتها بالبيئة والأرض؟
• البيئة تشكل الإنسان. حركة الفلاح تختلف عن حركة الصياد. تخلق البيئة حركة ناسها. لاحقاً تحولت الحركة إلى نوع من التواصل سواء على المستوى الاقتصادي، الاجتماعي أو الغيبي. وبدأت تتشكل الدبكة أي دَبًك الشيء وداس فوقه. الدبكة نوع من التواصل.
○ ما صلة الدبكة بالثائر والشاعر والشهيد ابراهيم نوح؟
• حسب تعبير غرامشي، يشكل ابراهيم نوح نموذجاً للمثقف العضوي. لم يكن المثقف العضوي موجودا في ذهنية الفلسطيني لكنه حضر بالممارسة. كان ابراهيم نوح شاعراً، انضمّ للثورة، واستشهد خلال تهريبه السلاح من سوريا إلى فلسطين على يد الاحتلال الإنكليزي. لإبراهيم نوح إضافة نوعية، نقل الأغنية الفولكلورية البسيطة بتعبيرها المتداول إلى مستوى التحريض السياسي. معه تحول إيقاع الدلعونا إلى أغنية «من سجن عكا» وأغنيات كثيرة صارت هتافات. ما قام به نوح ليس لآخر بعيد عن الثورة.
○ هل فعلاً التجديد ممنوع في الدبكة الفلسطينية خوفاً من ضياع الهوية بعد الأرض؟
• أي خطوة إلى الأمام لتجديد روايتنا تخيف البعض. روايتنا قديمة وصلبة ونحن نبحث في كيفية تقديمها بأسلوب جديد. يرغب البعض في بقائها على حالها، هو موقف طبيعي نتيجة القطع في حياة الفلسطيني الذي تعرض خلال تاريخه لقمع، وبتر الزمن عنده، ولا يزال واقفاً عند الـ48. وهو لا يزال يغني للبيارة والبيت القديم، ولن يجدهما حين يعود لوطنه الذي صار عمارات. لنتفوق على العدو علينا أن نستعيد فلسطين في موقعها اليوم، هذا على صعيد الهوية.
○ هل حضور النساء حيوي في فرق الدبكة؟
• في السبعينيات والثمانينيات كانت فرقة الفنون الأولى تضم صبايا. ولاحقاً صارت الصبايا موجودات في مجموعات أخرى. تقلص هذا الحضور في التسعينيات. ومع انتهاء دور التنظيمات السياسية تنحى دور الفرق جانباً، إنما حافظت فرقة الفنون على حضور الصبايا. وفي بداية 2006 بدأت فرقة الفنون في تأسيس فرق في قرى ومدن الضفة. استهدفت القرى المحافظة نسبياً بشرط أن تكون الفرق مختلطة. في 2018 كل فرقة جديدة تنشأ مختلطة.
○ ثمة توجه للمقاومة السلمية أين يقع فعل الدبكة ضمن الحركة الشعبية الشاملة؟
• الدبكة جزء من المعركة الثقافية والتي هي جزء من المعركة النضالية عموماً. وهنا أستذكر قولاً للدكتور جورج حبش «لا يمكن أن نخسر المعركة الثقافية». ولأن الدبكة تخلق مجموعات بين الناس، فلها خلق نوع من المبادرة لفعل سياسي. وتخلق الدبكة من خلال الأغنيات والمشاركة الاجتماعية والنشاط بشكل عام أسئلة وجودية عن علاقة الفرد بالوطن. أسئلة من الممكن أن تخلق وعياً وتحريضاً من خلال الأغنية بوجه العدو.
○ كيف تحولت فرقة الفنون إلى حركة ثقافية سياسية؟
• بل هكذا كانت منذ البدء. حضورها استجاب لواقع سياسي اجتماعي. كفرقة فنية لديها خطابها السياسي، وليست تنظيماً سياسياً لديه نشاطه الفني. هذا التوازن لا يزال يسيِّر الفرقة.
○ هل نجح الصهاينة في سرقة الدبكة؟
• حاولوا كثيراً. الدبكة أكبر من أن تُسرق فهي ليست فقط فلسطينية بل لبنانية، أردنية وسورية، وحتى عراقية في جزء منها. يحاول الصهاينة دمج ذاتهم في هذه المجتمعات كي يقولوا بوجودهم فيها منذ زمن. صعب على الأوروبي ممارسة رقص ليس من نسيجه.
○ هل لديكم ممول يملي شروطه؟
• لم يجروء ممول حتى الآن. معظم التمويل من القطاع الخاص الفلسطيني. ومنذ 11 سنة نتعاون مع مؤسسة «سيدا» وهي أجنبية ولا شروط سياسية لها. الناس هم الممول الأكبر من خلال شراء البطاقات والإنتاج الخاص بنا.
○ ما هو عددكم؟
• الأعضاء الفعالون 208 أكبرهم 62 وأصغرهم 14 سنة.
○ ماذا عن عرض «طلِت» الذي شهده لبنان؟
• بدأنا التحضير سنة 2012 بالتعاون مع الموسيقي الأردني طارق الناصر، وأنجز في 2014. جمعنا أغنيات من الأرشيف السمعي التابع لمركز الفن الشعبي. منها أغنيات بأصوات سيدات أعيد توزيعها. كما اشتغلنا على حكايات براعم الفنون مع الاحتلال، وتمّ تحويلها إلى قصص درامية، وعرضت بسردية مشاهد من فلسطين. فقد يكون الانتقال من حيفا إلى القدس، غزة وغيرها في رحلة تُعبر عن الأم والأخت والأنثى عموماً في حياة الفلسطيني من خلال قصص براعم الفنون. «طَلَتْ» من الأشياء التي قد تطل من جديد في حياتنا وننتظرها.

أبو عون: نحن نتيجة التحام المجتمع وتعزيز الهوية روايتنا صلبة ولا نخشى التجديد
فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية في لبنان تقدم عرض «طلَّت»
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left