نجوم رحلوا في شهر أغسطس فرقهم الموت وجمعتهم السينما

كمال القاضي

Aug 04, 2018

لم يكن الكاتب الروائي نجيب محفوظ أديباً وحسب، ولكن يجوز أيضاً وضعه على قائمة صناع السينما المصرية وأحد روادها المهمين. فهو من تشكلت بإبداعه الذائقة الفنية في العالم العربي قاطبة وربما منطقة الشرق الأوسط أيضاً، وبعض دول العالم التي ترجمت أدبه وتعرفت على فنه السينمائي المنقول عن رواياته، وهو أمر جدير بالتسجيل وخليق، بمن يهتم بالسينما أن يشير إليه في إطار التوثيق التاريخي للعلاقة بين الأدب والسينما. ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد استدعت ذكرى رحيل الأديب الذي توفي في آب/اغسطس عام 2006 الحديث مجدداً عن إسهاماته الأدبية التي تحولت إلى أفلام سينمائية، وأدت إلى حراك هائل منح وجوداً راسخاً للأدب المصور كلون ثقافي إبداعي متميز، ما زالت تأثيراته الإنسانية قائمة وفاعلة، فهو من أبدع على سبيل المثال رائعة «الحرافيش» وسلط الضوء على البسطاء والمهمشين. وكذلك جعل لغة القوة هي السائدة في المجتمعات البدائية الفقيرة، في اعتراف صريح بواقعية وهمجية تلك المجتمعات التي جافتها الحضارة وتركتها فريسة للجهل والجهلاء. وفي روايته «قلب الليل» طرح باستهجان غواية الفن والغناء عند البطل جعفر الراوي، الذي لا يملك مقومات التأهيل الحقيقي ليكون مبدعاً فينساق وراء شخصية «شكرون» في محاولة لتقليده تقليداً أعمى طلباً للشهرة والتحقق، بدون استحقاق لهذا التميز، وفي الخط الروائي نفسه يبرز محفوظ حيرة البطل المأزوم فنراه يعرج على الثقافة والقراءة كخط دفاع أخير لإثبات أنه مثقف كونه يعيش في معية السيدة الأرستقراطية التي تزوجها وبات بفضل زواجه منها موضوعاً في أجواء الثقافة والأدب!
تنتهي حياة المدعي في الرواية بارتكاب جريمة قتل وتحوله إلى شخص مجنون وهي دلالة المعنى الذي أراده صاحب نوبل، ليقول كلمته الضمنية في غير الموهوبين، الأدعياء الذين يتخذون من الثقافة والمعرفة وجاهة اجتماعية.
وتحفل المسيرة الأدبية لدى نجيب محفوظ بالكثير من الموضوعات ذات الطبيعة الفلسفية والنقدية التي تناولتها السينما وأوصلتها للعامة من الناس في تبسيط غير مخل، فلا يمكن أن نفوت الفرصة بدون أن نذكر الثلاثية الشهيرة، «بين القصرين ـ السكرية ـ قصر الشوق» وهي ثلاثة أجزاء ترصد ملامح من تاريخ مصر وتحولاتها السياسية والفكرية والاجتماعية، ويعتمد بناؤها الدرامي على شخصية السيد أحمد عبد الجواد، ذلك التاجر الثري ورب الأسرة الديكتاتور وصاحب النزوات والمغامرات، وهو تنوع غير منطقي يجتمع في شخص البطل يشي بتناقضات، ربما تشير إلى تناقضات المجتمع نفسه والصراعات الحادة الدائرة فيه آن ذاك.
وليست هذه الأعمال الروائية إلا عينات من أعمال مهمة تلقفتها السينما واستفادت منها وأفادتها، إذ حققت لها الانتشار الجماهيري على نطاق واسع، ومن بينها على سبيل الأمثلة، «الشحاذ» و»السمان والخريف» و»بداية ونهاية» و»ميرامار».
نعود لأصل الموضوع وهو ذكرى الرحيل التي جمعت بين الثلاثة الكبار وربطت بينهم السينما كعامل مشترك ومن بينهم نور الشريف، الذي كان قارئا نهما للأدب ومؤمناً بالعلاقة التبادلية بينه وبين السينما، وقد جسد الفنان الراحل الكثير من أبطال روايات أديب نوبل، وعياً بقيمتها ودورها في الإطار الفني والإنساني، فهو من جسد شخصية كمال في الثلاثية سالفة الذكر، وطالب كلية الطب في فيلم «الكرنك» وجعفر الراوي وزعتر النوري في فيلم «أهل القمة» وبلور رحلة صعود النشال الذي تحول في عصر الانفتاح الاقتصادي في سبعينيات القرن الماضي إلى مليونير ووجيه من وجهاء المجتمع، واستطاع كسر التابو الطبقي بزواجه من ابنة شقيقة ضابط المباحث!
وقد تنوعت أدوار نور الشريف الناقدة للحالة الاجتماعية والسياسية، سواء ما ارتبط منها بروايات نجيب محفوظ أو غيرها، وهناك أفلام علت بها أسهمه بشكل واضح منها «رحلة البحث عن سيد مرزوق» و»العار» و»سواق الأتوبيس» و»أيام الغضب» و»المطارد» و»جري الوحوش» و»ناجي العلي» والأخير آثار جدلاً واسعاً وتسبب في إزعاجه لفترة طويلة، ولكنه ظل واحداً من أعماله المهمة والأكثر تميزاً.
أما سعيد صالح وهو المتوفى أيضاً في شهر اب/أغسطس عام 2015 في سنة رحيل نور الشريف نفسها، فهو الفنان والممثل القدير الذي لم ينل ما يستحقه من التقدير، رغم تفوقه وموهبته الكبرى، عاش مغامراً محباً للمسرح والسينما كهاو، لذا كان صادقاً في أدائه قريباً من الجمهور، اشتهر بتجسيد شخصية الولد الشقي ربيب السوابق الذي يمكن أن نخشاه، لكننا لا نكرهه فهو خفيف الظل والروح، ابن بلد تصدقه حين يكون صعلوكاً وحين يكون طيباً وحين يكون شريراً، لمع سعيد صالح في «مدرسة المشاغبين» وبرز بين أبطالها، ولا سيما صديقة عادل إمام الذي ترك رصيداً وفيراً من الأفلام معه منها «المشبوه» و»سلام يا صاحبي» و»على باب الوزير» و»الهلفوت» وغيرها، وهي الأدوار التي لعب فيها بطولات مشتركة وترك بصمات واضحة على مستوى الحضور والأداء التلقائي والكوميديا الراقية.
كان صالح يهتم بالمسرح، ويعتبر أنه الأميز في مشواره الفني، رغم قلة أعماله فيه قياساً بالسينما، فما يذكره الجمهور يعد على أصابع اليد الواحدة، «هالو شلبي ـ المشاغبين ـ العيال كبرت ـ كعبالون ـ أبو نضارة» ولكن الأعمال الجيدة ليست بكثرتها ولا يحسب إبداع الفنان بالكم، ولهذا فإن ما يدل على موهبته هو ارتباط جمهوره به وتفاعله معه، وهي معطيات توافرت بالفعل لسعيد صالح فاستحق أن يكون ضمن الكبار.

 نجوم رحلوا في شهر أغسطس فرقهم الموت وجمعتهم السينما

كمال القاضي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left