الحمامات جوهرة المتوسط وعاصمة السياحة التونسية

روعة قاسم

Aug 04, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: الحمامات مدينة تونسية متوسطية خلابة. تطل على خليج الحمامات الساحر، الذي يصنف على أنه واحد من أجمل الخلجان في العالم، وتقع في الشمال الشرقي من تونس ضمن ولاية نابل غير البعيدة عن العاصمة. وهي اليوم قطب سياحي هام في البحر الأبيض المتوسط، حازت على شهرة واسعة بفعل منتجعاتها الحديثة وفنادقها الراقية وملاهيها وأماكن ترفيهها الصاخبة، وهي في الآن نفسه مدينة تاريخية عريقة جذورها ضاربة في القدم.
والمدينة اليوم قبلة ملايين السياح من مختلف الجنسيات يأتونها من كل حدب وصوب للتنعم بهوائها النقي وبحرها النظيف ومناظرها الخلابة. كما أن لها عشاق لأنشطتها الثقافية، ففيها على سبيل المثال ثاني أهم المهرجانات الصيفية الدولية في تونس بعد مهرجان قرطاج الدولي، والذي ينتظم، أي «مهرجان الحمامات» في واحد من أروع المسارح الصيفية من حيث الهندسة والإطلالة على البحر والذي يعتبر أحد مكونات المركز الثقافي في المدينة.
ويصعد على ركح هذا المسرح نجوم كبار أجانب وعرب. ويشهد هذا المهرجان إقبالا كثيفا باعتبار أن المدينة تصبح قبلة للتونســـيين من مخـــتـلف أنحـــاء الـبـــلاد، ويمكن اعتبارها العاصمة الصيفية، وباتت قبلة الرؤساء للتــصــييف في السنوات الأخيـرة وكـــانت على الـــدوام محبذة من عموم المواطنين وأشقائهم الجزائريين.

جذور ضاربة في القدم

منذ عصور ما قبل التاريخ استوطن الإنسان ربوع الوطن القبلي في شمال شرق تونس نظرا لخصوبة الأراضي الزراعية وكثرة المياه إضافة إلى البحر وما يدره من خيرات. فظهرت مدن وتجمعات سكنية كثيرة في هذه المنطقة من تراب الخضراء ونمت وازدهرت وأصبحت مصدر جذب للناس من الجوار القريب ومن الأماكن البعيدة على حد سواء.
ففي هذه المنطقة تقع على سبيل المثال مدينة كركوان الأثرية الفينيقية التي سبقت قرطاج من حيث تاريخ التأسيس ثم خضعت لسلطانها شأنها شأن السواد الأعظم من المدن الفينيقية الواقعة شمال افريقيا. حيث هيمنت قرطاج بداية على المستعمرات والمرافئ التي أسسها القادمون من سواحل بلاد الشام ومنها كركوان ومحيطها، ثم أصبحت في عصر ما الحامية لممتلكات صور في المشرق من غزوات الفرس وحتى الإغريق.
وكانت منطقة الوطن القبلي التي تنتمي إليها الحمامات مكانا استراتيجيا ذو أهمية لكل راغب في محاربة قرطاج واستهدافها في عقر دارها من الرومان وغيرهم من أعداء القرطاجيين. لذلك ازدادت أهمية المنطقة خلال الحروب البونية بين قرطاج وروما، وهي حروب وملاحم عنيفة كان مسرحها البر والبحر وألهمت الشعراء والرسامين وحتى المؤرخين في الإطناب في الحديث عنها وتصوير أطوارها.
وبداية من القرن الأول قبل الميلاد خضعت ما تسمى اليوم تونس بما فيها منطقة الوطن القبلي، إضافة إلى أراض في ليبيا تمتد إلى ما بعد طرابلس الغرب، وأخرى تقع في شرق الجزائر، إلى الإمبراطورية الرومانية، وصارت تسمى مقاطعة افريكا الرومانية وعاصمتها مدينة قرطاج قرب العاصمة التونسية والتي أعاد الرومان بناءها بعد خرابها. فظهرت مدن جديدة على أنقاض المدن الفينيقية منها نيابوليس التي أصبحت تسمى اليوم نابل وباتت عاصمة إقليم الوطن القبلي فيما سميت الحمامات في تلك الحقبة ببوت.
ومع انهيار روما وحرقها من قبل نيرون، هيمن الوندال على ممتلكاتها في شمال افريقيا ثم البيزنطيون القادمون من القسطنطينية بتعلة استعادة ممتلكات الإمبراطورية الرومانية الغربية. وحافظت ببوت أو الحمامات على أهميتها باعتبار موقعها الاستراتيجي الهام في الوطن القبلي الذي يطل على خليجين هما خليجا تونس والحمامات، وفي عصور صراعات على الهيمنة على البحر الأبيض المتوسط.
وازدادت مدينة الحمامات نموا مع الفتح الإسلامي الذي حصل في القرن الأول للهجرة، حيث جلبت إليها قادمين من جزيرة العرب باحثين عن أراض خصبة ومياه عذبة. واعتنق السكان الدين الجديد وتخلى عدد كبير منهم عن المسيحية التي كانت هي الغالبة خلال الحقبة الرومانية وهو أمر شمل أغلب مدن البلاد خصوصا بعد دخول حسان بن النعمان إلى قرطاج، وأصبحت بالتالي مدينة الحمامات جزءا من ولاية افريقية (تونس اليوم زائدا أجزاء من الغرب الليبي وشرق الجزائر) وعاصمتها مدينة القيروان.
ومع صعود هارون إلى الحكم في بغداد استقل بنو الأغلب في القيروان بالحكم عن الخلافة العباسية وخضعت افريقية إلى الدولة الأغلبية ثم الفاطمية فالصنهاجية. ونجت الحمامات من تخريب بني هلال القادمين من المشرق والذين عبثوا بحاضرة البلاد الأولى في ذلك الوقت مدينة القيروان.
ولعل أهم المراحل التي عاشتها الحمامات على الإطلاق هي المرحلة التي خضعت فيها لحكم الحفصيين في تونس حيث ازدادت أهميتها في دولة نشأت قوية ومنيعة. وهو ما دفع بأبي زكريا الحفصي في القرن الثالث عشر الميلادي إلى ان يأذن ببناء الجامع الكبير وأسوار المدينة لتكون الحمامات قاعدة متقدمة لصد الغزاة القادمين من البحر وذلك بعد أن بني حصنها الشهير في القرن التاسع للميلاد.
وخلال الصراع العثماني الإسباني احتل الأتراك حصن الحمامات، كما احتله الفرنسيون لاحقا خلال عملية بسط نفوذهم على الأراضي التونسية اللاحقة لتوقيع معاهدة باردو سنة 1881. وشهدت الحمامات أحداثا دامية سنة 1952 ضد الاستعمار الفرنسي راح ضحيتها شهداء منهم الطيب العزابي وكان للمدينة دور فعال في معركة التحرير التي انتهت باستقلال تونس سنة 1956 بعد استقلال داخلي حصل في 1955.

الأسوار والمعالم

بنى الأغالبة الذين استقلوا بحكم افريقية من العباسيين في بغداد، متخذين من القيروان عاصمة لحكمهم، أسوار مدينة الحمامات وذلك في القرن التاسع ميلادي. وأكمل المهمة الصنهاجيون الذين خلفوا الفاطميين المغادرين إلى مصر مع المعز لدين الله وقائده جوهر الصقلي وذلك في القرن الحادي عشر، وتم ترميم هذه التحصينات التي تقي الحمامات الغزوات الخارجية في سنة 1436.
ويتحدث بعض المؤرخين عن أن الأجزاء العليا للأسوار أضافها الأتراك العثمانيون عند قيامهم بعمليات ترميم واسعة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. وينطبق الأمر بالنسبة لهم على الحصن ذو الأضلاع الثمانية في هندسته والذي يقع في الجنوب الشرقي للمدينة القديمة وعلى بعض المباني الأخرى داخل هذه المدينة الجميلة في معمارها والتي يطغى على مبانيها اللون الأبيض القادر على امتصاص حرارة الطقس.
ولعل اللافت في أبراج وحصون وأسوار مدينة الحمامات القديمة هو قوتها من الجهة البرية وليس من جهة البحر فحسب، باعتبار أن من بين الغزاة كانت هناك قبائل البدو من بني هلال وبني سليم القادمين من جزيرة العرب. هذه القبائل أرسلها الخليفة الفاطمي في مصر انتقاما من بني زيري أو الصنهاجيين الذين استقلوا عن سلطة الفاطميين وأعادوا افريقية أو تونس إلى المذهب السني المالكي عوضا عن الشيعي الاسماعيلي الذي طغى حين كان الفاطميون في المهدية ثم صبرة المنصورية في مدينة القيروان.
ويؤكد المؤرخون على أن نجاة مدينة الحمامات، التي لم يشفع لها إسلام أهلها، من غزوات بدو بني هلال، مرده إلى هذه التحصينات البرية اللافتة والتي ميزتها عن عدد من المدن الأخرى التي كان التحصين مركزا فيها على جهة البحر. فالهلاليون أتوا على الأخضر واليابس، إذ خربوا القيروان عاصمة البلاد ونهبوا آثار قرطاج وعبثوا بها وباعوا حجارتها إلى تجار الأندلس لبناء القصور وأفخم المباني في شبه الجزيرة الإيبيرية ناهيك عن استيلائهم بغير حق على الأراضي الزراعية في المناطق الخصبة، حتى أن سكان مدينة تونس التي باتت العاصمة بعد خراب القيروان اضطروا إلى هدم جزء من آثار قرطاج حتى لا يتحصن بها الهلاليون الذين كانوا يغيرون على المدينة.
وتضم أسوار الحمامات ثلاثة أبواب هي باب البلد أو باب السوق ويقع في الجنوب الشرقي، وباب البحر الذي يقع في الشمال الغربي وباب القبلي وهو غير موجود اليوم. وكانت هذه الأبواب تغلق في الماضي مساء من أجل أمن المدينة وسكانها وتفتح في الصباح الباكر، كما كانت تغلق قبل صلاة الجمعة وتفتح بعد إتمامها حتى لا تطأ المدينة قدم غريب أو نهاب يستهدف سوقها وبيوتها العامرة.
وتضم الحمامات القديمة معالم أخرى كثيرة ومتعددة لعل أهمها الجامع الكبير الفريد في معماره والمتميز ببساطته ولونه الأبيض كما أغلب مباني الحمامات. ويعود بناء هذا المسجد الجامع إلى عهد دولة بني حفص التي هي جزء من دولة الموحدين الذين جمعوا شتات بلاد المغرب في عصر ما كان فيه المغاربيون مهددون بالغزو البحري الأوروبي والغزو البدوي الذي كانت تمثله قبائل بني هلال.
وتوجد في المدينة أيضا آثار لحمامات رومانية قيل انها السبب في تسمية المدينة بهذا الاسم، فيما اعتبر البعض أن سبب التسمية يعود إلى وجود الحمام في هذه المدينة ولا علاقة له بالحمامات الرومانية. وتقع هذه الآثار في منطقتي ببوت وبرج الغولة. ويؤكد المؤرخون على أن التنقيب سيكشف عن عديد الآثار والأسرار التاريخية للمدينة التي أسرت قلوب مشاهير العالم واستوطنوها وتركوا بلدانهم الأصلية.

الحمامات اليوم

أصبحت الحمامات اليوم من أهم مدن البلاد من الناحية الاقتصادية بعد توسعها شمالا لتلامس مدينة نابل وجنوبا لتقترب من بوفيشة التابعة لولاية سوسة بعد بناء مدينة سياحية متكاملة أطلقت عليها تسمية ياسمين الحمامات. وهي تضم فنادق راقية وملاه ومقاه سياحية بحرية وميناء ترفيهيا هو مارينا الحمامات، وأيضا مدينة جديدة بطراز قديم تقليدي فيها أسواق ومطاعم وقاعة مؤتمرات كبرى ومتاحف وأماكن ترفيه وغيرها.
كما تضم ياسمين الحمامات مدينة الملاهي «قرطاج لاند» المقتبسة في ألعابها من حضارة قرطاج وتاريخها العريق ما أضفى عليها خصوصية وجنبها أن تكون تقليدا لملاه أخرى منتشرة في العالم. فعلى سبيل المثال توجد في مدخل هذه المدينة مجسمات لجنود القائد القرطاجي حنبعل أو هنيبعل وهم على ظهور فيلتهم لعبور جبال الألب لمحاصرة روما قادمين من شبه الجزيرة الإيبيرية في إطار الصراع بين قرطاج وروما للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط.
وتضم أيضا فنادق محلية وأخرى هي جزء من سلسلة عالمية شهيرة منتشرة في كثير من بلدان ومدن العالم. كما بات للحمامات مطار يقع ترابيا في ولاية سوسة لكنه لا يبعد كثيرا عن المدينة هو مطار الحمامات النفيضة الدولي وهو أضخم مطار في البلاد ويفوق في حجمه مطار العاصمة.
وعن الأنشطة التي يتعاطاها أهل الحمامات يقول وليد القنوشي، وهو أبن المدينة وباحث في علم الاجتماع، لـ«القدس العربي»: «يتعاطى الحمامية، أنشطة متعددة شأنهم شأن أغلب التونسيين، ففيهم الطبيب والمهندس والمحامي والأستاذ ورجل الأعمال والموظف والتاجر، لكن الأهم هو أنه توجد في محيط الحمامات أراض زراعية خصبة بل لعلها الأخصب في البلاد وهو ما جعل الفلاحة نشاطا أساسيا رغم طغيان النشاط السياحي. فالكثير من الأراضي الزراعية التهمتها المباني والمنتجعات السياحية والفنادق الحديثة وهو ما يطرح نقاط استفهام حول الأولويات في منوال التنمية.
كما يتعاطى أهاليها أعمال الصناعات التقليدية التي توظف لخدمة السياحة ولها سوقها في المدينة القديمة ويقبل عليها السياح وزوار تونس من مختلف الجنسيات. وهناك من يعمل أيضا في الصيد البحري باعتبار ما يزخر به خليج المدينة من أسماك متوسطية عالية الجودة تنشأ وتنمو في بيئة نظيفة لا وجود فيها لأي شكل من أشكال التلوث خلافا لبلدان سياحية أخرى تعتقد أنها تنافس الخضراء في هذا القطاع. فأسماك المتوسط التي تعيش في تونس عموما وفي خليج الحمامات خصوصا لا مثيل لها وهي الأساس لأغلب الأطباق الشهية شأنها شأن غلال البحر».

الحمامات جوهرة المتوسط وعاصمة السياحة التونسية

روعة قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left