المغرب: الريف حراك واعتقالات وزلازل

حينما يصير العفو أمنية عيد

سعيدة الكامل

Aug 04, 2018

الرباط ـ «القدس العربي»: عامان إلا نزر من أيام هي مدة استأثر بها «الريف» على خريطة الأحداث في المغرب المعاصر لحظة بلحظة ولا يزال، وقلب معادلة المحيط والمركز، ليصير مركز اهتمام الرأي العام ويقض مضجع السلطة المركزية. ولا يمر يوم دون أن يسيل موضوع حراكه ومعتقليه مدادا على الصحف وحروفا على المواقع الإلكترونية و»هاشتاغات» على صفحات التواصل الاجتماعي وصورا على شاشات التلفزيونات. ولا يمر يوم دون أن يسيل لهبه دمعا على خدود مَن صار جزءٌ منهم خلف القضبان.
لا أحد كان يتوقع أن يخرج الريف حممه مرة أخرى، ويستمر في إخراج الغضب طيلة هذه المدة. منذ مقتل محسن فكري بائع السمك في شاحنة كبس النفايات متم تشرين الأول/أكتوبر عام 2016، وفي الريف غضب يغلي وإن صمت بلبله عن الغناء للحرية في ليالي الحراك الغاضبة في الحسيمة، وإن لم يعد زعيمه يخطب في ساحاته.
ما يقارب عامين والحزن صار وشاح الريف. وكلما اقترب عيد صارت العيون ترنو أكثر لما سيصدر من الرباط. أعفو يعفو عن الحزن الأسير في عيون عائلات أضناها السجن وفراق الأبناء والأزواج والآباء؟ أم عيد بلا طعم فرح جديد؟

انتظارات وخيبات

في عيد الأضحى السابق امتنعت بعض العائلات عن الاحتفاء، فلم ينحروا أضحية العيد. وفي أعياد أخرى هناك مَن رفع علما أسود على بيته علامة حزن وحداد. غير أن عيد الفطر الأخير كان لطعم الحزن فيه مرارة أشد. مرارة أمر عشرين مرة. بثقل عشرين عاما، أقصى حكم ناله أربعة من نشطاء حراك الريف منهم ناصر الزفزافي قائد حراك الريف. 308 سنة مجموع ما نطقت به محكمة الاستئناف في الدار البيضاء من أحكام في حق 54 معتقلا. لبست النساء السواد، وخرجن للاحتجاج ومنعن منه، ورفعت بعض البيوت أعلاما سوداء. إنها حكاية انتظار الأعياد، صار انتظار العيد كأنه انتظار للحرية.
وانتظر، مرة أخرى، المتابعون لتطورات ملف حراك الريف من فاعلين سياسيين ونشطاء مدنيين ممن شكلت الأحكام صدمة قوية لهم، وقرعت ناقوس عودة سنوات الرصاص في آذانهم، وعلقت آمال على «عيد العرش» هذه المرة أكثر، عله يسفر عن إطلاق سراح المعتقلين، أكثر مما انتظرت عائلاتهم والمعتقلون أنفسهم ذلك.
وهذا أحمد الزفزافي، والد ناصر الزفزافي، يقول كلاما موجزا، بعد أن مر العيد وعفا الملك عمن عفا ولم يخرج من السجن أبناء الريف نشطاء الحراك: «لم ننتظر أن يكون هناك عفو».
وإن لم ينتظروا. فآخرون انتظروا وأملوا وخابوا. ومنهم البرلماني عمر بلافريج، النائب عن «فيدرالية اليسار الديمقراطي» الذي طالما ردد أن المغرب في حاجة لانفراج سياسي ولا يمكن أن يحدث دون الإفراج عن معتقلي الحراك. بعد خطاب العرش، هذا البرلماني امتلك جرأة أن يقول: «أنا لا أتفق مع خطاب الملك»، وهذا يحدث نادرا في المغرب، خاصة من طرف برلمانيين.

تشاؤم وتفاؤل

«تعرض عبد الكريم الخطابي للأسر في 26 أيار/مايو 1926 وتمت مداهمة بيت ناصر الزفزافي يوم 26 أيار/مايو 2017». هكذا يفتتح كلامه مع «القدس العربي» وهو الذي يعلق التاريخ بذاكرته ولسانه ولا يفصل كل ما يحدث في الريف عن مسار تاريخي طويل من الصدام بين هذه المنطقة والسلطة، وفي السياق ذاته يسترسل في أسئلته حول تاريخ اعتقال ابنه ومصادفته لتاريخ أسر محمد بن عبد الكريم الخطابي، رمز المقاومة في الريف والرجل الحي دائما في أحاديث الريفيين، وإن كان رفاته ما زال يرقد في القاهرة منذ أن توفي هناك في 6 شباط/فبراير 1963. يتساءل الزفزافي الأب عن هذه المصادفة: هل هي صدف التاريخ أم هناك تخطيط أم هو التاريخ يعيد نفسه؟ أسأله: هل انتظرتم عفوا عن أبنائكم فيجيب: «لم نكن ننتظر منذ سنة 1956 أي خير. هذه المنطقة لا تعرف من الجهة الأخرى سوى المقاربة الأمنية» مضيفا «لقد عانينا منذ ذلك التاريخ من التهميش إلى حدود الآن ومن المقاربة الأمنية ومن النعت بالأوباش من طرف أعلى سلطة في البلاد آنذاك، ومن قتل وبقر لبطون الحوامل ونهب للممتلكات. لقد عشنا وما زلنا ظروفا لم تعشها أي منطقة في المغرب». ويستدل على كلامه بما يعرف بـ»ظهير العسكرة» قائلا: «ظهير عسكرة إقليم الحسيمة، الذي هو جزء من الريف، صدر سنة 1958 ولم يرفع لحد الآن، أليس هذا دليل على أننا نعيش تحت العسكرة؟».
○ هل انتظرتم عفوا؟
• ناصر كان يقول لي لا أنتظر شيئا وكأن له حاسة سادسة ونحن أيضا لم ننتظر شيئا.
○ هل هو فقدان أمل؟
• لا، لدينا أمل في المستقبل وبلا أمل لا قيمة لأن يستمر الإنسان على الحياة، لكن لم نأمل في عفو هذه المرة.
○ لماذا؟
• شاهدت كيف دخلت التعزيزات الأمنية للحسيمة، وشاهدت الآليات الثقيلة وقوات الأمن بأعداد كبيرة. لقد بلغت القوات ربما ضعف الساكنة. فعلمت أن الأمر لا يلوح بانفراج وكذلك كان.
وعلى عكس والد قائد حراك الريف، فعائشة الخطابي، نجلة محمد بن عبد الكريم الخطابي، أملت في عفو: «كان عندي أمل كبير. ننتظر قليلا ونرى الحكاية، ما زلت لم أفهم الحكاية». تقول الخطابي لـ»القدس العربي» مضيفة «لقد سمعت أنه تم العفو عن ألف معتقل. ليس من ضمنهم معتقلو الحراك، لكن فلننتظر قليلا». تتحدث نجلة محمد بن عبد الكريم الصغرى، التي ولدت في المنفى سنة 1942 في جزيرة «لاريونيون» بعد اعتقال والدها من طرف سلطات الاحتلال الفرنسي، وهي تشدد على أنها ستبقى إلى جانب المعتقلين وساكنة الريف، معتبرة أن المطالب التي خرجت من أجلها الساكنة هي مطالب مشروعة «في الريف كنا دائما مهملين، والماضي ما زال له تأثير وأحيانا قد تكون هناك أخطاء، ويجب أن يسامحونا. إن الملك يتابع الموضوع وهو يصغي» تقول عائشة لتختم: «لن أتخلى عن المعتقلين وأهلي في الريف، وجهت رسالة للملك بهذا الشأن وطلبت أن يسامحهم، إن شاء الله سيكون خيرا».

الريف جغرافيا بتاريخ يكتب حاضرا

الحراك الأخير وقضية معتقليه جعلت الريف يصير عنوانا ليس فقط على صدر الصحافة المحلية في المغرب، بل إن كبريات الجرائد العالمية تحدثت عن هذه المنطقة ذات الوضع الخاص تاريخيا بالمغرب. فماذا يعني الريف في المغرب؟
على عكس المتداول في الشرق حيث يحيل الريف إلى القرى الجانبية للحواضر. الريف في المغرب هو منطقة تقع في شماله، معروفة بسلسة جبال وعرة وقمم شاهقة، وهو موطن جزء هام من المغاربة الأمازيغ الذين يلقبون بـ «ريافة» ولسانهم هو الريفية، أحد مكونات اللغة الأمازيغية التي أقرها دستور المملكة سنة 2011 لغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة العربية. وتوصف الحسيمة بأنها قلب الريف الأوسط المفتوح على الواجهة المتوسطية، وهي من أهم حواضره إلى جانب تطوان والناظور، أما طنجة فيختلف الباحثون في نسبتها إلى الريف. هذا جغرافيا وإثنيا.
غير أن لتاريخ المنطقة السياسي باعا كبيرا في تشكيل هويتها الخاصة كذلك، وهو ما يجعل منه منطقة حساسة في علاقته مع السلطة المركزية، الخطوط العريضة لهذه العلاقة يمكن استنباطها من بعض المحطات الأساسية:
إن منطقة الريف معروفة باعتزازها أيما اعتزاز بمقاومتها للاستعمارين الفرنسي والإسباني وبرموز هذه المقاومة كمحمد الشريف أمزيان من 1909 إلى 1912 ومحمد بن عبد الكريم الخطابي من 1920 إلى 1926، والاثنان يعدان من أبطال المقاومة الأمازيغية المغربية. ومن خلال تحليلات مؤرخين محللين سياسيين، وحتى من خلال الشعور المشترك لدى الكثير من أبناء المنطقة، يستوحى أن الباع الكبير للريف في مقاومة الاستعمار كان مصدر انزعاج لبعض أعوان الاستعمار وكذا سلطات المغرب المستقل. وبعد الاستقلال شكلت انتفاضة الريف 1958-1959 حدثا وشم الذاكرة الجماعية عبر الأجيال وهي الانتفاضة التي جوبهت بقمع كبير بقيادة ولي العهد الحسن الثاني آنذاك. حيث تم نعت الاحتجاجات التي نشبت بأن لها نزوعات انفصالية. ولم تندمل جراح هذا الحدث حتى أتت انتفاضة 1984 التي عرفتها مجموعة من المدن المغربية ضد الأوضاع الاجتماعية والسياسية، فما كان إلا أن جوبهت بالقمع وكان للريف النصيب الأوفر وتم نعت ساكنته بـ»الأوباش» في خطاب رسمي.
وخلال موجة الربيع، دفع الريف أيضا نصيبا أوفر من المعتقلين، ومن بينهم محمد جلول المحكوم حاليا بعشر سنوات على خلفية حراك الريف، وكان للتو أنهى مدة خمس سنوات بعد أن تم اعتقاله سنة 2012 في احتجاجات حركة عشرين فبراير (النسخة المغربية للربيع العربي).
والآن، تقول مصادر من هيئة دفاع معتقلي حراك الريف أنه منذ بدء موجة الاعتقالات على خلفية الاحتجاجات بلغ عدد من تم اعتقالهم حوالي ثمنمئة شخص.

واقع اجتماعي مأزوم

الواقع الاجتماعي لسكان يقدر عددهم بـ399654 نسمة في إقليم الحسيمة ككل وهو جزء من الريف الذي عرف الحراك (مدينة الحسيمة وحدها حوالي 55000 نسمة) حسب إحصاء 2014، يتميز بنسب أمية وبطالة عالية. يقول علي الإدريسي المؤرخ وابن مدينة الحسيمة عن الواقع المعيش في الريف أن «البطالة بين الشباب تتجاوز 90 في المئة باعتراف المندوبية المغربية للتخطيط، ولا وجود لأي مصنع في إقليم الحسيمة. المعامل الصغيرة لتصبير السردين التي بناها الاستعمار الإسباني أغلقت. البنية التحتية تكاد تكون منعدمة. لكن المخزن يريد أن يصدق المغاربة والساكنة المحلية ما يقوله لهم في قنواته الإعلامية». ويضيف في تصريح لــ»القدس العربي» أن «منطقة الريف ينتشر فيها مرض السرطان انتشارا واسعا، ربما بسبب آثار الحرب الكيميائية التي شنها الاستعمار على المنطقة في عشرينيات القرن الماضي، وأقاليم الريف كلها من مدينة الشاون إلى مدينة بركان ليس فيها جامعة»، متسائلا وهو يستنكر الأحكام التي صدرت في حق معتقلي الحراك: هل من يطالب بالجامعة لبناته وبنيه ويريد بناء مستشفى ويطالب بالشغل، هل يتآمر على وحدة المغرب؟ وهل يستحق أن يحاكم بعشرين سنة سجنا؟ وهل تستطيع الدولة المغربية بمؤسساتها التي ما زلنا ننتظر مصداقيتها أن تتجاوز منطق المخزن التقليدي وتقول للمغاربة الحقيقة ومكانة أقاليم الريف في الدولة المغربية بعيدا عن لغة الخشب؟»

أرض الزلازل

معروف أن الريف مستقر فوق أرض زلزالية، بالمعنيين الجيولوجي والسياسي، وكانت الحسيمة قد عاشت آخر زلزال كبير سنة 2004 وتسبب في مأساة إنسانية كبيرة. وأيضا كانت سببا وراء «زلزال سياسي» حديثا، حسب التوصيف الصادر في الصحافة المغربية، بعد جملة من الإعفاءات من مناصب المسؤولية لوزراء ومسؤولين كبار قام العاهل المغربي بإعفائهم من مناصبهم بسبب التعثرات التي عرفها إنجاز مشروع «الحسيمة منارة المتوسط»، المشروع الذي رأى البعض في تعثره سببا كامنا وراء الحراك، ورأى البعض الآخر ومن ضمنهم ما عبر عنه محمد جلول وناصر الزفزافي نفسه أن المشروع أصلا لم يستجب للحاجيات الأساسية للمنطقة.
وما زال هذا «الزلزال» مستمرا. فبعد أن زار العاهل المغربي مدينة الحسيمة واختار أن تكون منصة خطاب العرش الأخير رغم التوتر الذي تعيشه المنطقة، ووجه فيه نقدا للتدبير الاجتماعي لعدد من القطاعات، صدر بلاغ للديوان الملكي يعلن إعفاء محمد بوسعيد من مهمته وزيرا للاقتصاد والمالية (من حزب التجمع الوطني للأحرار) وتلته إعفاءات لمسؤولين في الصحة والتعليم، فهل هي بادرة انفراج سياسي واجتماعي؟ وهل يمكن أن تتم عملية الانفراج دون الإفراج عن معتقلي حراك الريف؟ سؤال يتداوله المهتمون والمحللون والإعلام وهو سؤال الساعة في المغرب، والعيون ترقب عيدا آخر قريبا… فهل سيعود والحال هو الحال؟ أم سيكون في أمره إفراج وانفراج؟

11HOR

 

المغرب: الريف حراك واعتقالات وزلازل
حينما يصير العفو أمنية عيد
سعيدة الكامل
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left