العقوبات الأمريكية على إيران: أبعاد وآفاق

شفيق ناظم الغبرا

Aug 09, 2018

بدأت العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران هذا الاسبوع، وهذا يعني أن إدارة الرئيس ترامب قررت السير في طريق محفوف بالمخاطر مع دولة إسلامية أخرى. هذه العقوبات هي نتيجة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. وكانت إيران قد وافقت بعد مفاوضات شاقة مع كل من الصين، روسيا، أمريكا، فرنسا، ألمانيا وبريطانيا ‬على ذلك الاتفاق في العام 2015. وقد استهدف الاتفاق النووي مع إيران منعها من تطوير قدرات نووية عسكرية. لكن الواضح أن الذي حفز ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني لم يكن السلوك الإيراني في سوريا والعراق واليمن، بل سياسة إيران تجاه إسرائيل والتي تتضمن تصنيعها لصواريخ بعيدة الأمد في ظل تواجد حقيقي لقواتها قرب الحدود في سوريا.
هذه المرة لا يوجد حد أدنى من الإجماع على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، لهذا تواجه الولايات المتحدة معوقات عدة في سياستها الراهنة تجاه إيران. فأوروبا تعارض العقوبات على إيران، وترى أن السلوك الأمريكي مضر للسلم العالمي. ان سلوك ترامب تجاه دول شتى منها كندا والمكسيك والصين وأوروبا مضر للامن العالمي والتجارة والإستقرار. كما وتعارض كل من روسيا والصين وتركيا العقوبات على إيران. إن نجاح العقوبات يتطلب إجماعا دوليا، وهذا الاجماع ضعيف منذ البداية.
ويمكن القول إن أوروبا تعاني من ضغوط كبيرة. فهي من جهة تمتلك شركات ضخمة لديها مصالح في الولايات المتحدة كما وفي إيران، لكنها بنفس الوقت مستاءة من سياسات أمريكية أدارت ظهرها للتحالف الأمريكي الأوروبي. وقد تفضل أوروبا( على مضض) مصالحها الأمريكية فتنصاع للضغوط الأمريكية. لكن خروج أوروبا من إيران سيفتح الباب أمام العملاق الصيني الذي سيحل مكان الشركات الأمريكية والأوروبية. إن سياسة ترامب تصب في طاحونة الشركات الصينية التي ستكون سعيدة بملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة وأوروبا في إيران.
إن العقوبات المفروضة منذ السابع من اب/اغسطس 2018 على إيران ستشمل مواد وتجارة وتبادلات مالية، لكن العقوبات الأشد ستبدأ في تشرين الثاني/نوفمبر القادم لأنها ستشمل منع تصدير النفط. لكن في المقابل ستقوم دول كالصين والهند وربما تركيا بشراء النفط الإيراني، وهذه دول في أغلبها لن تنصاع لنظام العقوبات الأمريكي في كافة المجالات. كما سيكون التبادل المالي بعملات صينية وإيرانية وعملات لا تخضع للنقد الأمريكي هو السائد في التعاملات المالية الجديدة.
وهناك عامل لم تأخذه الادارة الأمريكية بعين الاعتبار. فإيران خبيرة في التعامل مع العقوبات والتهرب منها، وهي بامتدادها في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومناطق أخرى ستنجح في إدارة عملية التهرب من العقوبات، كما ان علاقاتها الدائمة مع دول الشرق الاوسط والعالم وعدد من دول الخليج يفتح لها المجال للتهرب من العقوبات بما في ذلك التهريب والاسواق السوداء. في السابق افادت العقوبات إيران لأنها نجحت (في ظل العقوبات) القديمة في بناء مشروعها النووي واقتصادها والكثير من صناعاتها. العقوبات في التاريخ الحديث لم تغير سياسة، بل إن العقوبات مضرة للولايات المتحدة، التي ستفقد مزيدا من مصداقيتها الدولية.
وقد فرضت العقوبات سابقا على إيران من قبل الولايات المتحدة منذ العام 1979 بعد قيامها باحتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، وقد تحول الأمر عام 1995 لحظر شامل أمريكي إيراني. لكن العقوبات الاخطر هي تلك التي فرضتها الأمم المتحدة على إيران منذ عام 2006 والتي تطورت تدريجيا نحو الحظر الشامل الذي استمر حتى العام 2015 والاتفاق النووي.
لقد ساد الاعتقاد عام 2015 أن رفع العقوبات سيهدئ من مخاوف إيران ويقلل من تصنيعها العسكري وسعيها لاختراق حدودها. لكن هذا لم يتغير. والسبب في ذلك أن أزمة الثقة بين إيران والولايات المتحدة كما وازمة الثقة مع اسرائيل عميقة بعمق ثورة إيران ضد الشاه وموقف إيران من الولايات المتحدة وتدخلها في الشأن الإيراني. كما أن القواعد الأمريكية في الاقليم العربي وقيام الولايات المتحدة بتغير النظام في العراق، جعل إيران تشعر بضرورة أن تستعد لإمكانية قيام الولايات المتحدة بعملية عسكرية كبيرة تستهدف تغيير نظامها. لهذا فأن رفع العقوبات عن إيران منذ الاتفاق الإيراني في 2015 لم يقلل من اندفاعة إيران نحو العراق وسوريا واليمن ولبنان.
ويمكن القول بأن إيران تعاني اقتصاديا منذ زمن. ففي عام 2009 إنتشرت التظاهرات والإحتجاجات في إيران، وقد نتج عن تلك الحركة إنتخاب الرئيس الإيراني روحاني. التظاهرات والاحتجاج في إيران مستمر، وهذا طبيعي، لكن هذا لن يغير النظام، ولن يسقطه، ولن يغير الجغرافيا السياسية الإيرانية. فإيران ستتعامل مع الإحتجاج من خلال فتح الفرص أو الإصلاح أو من خلال التركيز على الصراع مع الولايات المتحدة. ويجب الانتباه إلى ان العقوبات ستوحد الشعب الإيراني خلف دولته وتضعف من حركة الاحتجاج الساعية للتغير. إن العقوبات على إيران والمدعومة اسرائيليا والتي يتبناها فريق ترامب الاكثر تطرفا أمثال جون بولتون اليميني، وممثله أمريكيا في الأمم المتحدة كيللي ذات الميل الصهيوني الواضح، ووزير الخارجية بومبيو( الرئيس السابق للسي اي ايه) ستخلق مزيدا من ردود الفعل في العالم. إن التصعيد الأمريكي يضر الحراك الإيراني الداخلي ويوحد الامة الإيرانية ويجعلها اكثر صلابة.
وبإمكان إيران أن تصعد من خلال العودة للبرنامج النووي والتخصيب، بإمكانها ان تكون دولة في طريقها لامتلاك السلاح النووي. لكنها لن تفعل ذلك على الأغلب وستلتزم بالاتفاق خاصة ان نجحت في جعل الصين وتركيا واوروبا ودول اخرى تخرج عن طوق العقوبات الأمريكية. هذكا يبدو أن ترامب حفر حفرة لنفسه، وربما على إيران أن تصبر سنتين لترى إلى اين ستسير الأمور مع ترامب والولايات المتحدة مع انتخابات عام 2020.
إن الضغط على إيران قد يؤدي لشرارة عسكرية ولمواجهة غير محسوبة، وقد يجد ترامب نفسه وقد تورط في شيء لم يكن يريده، وقد تتحول المعركة العسكرية لوبال على الولايات المتحدة التي فشلت في كل من العراق وافغانستان، وهذا لو وقع قد ينهي رئاسة ترامب كما أنهى العدوان الثلاثي عام 1956 الحياة السياسية لرئيس الوزراء البريطاني أنثوني ايدن. لهذا أرى أنني استبعد المواجهة العسكرية الأكبر في المرحلة القادمة. فأمريكا اليوم تبدو في حالة اهتزاز كما أنها مضطرة لاتباع سياسة العصا الغليظة مع الدول التي تستقل عن سياساتها وهذا يؤدي لمزيد من العزلة الأمريكية. هذه لحظات أمريكية مليئة بالعزلة بأكثر منها لحظات صعود ونمو.
ومهما كانت الآراء بشأن ما وقع، يجب أن تبقى منطقة الخليج خالية من الحرب والنزاع، كما ويجب الحفاظ على السلم في منطقتنا خاصة وأن الحروب تدمر النسيج الوطني والاجتماعي والديني للمنطقة. لقد جربت المنطقة حرب الخليج الاولى بين العراق وإيران، ثم حرب غزو نظام صدام حسين عام 1990 ثم حرب تغير النظام العراقي عام 2003، كل الحروب كانت مدمرة وهي السبب في الكثير من الأوضاع التي تعيشها المنطقة العربية.
لهذا يجب بناء موازين قوى جديدة تحد من مقدرة الولايات المتحدة على تنفيذ العقوبات على إيران، كما يجب ان لا تكون منطقة الخليج واحة أمريكية وذلك عبر إدخال ترتيبات أمنية مع الاتراك والناتو وأوروبا والصين. بنفس الوقت يجب عدم وضع إيران في الزاوية الاقتصادية والسياسية. فبالرغم من الخلافات مع إيران في الملف السوري والعراقي واليمني يجب عدم محاصرة إيران. لكن مع ترامب هناك تفجير، وهذا ما يجب محاصرته والحد منه. لهذا يجب ان تبادر دول الخليج لحوار صادق وبناء مع إيران. يجب فتح قنوات مع إيران. وبإمكان سلطة عمان أن تلعب هذا الدور، إذ عودتنا عمان عبر دورها في الاتفاق النووي عام 2015 على دورها السلمي، وكذلك بإمكان الكويت كما عودنا الشيخ صباح الاحمد أمير الكويت أن تمارس دورها السلمي والسياسي الحيادي.

٭ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

العقوبات الأمريكية على إيران: أبعاد وآفاق

شفيق ناظم الغبرا

- -

3 تعليقات

  1. الحوار الصادق مع ايران غير مجدي على الاطلاق ،ذلك ان سياسة ايران قائمة اساسا على معادات دول الخليج على اساس طائفي ديني عقدي وهذا الاساس هو الذي يعطي الشرعية للنظام الحاكم ويجعله مستفردا بالحكم ، أي تقارب مع الدول العربية وخصوصا الخليجية سيسحب تلك الشرعية من تحت اقدام هؤلاء لأن نظام الحكم يعتمد على تلك الصبغة الدينية التي اساسها مساعدة الاخوان الشيعة المظلومون في تلك الدول واستعادة حقوقهم المسلوبة فيها والتي على رأسها احقيتهم في حكمم بلادهم اسوة بمواطنيهم السنة …

  2. الحوار بين الدول مطلب أساسي ، لكن مع دولة نثل ايران والتي منذ أيامها الأولى أطلقت تصدير الثورة ، نظام الملالي والحرس الثوري ليس معنيا بالديموقراطية أو ان يكون هناك تعاون بين ايران ودوّل الخليج لما يخدم مصالح شعوب المنطقة ، من حيث التركيز على تثبيت السلم الإقليمي، انشأت لها أذرعا طائفية ذات أهداف ارهابية في بداية الثمانيات. ولا ننسى تدخلها المباشر وتهديد أمن الكويت والبحرين وتمسكها باحتلال الجزر العربية ، بل زادت الطين بلة عندما لجأت إلى القوة السافرة لإنهاء الوجود للمخافر الشرطة المحدودة للشرطة الإماراتية ، شعاراتهم الرسمية استفزازية واستعلائية. ، أهدافهم طائفية وعنصرية ، باركوا الربيع العربي في كل من ليبيا تونس ومصر واعتبروه من مباركات ثورة الخميني وانه بدأت تؤتي أكلها ، وعندما قامت الثورة السلمية
    في سوريا تصدوا لها بالحديد والنار ، لأن النظام في سوري طائفي بامتياز،
    الحوار في مفهومهم. الانصياع. والتسليم لهم. ويبدو ان التلويح بخيارات القوة قد يجعلهم أكثر تعقلا واتزانا ، وعلى كل لا يستطيع احد ان يتكهن مسار الأحداث!!!

  3. الكاتب أهمل سلوك إيران الطائفي مع دول المنطقة وخاصة سورية, وأظهر إيران وكأنها ضحية. إذا بدأت الحرب على إيران فهناك الكثير من أبناء المنطقة من سيفرح وسيساعد على إنهاء حكم الملالي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left