وقائع التغيير في عالم متسارع

 لطفي العبيدي

Aug 10, 2018

لقد طرح العرب على أنفسهم بعد احتكاكهم بالغرب سؤال لماذا تقدم الغرب وتأخرنا رغم كفره وإيماننا؟ واعتقدوا أنهم مروا على أسئلة أخرى من قبيل: كيف نحقق الثورة ونُفعل أهدافها؟ ومن ثمة كيف يمكننا أن نُحقق حلم دولة الوحدة والتحرر؟ وصولا إلى إحراج سؤال النقد الذاتي بعد الهزيمة الذي خاض فيه كثيرون.
ومع انتقال الدولة القطرية من الاستعمار إلى التبعية، إلى خطر زوال الكيانات العربية، نتيجة سياسة الاحتواء الغربي الإمبريالي، وجدنا من يُحدد المشروع الحضاري بأنه اللحاق بالغرب، وهذه العملية تستوجب قتل الإبداع، ويتحتم أن يقودنا متوسطو الذكاء القادرون على التقليد، أما أولئك القادرون على الإبداع والإضافة فهم «خطرون» لأنهم قد يودون بنا إلى مسارات خاصة تُبعدنا عن المسار الذي تحدد قسرا وإملاء، أو بالطرق الناعمة واستعمار العقول. وهذا «القانون العام» الذي طرحته الحضارة الغربية، رفضه كثير من المفكرين القوميين والإسلاميين الذين تمسكوا بالخصوصية، بما تعنيه من قانون خاص يسمُ كل حضارة بدون إنكار القانون العام، أو ما يسميه المسيري «الإنسانية المشتركة» وهو يعني أن لكل حضارة معجمها الخاص، وأنه داخل هذه الإنسانية المشتركة يوجد تنوع هائل يعطي لكل حضارة فضاءها الخاص ومعجمها الحضاري، إن تخلت عنه نضُب الإبداع وركنت إلى التراجع والسلبية.
 ويبدو أن الحالة العربية على أعتاب أسئلة أكثر عمقا وأبلغ مقصدا، خاصة وهي تشهد ارتباكا لا مثيل له يعكسه تردد صانعي القرار داخل الفضاء القطري العربي، وتشتت الرأي العام وصراع التيارات الفكرية، بشأن خيارات الحاضر     والمستقبل. ولعله من الصعب – والحال كذلك- تبين قواعد اللعبة الدولية، في عالم تجري فيه الأحداث بوتيرة متسارعة، ويحتل فيه الإرهاب والحرب على الإرهاب عناوين النشرات الإخبارية وواجهات الصحف اليومية، عالم يرتبك فيه القانون الدولي، وتزدوج فيه كل المعايير من حقوق الإنسان إلى الديمقراطية والتعايش السلمي، وفق منطق الهيمنة العالمية التي أربكت كل شيء، حيث كثفت موجة العولمة ديناميات الاقتصاد العالمي بالدفع نحو استفادة المركز على حساب الأطراف، فكان التسويغ التشريعي لاستعباد الشعوب واستغلال ثرواتها يتم داخل البرلمانات الليبرالية، ويصدر عن النظام الليبرالي الرأسمالي الذي رفع شعارات العدالة والحرية والمساواة.
وتغدو أسئلة الارتقاء بآليات التأقلم الإيجابي مع مخاطر العولمة ضرورة لا حياد عنها، إضافة إلى سُبل الإسراع بخطى تعظيم القدرة التنافسية على مستوى مشروعات الأعمال والمشاريع العربية الكبرى، التي تكون فاعلة اقتصاديا واجتماعيا، وآليات امتلاك الأمة لرؤية استراتيجية في زمن العولمة وأيديولوجيا الليبرالية المفرطة، التي يتعامل بها الغرب مع المنطقة. ومن الحتمي الوقوف عند أجوبة عملية تحد من نزيف تفكك النسيج القومي العربي، الذي عملت على تعميقه القوى الغربية، وحرصت على ضمان التبعية السياسية والاقتصادية، وأزالت أي إمكانية للتكامل المادي بين الدول العربية والإسلامية، ولم تكتف بذلك بل توجهت نحو ضرب الإنتاج الرمزي والمخيال الفكري والثقافي، بأن جعلت أفسد النخب تسيطر على الثقافة والتعليم، الأمر الذي دفع إلى تراجع الأوطان العربية فكريا وعلميا، فشهدت بذلك عطالة ثقافية لا مثيل لها في تاريخها الحضاري، استُعبد في سياقاتها المثقف العربي، ووُجه قسرا وإملاء، كما تقلصت إمكانات البحث العلمي في مشهد هزيل ومخجل لأوطان قادرة على النهوض والتقدم واستئناف دورها الحضاري والعلمي المتحقق تاريخيا ووثائقيا.
 لقد ساد نوع من الفوضى الخلاقة، حاول من ورائه صناع القرار في المجتمع الدولي أن يغيروا النظام العالمي والجغرافيا السياسية، ومع مثل هذه الإرادة الدولية، إرادة القوة المهيمنة، لا موجب للاستكانة والخضوع والتفويت في المصائر ومستقبل الأمة، خاصة عندما تتردى الأوضاع الدولية وتتراجع القيم الانسانية الآفاقية، مع انبثاق النظام العالمي الجديد وظهور أيديولوجية العولمة التي قضت على مساعدات التنمية، وأدخلت الدول النامية مسلك المديونية الخارجية، واتضحت معها الهوة الاقتصادية والمادية، واتسعت الفروق بين الأمم والدول اتساعا لا مثيل له، رغم ما بشرت به مقولات العولمة من أن العالم أصبح قرية صغيرة كونية متشابهة، ينمو ويتلاحق بجميع أجزائه خاصة بعد الدور الذي لعبته الإنترنت ومختلف أشكال ثورة الاتصالات والرقميات. ولكن هذه القرية تغولت وتحولت إلى غابة موحشة، الإنسان فيها ذئب لأخيه الإنسان، ولا يحيا داخلها غير الكبار، أما الصغار فلقمة سائغة وموضوع للاستثمار والاستغلال الذي لا حدود له.
 كاتب تونسي

وقائع التغيير في عالم متسارع

 لطفي العبيدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left