مصر على الحافة بين السيرة الملحمية ومراثي الخراب

سامح المحاريق

Aug 10, 2018

«كده خربانة وكده خربانة»، هذه النتيجة التي وصلها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حديثه عن الإصلاح الاقتصادي، الذي تعامل معه خلال فترته الرئاسية الأولى بكثير من الجرأة، وربما التهور أحياناً، وأحدثت الصدمات الاقتصادية المتتابعة اهتزازاً ملموساً جعلته يعبر عن غضبه من الهاشتاغ الشائع «إرحل يا سيسي»، ويدخل في منطقة التبرير لإجراءاته الاقتصادية، خاصة أن آثاراً إيجابية لم تنعكس على حياة المواطنين المصريين، إلا أن نزعته التبريرية التي لا تتناسب مع ثقته في قراراته السابقة، دفعته لمراجعة أوصلته إلى النتيجة غير المريحة، التي أتت في سياق المكاشفة الدرامية بأن الطريق صعب، وأن مصر لم تستطع أن تحقق أهدافها المنشودة ولن تحققها، على الأقل في المدى الزمني المنظور الذي يفترض أن ينتهي مع الولاية الثانية للرئيس السيسي.
يشترك الرئيس السيسي مع غيره من الزعامات العربية في المأزق نفسه، فهو يلقي بالوعود وتتلقفها الأجهزة التنفيذية التي تجدها ثقيلة بطموحها وتفاؤلها، فتحاول أن تلبي بعضاً منها على سبيل الترضية السياسية، وتكون الاستجابة من خلال مشروع هنا ومبادرة هناك، بحيث يُستقطب البريق الإعلامي إلى حين، قبل أن تكتشف الحكومات أن الأبواب التي فتحت بناء على توجيهات الرئيس تزيد المشكلة ولا تقدم شيئاً من الحل، وأن التكلفة التي تتكبدها لتنفيذ مقدمات الوعود تضاف إلى الفاتورة المثقلة أصلاً.
وفي مصر توالت فصول المغامرات الاقتصادية التي بدأت مع التصنيع الثقيل في عصر عبد الناصر، وعبرت محطات الانفتاح الساداتي، والمشاريع القومية مثل توشكى مع مبارك، والألف قرية الذي كان محاولة لتقديم الوريث جمال مبارك، وصولاً إلى تفريعة القناة وشبكة النقل مع السيسي.
ألقت كل مغامرة باعباء جديدة على الحكومة، لتكشف عن مشكلة النظام الرئاسي القائم في مصر، فلا حياة حزبية أو نيابية حقيقية يمكن أن تنتج حكومة تستطيع أن تحمل برنامجاً متكاملاً، وأن تبني استراتيجية لتنفيذه، فالرئيس في النظم الجمهورية العربية، هو نسخة أخرى عن شيخ القبيلة الكبيرة، الذي يحمل الرؤية، ويصبح معيار الإنجاز هو ما يتم تطبيقه من رؤى الرئيس، حتى لو كانت كما في حالة القذافي مجرد تهويمات منفصلة الصلة بالواقع، وعليه تتراكم المشاريع غير المنجزة والناقصة، وتلك التي تحولت إلى جزء من منظومة الإحباط الوطني وتستدعى من وقت لآخر للسخرية والتندر والفكاهة.
تصور السيسي أن تأسيس بيئة حاضنة للاستثمار في مصر يعتبر الخطوة الأساسية التي يتوجب اتخاذها لتدخل مصر على خريطة هجرة رؤوس الأموال العالمية، متناسياً أن هذه البيئة يجب أن تتكامل مع المزايا النسبية التي تمتلكها مصر، ووجدت مصر نفسها أمام تحضير متطلبات كبيرة لقدوم رؤوس الأموال، التي تبين أن توجهاتها ستؤدي إلى تفريغ مصر من الأموال، من خلال التركيز على المشاريع العقارية التي تمول من خلال البنوك المصرية، ويتم تحويل عوائد بيعها إلى الخارج، بعد أن يقوم المصريون بتحويل ديون الشركات إلى ذممهم الفردية، لتمويل شراء العقارات، وبذلك فإن الساقية تبقى تدور وتدور، حيث لا ماء تنقله من مكان إلى آخر.
قضت مرحلة مبارك على القطاع العام الذي لم ينشأ ذاتياً في مصر، ولكنه أتى كعملية إعادة إنتاج للقطاع الخاص في العصر الملكي، من خلال التأميم، ليعاد توزيعه في إقطاعيات تخص الضباط الأحرار من الصفوف الأولى والثانية من قيادات الجيش، وقبل خصخصته كان القطاع العام هو الركن الأساسي في تشغيل الثروات المصرية الكبيرة، وبدلاً من الخوض في إصلاحه أتت عملية البيع غير المنهجية التي جعلت مصر لا تمتلك أدواتها الإنتاجية، وهذه النقطة أنهت طموح مصر في الإدارة القائمة على خطط طويلة المدى، إلى العيش والإقامة الطويلة في منطقة تسيير الأعمال، وألاعيب الحواة لتسديد حالة مقيمة من العجز المالي.
تفهم الحكومة المصرية منذ مرحلة مبكرة في عهد مبارك دورها من خلال المحافظة على كينونتها وقدرتها على أداء دورها، وتقيس نجاحها بالمؤشرات التقليدية التي يمكن أن تناسب كثيراً جزيرة في الكاريبي، أو دولة صغيرة تعيش على هامش الاتحاد السوفييتي القديم، وهذه العقلية لا تتناسب مطلقاً مع مصر، وعبئها السكاني المتصاعد، والمخاطر الجيوسياسية التي تحيطها من جميع الاتجاهات، سواء على حدودها أو بعيداً عنها، كما يحدث عند منابع النيل، وربما كان تصميم النظام الرئاسي في مصر بكل ما للرئيس من صلاحيات يعود إلى تطويع البلاد، من أجل مواجهة هذه النوعية من التحديات، بحيث تصبح للقيادة قيمة كبيرة على حساب الوظيفة، وهذه التركيبة لم يخترعها عبد الناصر بالمناسبة، ولكنها أتت متوازية مع مشروع محمد علي باشا قبل ثورة يوليو/تموز بقرن ونصف القرن، ويوفر النظام الرئاسي في مصر مرونة كبيرة للرئيس من أجل القيادة والتوجيه وتجاهل البيروقراطية المتجذرة في بنية الدولة المصرية عند الضرورة، ولكنه يعتمد على انتظار شخصية رئاسية تستطيع أن تقوم بهذه الأدوار من حيث المبدأ.
يتحول الاتحاد الاشتراكي إلى حزب وطني بالوجوه نفسها تقريباً، ويبدل السياسيون جلدهم حسب ميول الرئيس، فهم اشتراكيون مع عبد الناصر، وليبراليون مع السادات، ومحافظون مع مبارك، ورهن خلاصة تفكير السيسي عند الاستقرار على توجه معين، ولذلك يشيع مصطلح السيساويون في مصر، وهم قابلون بمرونة عالية للتأقلم حسب ميول الرئيس وتوجهاته، إلا أن هذا الفريق الذي وضع نفسه في علاقة تفويض مفتوحة مع الرئيس السيسي، يصطدم مؤخراً بأن الأمور لا تسير بالطريقة التي يتوقعونها، وأن المنجزات التي تحققت على مستوى انتشال مصر من الأزمة المالية المحدقة تحولت إلى اختلالات اقتصادية جوهرية، فالمشاريع لا تتكامل ولا تبدو متسقة في إطار معين أو محدد، فالعاصمة الجديدة مثلاً بدأت تأخذ مسار الاندماج العضوي مع القاهرة، كما حدث مع مشروع مدينة السادس من أكتوبر، وستستوعب العاصمة الجديدة التي بقيت إلى اليوم بدون تسمية محددة، كما يليق بالمدن التي تقوم بالوظيفة نفسها، مثل اسلام أباد، جموعاً جديدة من الطبقات التي استطاعت أن تستفيد من بوصلة السيسي الاقتصادية، التي وقعت تحت تأثير مغناطيسي يفقدها توازنها، ويحمل عناوين كثيرة تترامى من واشنطن إلى أديس أبابا، بينما يغرق عشرات الملايين من المصريين في ظروف صعبة وتزداد صعوبة مع الارتفاع الكبير في تكلفة المعيشة.
مراجعة النظام الرئاسي تجاه تجاوب أوسع مع مختلف القوى السياسية، والخروج من إطار حكومات (تمام يا افندم) ضرورة مصرية، فمصر لا يمكن أن تتحول إلى طرف بينما كانت إرادة الأدوات الإلهية من تاريخ وجغرافيا أن تكون المركز في هذه المنطقة، ولا يمكن لمصر أن تنتقل من السيرة الملحمية إلى مراثي الخراب.
كاتب أردني

مصر على الحافة بين السيرة الملحمية ومراثي الخراب

سامح المحاريق

- -

1 COMMENT

  1. مقال بليغ
    و للاسف فان مصر اليوم و منذ 40 عاما على الاقل (كامب ديفيد) و هي في انحدار مستمر الى مراثي الخراب و تجر معها العالم العربي كله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left