الديمقراطية العربية على طريقة ‘داحس والغبراء’!

أظهرت المرحلة الانتقالية التي تلت الثورات في بعض البلدان العربية، وخاصة في مصر وتونس وليبيا، أن تطبيق الديمقراطية في العالم العربي ليس بالسهولة التي كان يتصورها البعض قبل الثورات، فالكثير من مثقفينا وسياسيينا وإعلاميينا وكتابنا كانوا يعتقدون أن الديمقراطية يمكن أن تبدأ أوتوماتيكياً في بلادنا بمجرد سقوط الديكتاتوريات وإجراء انتخابات حرة وحقيقية، لكن الأوضاع التي تشهدها بلدان الربيع العربي، بما فيها سورية، أظهرت أن الديمقراطية ما زالت سرابا في هذا الجزء من العالم لأسباب تتعلق بتركيبة المجتمعات العربية ذاتها من الناحية السياسية والعقائدية.
فنحن حتى الآن ما زلنا مجتمعات قبلية وعشائرية وطائفية ومذهبية و’ميتافيزيقية’، وهو ما يتعارض تماماً مع جوهر الديمقراطية بشكلها الغربي المتعارف عليه، فقد أظهرت معظم الانتخابات التي جرت قبل الثورات العربية وبعدها أن الشعوب ما زالت تصوّت في الانتخابات على أسس طائفية وعشائرية وقبلية وجهوية ومناطقية، لا على أسس وطنية.
بعبارة أخرى، فما زال الكثير من مجتمعاتنا عبارة عن تجمعات متنافرة من القبليين والطائفيين والعشائريين والمذهبيين. وإذا ذهب أحد للتصويت في أي انتخابات، حتى لو كانت بلدية، فهو يصوت لابن القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب، لا على أساس الكفاءة والوطنية.
ولا شك أن الأنظمة الساقطة والمتساقطة لعبت دوراً كبيراً في صنع هذا التشرذم وترسيخه بدل صناعة المواطنة التي هي اساس الاستقرار وجوهر الديمقراطية، لأن ذلك يناسبها ولا يناسب الاوطان وتداول السلطة، ولا ننسى أن معظم أنظمتنا الحاكمة تحكم منذ عقود على الطريقة الاستعمارية الشهيرة ‘فرق تسد’، فكما أن الاستعمار كان يعزز التناقضات العرقية والطائفية والقبلية بين سكان البلدان التي كان يستعمرها كي يبقي أهلها منشغلين بخلافاتهم وصراعاتهم ليسهل التحكم بهم وضربهم ببعضهم البعض، كلما اقتضت الحاجة في ما لو فكروا بالثورة عليه، فإن الأنظمة التي تزعم أنها وطنية حكمت بعد خروج الاستعمار من بلادنا بالطريقة الاستعمارية نفسها وابشع منها، فالكثير من تلك الأنظمة جاءت إلى السلطة وفي ذهنها ليس بناء أوطان جديدة بعد جلاء الاستعمار، بل كوكيلة مدفوعة الثمن للمستعمر لا أكثر ولا أقل، لهذا ظلت كل الأمراض التي زرعها الاستعمار في بلادنا على حالها بعد خروجه، لا بل إن بعضها تفاقم واشتد واستعصى بوجود الأنظمة الوطنية المزعومة، ببساطة لأنها زايدت على الاستعمار في دق الأسافين بين أبناء الوطن الواحد كي تضرب المكونات الاجتماعية ببعضها البعض من أجل أن تعيش على تناقضاتها وصراعاتها، وكي تبقى تلك المكونات منشغلة ببعضها البعض بدل التفكير بالثورة على رأس الفساد والإفساد في تلك المجتمعات، هذه الأنظمة التي تتشدق بالوطنية، والوطنية منها براء.
لكن بالرغم من الاستراتيجية الاستعمارية التي زرعها الطواغيت العرب الساقطون والمتساقطون في مجتمعاتنا العربية، إلا أن الجماهير في أكثر من مكان تغلبت على بعض أمراضها وثارت في وجوههم، فأسقطت بعضهم، وما زالت تناضل من أجل إسقاط البقية.
لكن، هيهات أن تكون تلك الجماهير قادرة على التخلص مما يمكن أن نسميه بالإرث الاستعماري ‘الوطني’ الذي زرعه الطغاة داخل تلك المجتمعات، فقد لاحظنا كيف أن الطوائف والقبائل في بعض بلدان الربيع العربي راحت تصارع بعضها البعض أثناء الثورات وبعدها بدل الوقوف صفاً واحداً في وجه الطغاة.
ولو نظرنا الآن إلى بعض البلدان الثائرة لوجدنا كيف أن بعض الطوائف تقف مع الطغاة بدل الوقوف مع بقية الجماهير التي ثارت عليهم. لماذا؟ لأن الطواغيت زرعوا ونموا في أذهان وعقول المكونات الاجتماعية بذور الخوف والفرقة والتناحر المذهبي والقبلي والطائفي والشعائري، وربطوا مصير بعض الطوائف والأقليات بمصير الطغاة أنفسهم. وعندما وجدت بعض الطوائف أن بعض الطواغيت في خطر، راحت تقاتل أولئك الذين ثاروا في وجه الطواغيت ظناً منها أن نفوق الطواغيت قد يجعلها عرضة للانتقام أو التصفية من الجماعات والطوائف والقبائل الأخرى. وبإمكاننا أن نرى هذه المصيبة في بلدان مثل اليمن وسورية وليبيا.
لكن غياب الصراعات الطائفية والمذهبية في بلدان مثل تونس ومصر لا يعني أبداً أن تحقيق الديمقراطية يمكن أن يكون أسهل بكثير من البلدان الأخرى. لا أبداً، فقد أظهرت الثورتان المصرية والتونسية أن الصراع السياسي القائم على الأحقاد الدينية والعلمانية لا يقل خطورة في إعاقة مسيرة بناء الديمقراطية في بلادنا.
فبينما أن الصراع السياسي في البلدان الديمقراطية يكون عادة على مشاريع سياسية غير مقدسة، فإن الصراع في بعض بلداننا ما زال يتخذ صيغة الصراعات المقدسة، فلا الإسلاميون مستعدون حتى الآن لقبول نظرائهم غير الإسلاميين، كي لا نقول العلمانيين، ولا غير الإسلاميين مستعدون لقبول الإسلاميين، بحيث تحول الصراع السياسي في مصر وتونس مثلاً إلى ما يشبه حرب ‘داحس والغبراء’ التاريخية أكثر من صراع سياسي حضاري.
وقد رأينا كيف انتهى الوضع في مصر إلى انقلاب من قبل غير الإسلاميين على الإسلاميين، بالرغم من أنهم فازوا في صناديق الاقتراع. والأمر نفسه يتفاعل في تونس، ولا ندري إذا كان سيصل إلى ما وصل إليه في مصر.
وكما أن الإسلاميين يتهمون منافسيهم ‘العلمانجيين’ بأنهم انقلابيون وغير ديمقراطيين، فإن ‘العلمانجيين’ يتهمون الإسلاميين بأنهم إقصائيون مهما تظاهروا بالديمقراطية، وأن مشروعهم يهدف إلى بناء دولة ‘إسلامية’ إقصائية لا تقبل بالآخر.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن خصوم الإسلاميين لا يقلون تعصباً وإقصاء وحتى تكفيراً، فلدى ‘العلمانجيين’ العرب طريقتهم الخاصة في ‘التكفير’ والإقصاء لا بل الاستئصال. وقد رأينا كيف تصرف ‘العلمانجيون’ الجزائريون الإستئصاليون ذات يوم مع الإسلاميين، إلى حد أن كلمة ‘استئصالي’ صارت مرادفة لكلمة ‘علماني’ في الجزائر.
وبناء على هذا الوضع التناحري الخطير في بلدان الربيع العربي الحالية والقادمة بين المكونات المجتمعية والسياسية، فإن الديمقراطية في بلادنا ستكون شكلية وانقلابية حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فالديمقراطية في الغرب لم تستقر إلا بعد أن اختفت الصراعات الدينية والطائفية والقبلية الضيقة، وأصبحت المجتمعات علمانية حقيقية، وليست كالعلمانية العربية المزعومة التي تحولت إلى أصولية مرعبة، وبعد أن تحول الصراع داخل المجتمعات الغربية من صراع ‘مقدس’ إلى صراع سياسي غير مقدس، بينما ما زال الصراع في العديد من بلادنا بين تيارات دينية ولا دينية لا تعترف بحق بعضها البعض في الحكم والسيادة.
لهذا نرى هذا الاضطراب الخطير في بلدان الربيع العربي التي دخلت اللعبة الديمقراطية، فوجدت نفسها بين سندان من يريد أن يحكم باسم الدين والعرق والمذهب ومن يعتبر التيارات الدينية ورماً خبيثاً يجب استئصاله.
وبناء على هذا الوضع، فسيمر وقت طويل قبل ان تستقر المجتمعات المنبثقة من رحم الثورات، وتمارس الديمقراطية كما تمارسها المجتمعات المتحضرة الاخرى.

‘ اعلامي وكاتب سوري
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول مسلمة من سوريا:

    وهل الديموقراطية في بلدان الغرب حققت للغربيين العدل والمساواة والحياة الكريمة الا نرى انحلال مجتمعاتهم وانتشار الجريمة والجريمة المسلحة وعدم الامان
    الحل ليس في استيراد نمط مدجن والباسه للواقع العربي
    الحل في منهج قائم على الحق راسخ المبادئ واضح التعاليم ينبع من اصل مجتمعاتنا وليس مستوردا
    واسأل تاريخنا كيف ومتى كان عزنا ستجده يادكتور في تطبيق شرعنا الاصلي على منهج النبوة

  2. يقول foufou lakhdar.algere:

    العالم العربي مازلت انظمة حكمه تعيش بعقلية القرون البدائبة.لذا يجب الاسراع بفتح حوار شامل ومعمق بين جميع الطبقات والفيئات..تتناول بالتحليل والمقارنة والاستنتاج جميع الامكانيات العربية المادية والبشرية وجميع المحطات ومقارنتها بمثيلاتها عند بقية الشعوب الاخرى قصد اخذ العبر الكفيلة بتصحيح المسار….على ان تكون مختلف وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمراية وسائل ملائمة لهذا الحوار الى جانب القاعات والساحات المختلفة.لعلنا بذلك نهتدي الى السبيل الاقوم لاصلاح حالنا…..ومهما كان او يكن تبقى الدموقراطية وسيلة ناجحة لحياة اكثر نضارة

  3. يقول ابو میساء - الاهواز:

    حلم العرب فی الدیمقراطیه مثل حلم ابلیس بل جنه
    محکوم علینا ان نکون مشتتین متصارعین متناحرین وکل هذه ینبع من ثقافتنا القبلیه المتصلبه والخشنه التی بعیدا کل البعد عن الدین الاسلامی الحنیف
    مع الاسف لا العسکر قادر یحکمنا و لا دکتاتور قادر یحکمنا و لا رئیس منتخب من قبل الشعب و لا قادرین ناسس للدیمقراطیه .نحنا العرب مصیبا لانفسنا و للعالم اجمع

  4. يقول السعيد مصر:

    ﻻزلنا نحن الشعوب العربية تحتاج الي فترة زمنية طالت كانت ام قصرت لكي نعي الديموقراطية فكرة و مضمون ﻻ مجرد كلمات نتشدق بها

  5. يقول الجزائري:

    خدعتنا

  6. يقول ابو سامي د.حايك:

    منذ نشأة الديمقراطيه عند الإغريق اختفت من المجتمعات البشريه الكبرى حتى تعود شيئا فشيئا بعد القضاء على تحالف الكنيسه مع الإقطاع و العائلات المالكه ببدء الثوره الصناعيه و تحول المجتمعات من الإنتماء الطائفي إلى الإنتماء للدوله الجامعه و هناك دول كبرى مثل ألمانيا لم تطبق الديمقراطيه سوى بعد الحرب العالميه الثانيه و أما الطائفيه فموجوده عند العرب على مدى تاريخهم و هي أقوى عموما عند شعوب الجنوب منها عند شعوب الشمال فالعائله و الحسب و النسب لا تزال مهمه في مجتمعات البحر المتوسط الأوروبيه و كانت نقطة التحول في التاريخ العربي على يد معاويه الذي بدّل الشوره بالوراثه مع الحفاظ على البيعه و لو شكليا و استمر ذلك حتى انتهاء الخلافه العباسيه 1258 ليعود في مكان آخر و هو الخلافه العثمانيه حتى سنة 1918 فمتى كانت هناك ديمقراطيه و كيف يمكن أن نقفز إليها من “ربيع عربي” لا يزال يحبو و يتعثر؟ علاوة على أن الديمقراطيه في الغرب أصبحت في انتقال إلى مرحلة العولمه التي لا يتحكم فيها صندوق الإقتراع بل رؤوس الأموال الهائله و التكتلات التي تبلع شركات كبرى و بنوكا بأكملها و يصبح المواطن و يرى رموزه الوطنيه في أيدي أجنبيه آو يرى دولته قد “أفلست” أو على وشك الإفلاس ! لا نستطيع نحن العرب أن نقضي على الطائفيه بعد قرون فهي تجري في عروقنا و لكن علينا أن نتعايش معها لمواجهة تحديات العصر و نروّضها على المواطنه و مسؤولية الفرد تجاه الجميع قبل أن تبتلعنا العولمه و نكون أضيع من الكرام في مأدبة اللئام

  7. يقول عبد القادر / هلسينكي:

    شكرا لك يا دكتور فيصل قاسم ،على هذا المقال الرائع ،الذي قدم مقاربة اكثر توصيفا ، منها تحليلا ، للواقع السياسي العربي ، فالتغير الاجتماعي يدرس في علم الاجتماع ، انطلاقا من فهمه على اساس دور العوامل الحضرية ، والاجتماعية ، والصناعية ، والاقتصادية ، والسياسية التي تكاد ان تكون متساندة فيما بينها ، في اطار التفاعل ، والتأثير المتبادل ، في تفعيل عمليات : النمو ، والتطور ،والتغيير الفعال ،والعكس منها ،عوامل البنيات الاجتماعية في المجتمع التقليدي ، كالقبلية ،والطائفية والاثنية ،وفائض وعيها السياسي العصبوي ، التي تعزز التخلف السياسي الذي قادته الانظمة الاستبدادية التي ورثت استراتجية التحكم والسيطرة على الحراك الاجتماعي السياسي ، ما بعد اتفاقيات السلام الزائف مع الكيان الصهيوني وتبعية اقتصاداتنا الناشئة ،،،الامر الذ ي ادى الى كوارث ، من بينها التراجع في حركة التغيير الاجتماعي في الوطن العربي التي اسست لها ثورات سياسية واجتماعية كبرى منذ خمسينيات القرن الماضي ،، لكن ما يمكن النظر اليه في تحليلكم ـ يادكتور فيصل ـ على اساس كونه تحليلا اليا ،اعتمد القياس ،على النموذج الغربي ،في اشكال الدولة القومية المعاصرة في الغرب ،التي كانت تتويجا للتحولات الاجتماعية والحضارية الكبرى ،،السؤال الموجه اليك يا / د / فيصل القاسم ،أليس من الاختزال النظر الى الديموقراطية الغربية على اساس الحرية السياسية دون ابعادها الاخرى ؟ ، وهل مطالب المواطن في الوطن العربي الملحة في العدالة الاجتماعية ،او في حرية الاعلام ،والرأي ،واستقلال السلطات الثلاث بعضها عن البعض شكليا ، دون ان يكون ذلك قائما على تغيير جذري في بنية العقل العربي وتفكير المواطن ، علما ان مظاهر الغيير الاجتماعي في اقطار الوطن العربي ، الى غاية الان ، لم تتوكأ على اليات التحديث ،والتنمية الاجتماعية القائمة على اساس ، بناء الانسان في التعليم والتكوين المهني ،والاعتماد على الزراعة ،والانتاج ،،ليأتي القطاع الخدمي ،والتجاري في اخر سلم التمنية الواعدة ،، ؟

  8. يقول رامي:

    هللا لاكتشفت ؟؟؟!!!!!!!!!
    نعيما

  9. يقول ابراهيم النصيرات:

    الغرب يصنعون.و يحرثون ويزرعون الارض والعرب يأكلون ويشربون وينامون

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية