كارول عبود: بدأت التفكير في تموضع جديد والأحداث تسبقنا كممثلين

فيلم «شهيد» وضعها في مواجهة تحديات ونجحت في تجسيد طقس الموت

زهرة مرعي

Aug 11, 2018

بيروت-«القدس العربي»: للممثلة اللبنانية كارول عبود حضور مؤثر في السينما اللبنانية المستقلة، وهي من العلامات المميزة. ممثلة ليست مرغمة على التواجد المجرد من الشغف المهني، والإندفاع الفني والقناعة، فالدور يناديها لتحد ذاتي جديد.
تبحث عن الخلق في أدوارها ولا تؤديها، فتصبح الشخصية وتنقذ المتلقي من حيثية التمثيل. منذ احترافها كانت حاضرة بقوة في السينما المستقلة، وبالتوازي ناداها المسرح بأدوار ليست سهلة، ومع مخرجين بارزين.
تؤدي كارول عبود دور الأم لشاب تخطى العشرين في فيلم «شهيد» المعروض في الصالات. أم ثُكِلت، فرثت وندبت وحفرت عميقاً في القلوب. في مقابل دور مؤثر هل بات طرح السؤال عن التموضع الجديد في حياتها كممثلة في محله؟
مع كارول عبود كان الجواب على هذا السؤال وسواه:
○ هل نبدأ من فيلم «شهيد» أم في الأفق ما هو طازج أكثر؟
• من الواجب البدء بفيلم «شهيد» كونه حالياً في الصالات. رافقت الفيلم منذ كان فكرة تستعد لدخول مباراة السيناريو في مدرسة مهرجان البندقية. رغب المخرج مازن خالد في أن أكون معه، رغم أن الدور الذي أديته يفترض عمراً أكبر للتناسب مع الإبن «حمزة». تكفل الميك آب برسم السنوات. السينما المستقلة تحتاج جهوداً جبارة لتصبح حقيقة، ودائماً تستدعيني لأكون معها. في هذا الدور أغرتني مشاهد الرقص التي صممت بكيروغرافيا متقنة من قبل الفنان علي شحرور. كذلك تمّ تسجيل الندب في استوديو الفنان زيد حمدان، وذلك بعد بحث معمق عن ندبيات الجنوب والبقاع.
○ إذاً تمّ بناء دور الأم جماعياً؟
• تضافرت جهود المنتجة ومدرب الرقص والموسيقى، حتى شاهدتم دور الأم الصغير والمحوري، والذي أثار نقاشاً حول مفهوم الشهادة. نقاش انثروبولوجي، اجتماعي، فقهي وديني معاً.
○ ما معنى أن يأتي «شهيد» في سياق الحياة في لبنان في رأيك؟
• هو الموت الذي يشكل واحداً من طقوس الحياة، وفي الوقت عينه يشكل الفن تجسيداً لتلك الطقوس. لن أدخل في مفهوم الشهادة فلست أهلاً للنقاش، إنما الغريق شهيد في الدين الإسلامي. تناول الفن الشهادة من زوايا مختلفة. بالنسبة لنا نعرف الشهادة في سبيل الأرض والكرامة الوطنية. وسّع الفيلم مفهوم الشهادة، والحزن واحد لدى الأهل على فقد فلذات الأكباد. السؤال المطروح في الفيلم إن كان للشهادة تخفيف الفقد؟
○ بقراءة أرشيفك نراه غنياً بفرص ثمينة. هل كان خياراً واعياً سعيت له بحفر الجبل بالأظافر؟
• أعلن كسلي مقابل السؤال. لم أجاهد للحصول على دور. أؤمن بأن مكان كل منا محفوظ، ولكل قدر ينتظره. إنه المكتوب. حفر الجبل بالأظافر تعبير عنفي بالنسبة لي. سعيي الأول هو التصالح مع الذات، فالحياة قصيرة وبقدر ما نتمكن من حياة سلمية مع الكون جميعه نعيش حياة أفضل لنا. لم أشن حروباً لأتواجد. رافقني الحظ كثيراً وفتحت لي أبواب أعتقد أنني كنت جديرة بها. أي فشل سيقفل الأبواب في رأيي ولن يكررها. صُدف حياتي أني منذ التخرج عملت مع كبار في المسرح منهم يعقوب الشدراوي، روجيه عساف وجواد الأسدي. وكذلك المخرج الكويتي سليمان البسّام حيث كانت لنا مسرحيات جالت العالم. وفي السينما مع ليلى عساف وغسان سلهب الذي يعتبر من أهم السينمائيين في لبنان. ومؤخراً صورت مع المخرجة البوسنية عايدة بيغيتش فيلما في تركيا. نعم كنت في بلدان ومسارح لم أتخيل يوماً أن أصلها في نيويورك وباريس. مسيرة مشجعة لا تنفي أنني كممثلة دخلت في لحظة فاصلة. العمر الذي باتت أدواره محيرة، فلست المرأة المخضرمة، ولست الصبية اليانعة. يسعدني عمري كامرأة، فهو مرحلة التفتح والعطر الفواح. لم تتراجع حظوظي فالمكتوب سيكون.
○ يترافق اسمك مع تعبير الممثلة القديرة. ماذا تقرأين فيه؟
• لست معنية بالتعريفات. الممثل خيارات، وبعضنا أضرت به خياراته، والقدير هنا ليس قديراً في مكان آخر.
○ كم تتقصدين أدوارك؟
• بالتأكيد لا أتقصدها. في التسعينيات كان استسلاما للظرف القائم مع مسلسل «العاصفة تهب مرتين» في تلفزيون لبنان. مثلت في مسلسل للكاتب شكري أنيس فاخوري وعلّمت وكنت ما أزال في الجامعة. كتب «العاصفة…» فأختارني. وامتدت العاصفة لسنوات. في البدايات يهتم الممثل بالشهرة وأن يعرفه الكتاب والمخرجون. سعيت بقدر معرفتي لنص وإخراج جيدين. أما خياراتي في المسرح فكانت أشد قساوة، وكذلك في السينما. ونجحت. أما التلفزيون فتعاملت معه من باب الانتشار والاحتراف. ابتعدت منذ سنوات عن تلك الشاشة فغبت عن الناس، وقد أعود قريباً.
○ سريعا كنت في كان سنة 2002 مع غسان سلهب في فيلم «أرض مجهولة». هل ساهمت تجاربك طلب من المخرجين لك؟
• جوابي أني محاطة بمحبين. لا أنكر فضلهم كما دارينا الجندي التي شعرت بموهبتي. قدمتني لنجدت أنزور ومعه مثلت في مسلسلين كبيرين. وقدمتني لغسان سلهب وأول فيلم معه كان سنة 1997 «أشباح بيروت». ومن ثم «أرض مجهولة». وكما وجدت من يدل الآخرين على موهبتي أعيش الطريقة نفسها مع الأجيال التالية من الممثلين، ولهذا أحرص على معرفتهم في معهد الفنون.
○ ما هي تجاربك في الإنتاج عبر شركتك؟
• هي شركة صغيرة عمرها 11 سنة، حتى اللحظة ننتج أفلاماً وثائقية. أنتجت فيلم مازن خالد الأول الطويل «حلم بورجوازي صغير». أنتجت الشركة الأفلام الأولى لشباب جدد، شاركت في مهرجانات وحققت جوائز. وأنتجت فيلم «أرق» لديالا قشمر. أفلام الشباب اللبنانيين تشكل ظاهرة لافتة في المهرجانات العالمية.
○ ما هو دورك كمنتجة مع هؤلاء الشباب؟
• يبدأ دوري من لحظة كتابة الفكرة، تمويلها، تصويرها، مونتاج، ماكساج وتوزيعها على المهرجانات. والأفلام التي أنتجها أغلبها حقق جوائز في المهرجانات منها فيلم «أرق» نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان دبي سنة 2013. «امبراطور النمسا» لسليم مراد نال في تونس جائزة لجنة التحكيم. «غرفة لرجل» لأنطوني شدياق فاز بالجائزة الكبرى لمهرجان مونتريال. وهذا مشجع.
○ متى يمكن ان يستدعي التلفزيون كارول عبود؟
• دائما أتلقى عروضاً، وأحرص على قراءة المسلسل كاملاً مهما كان عدد الحلقات. أبحث عن دور يستفزني. مع مركز بيروت للإنتاج صورت آخر مسلسلين لي عُرضا على «المنار» في رمضان سنة 2013 و2014 وهما «ملح التراب» و«قيامة البنادق». في هذين المسلسلين استفزتني الأدوار، رغم صغر الدور في مسلسل «قيامة البنادق». في المرحلة الحاضرة أرغب في العمل مع الجيل الجديد من المخرجين في التلفزيون. في التلفزيون أسأل دائماً هل ألزم هذا الدور؟ طبعاً أتمنى التواجد في النتاجات العربية الكبيرة في دور يستفز شغفي بمهنتي واحساسي.
○ ما هو تعريفك للدور الجريء؟
• تبدأ الجرأة من الرأس. أي التفكير خارج منظمومة المجتمع الضيق. وليس في قبلة على الشاشة، أو في ظهور جزء من الجسد في مشهد. إن وصفت يوماً بالجريئة، فهذا ناتج عن خيارات حياة، وهي أهم من خيارات الشاشة.
○ ماذا تقدم لك السينما المستقلة؟ وماذا تقدمين لها؟
• إنها محاولات دائمة لتقديم الجديد وغير المبتذل. وهنا يظهر الفرق بين المبتذل والجريء عبر الفكر.
○ »أربع ساعات في شاتيلا» للكاتب والروائي الفرنسي جان جنيه. المخرج ستيفان أوليفيه بيسون قرر العرض سنة 2013 في بيروت بعد باريس. كيف تمكنت من العيش وسط الموت؟
• نحن نحمل رائحة الموت، فلنجرب شمّ ذاتنا؟ اختيار المخرج لي أشعرني بالغبطة. كإنسانة وممثلة لست بعيدة عن قضايا الناس وآلامهم. حروبنا يجب أن تُحكى حتى عبر وجهات نظر مختلفة. أقرأ حالياً تاريخ العرب في الأندلس والصراعات الدامية فيما بينهم. لنفتح الأدراج المقفلة ونحكي قضايانا جميعها من جيل إلى جيل. فالمصالحات الحقيقية لن تتم سوى بالاعترافات الحقيقية. «أربع ساعات في شاتيلا» كان عرضاً قاسياً جداً بالنسبة لي. كنت وحيدة على المسرح، وسط جثث متفحمة، ودماء رُشت بالكلس، وأتكلم الفرنسية. النص في غاية الأهمية، وقد سبق ولعبت «الخادمتان» للكاتب جان جنيه مع المخرج جواد الأسدي. جان جنيه الشاهد الغربي الأول على مجزرة صبرا وشاتيلا، فقد وصل بيروت بعد ثلاثة أيام على ارتكابها. حين قدمنا العرض في فرنسا كان الوقع مذهلاً، فالغرب يشعر بمسؤوليته، دونه لما وجدت إسرائيل.
○ أكثر من مرة كنت وحيدة على المسرح. كيف لممثل جذب المتفرجين لساعة؟
• اللحظة الأصعب هي التي تسبق ولوج الخشبة وانتظار جلوس الجمهور. غالباً ما أكون وحيدة في الكواليس، أشعر بأن الموت يداهمني وأن قلبي يكاد أن يتوقف. لكن بعد ذلك يزول قسم كبير من المتاعب.
○ ما هو معيار الجودة الفنية؟
• لا تبغي الربح السريع، ولا تقدم تنازلات بهدف جذب الجمهور. لا تبيع مواقف. ولا تركب موجات.
○ كم يُعتبر الفنان العربي شاهداً على عصره؟
• الأحداث تسبقنا. حركتنا بطيئة جداً.
○ أين أنت من جدل التطبيع الفني مع الصهاينة؟
• تحت أي ذريعة كل تعامل فني، تجاري، اقتصادي أو ثقافي مع العدو خيانة وطنية عُظمى. ولا جدال مطلقاً.
○ كم أنت راضية عن ذاتك؟
• كما سبق الكلام أنا في مرحلة تموضع. لم أندم مطلقاً على أي خيار قمت به مهنياً وشخصياً. أعتبر نفسي في منتصف الحياة إن كان لي عمر آخر. أنظر إلى الخلف وأرى نفسي سعيدة، فقد عشت حياتي كما رغبتها على الصعيد الشخصي. أسأل نفسي ما العمل؟ هل أتوقف عن التمثيل لأن حجم الأدوار يتناقص؟ هل ألجأ لعمليات التجميل التي أرفضها؟ أين أنا من محيط فني كله منتفخ الوجه؟ ما العمل بخطوط الجبين التي لن تمر على الشاشة؟ لهذا أنا في مرحلة تموضع جديد.

كارول عبود: بدأت التفكير في تموضع جديد والأحداث تسبقنا كممثلين
فيلم «شهيد» وضعها في مواجهة تحديات ونجحت في تجسيد طقس الموت
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left