العراق: اتساع حملة اعتقالات الأجهزة الأمنية للمشاركين في التظاهرات والتضييق عليهم

مصطفى العبيدي

Aug 11, 2018

بغداد ـ «القدس العربي»: انتقدت تنسيقيات التظاهرات ومنظمات حقوقية معنية محلية ودولية، ممارسة العنف والاعتقالات ضد المتظاهرين المطالبين بتوفير الخدمات ومحاسبة الفاسدين في العراق، داعية إلى إطلاق سراح كافة المعتقلين خلال تلك التظاهرات ومحاسبة عناصر الأجهزة الأمنية والأحزاب الذين تسببوا في مقتل بعض المتظاهرين. وبعد أربعة أسابيع من اندلاع الاحتجاجات الغاضبة المطالبة بتوفير الخدمات الأساسية في مدن العراق، تصاعد الحراك والاحتجاجات من التظاهرات إلى الاعتصامات وإعلان الاضراب عن الطعام والتهديد بالعصيان المدني، عقب إعلان مرجعية النجف دعمها للمتظاهرين.
وجدد المتظاهرون التجمع أمام مبنى محافظة البصرة مطالبين بالاستجابة لمطالبهم، فيما أعلن آخرون بدء الاعتصام وقاموا بنصب مئات الخيام عند حقل نفط رئيسي في غرب (القرنة 1) الواقع شمال مدينة البصرة، بالتزامن مع قيام متظاهرين آخرين، بخطوة مماثلة بنصب خيام أمام موقع البرجسية النفطي في قضاء الزبير، الذي يضم مقرات شركات النفط التي تتولى إدارة حقل الزبير ومنشآت أخرى، فيما أعلن متظاهرون في المحافظات الأخرى، المزيد من التظاهرات والاعتصامات والخطوات الجديدة مثل البدء بالإضراب عن الطعام حتى الاستجابة لمطالبهم.

ضحايا الاحتجاجات

ورغم انتهاء المهلة التي أعطتها العشائر وتنسيقيات التظاهرات، للحكومة لتنفيذ مطالب المتظاهرين، ورغم تأكيد حكومة حيدر العبادي عن سعيها لتلبية المطالب المشروعة، فان اللافت حاليا هو اتساع حملة اعتقالات الأجهزة الأمنية للمشاركين في التظاهرات والتضييق عليهم، إضافة إلى وقوع اعتداءات على بعضهم، وسط خشية من ان يؤدي ذلك إلى تصاعد الاحتجاجات وإضعاف الثقة بالإجراءات الحكومية.
ففي كلمة لرئيس الحكومة حيدر العبادي، أكد انه وجه الأجهزة الأمنية بعدم إطلاق النار على المتظاهرين السلميين المطالبين بالخدمات، إلا ان سقوط الضحايا استمر مع ذلك، حيث ارتفع عدد ضحايا الاحتجاجات، التي انطلقت في الثامن من تموز/يوليو الماضي في البصرة وعدد من مدن العراق، إلى 15 قتيلاً، ومئات الجرحى إضافة إلى اعتقال مئات آخرين.
وأعلن عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية، فاضل الغراوي، ان قتلى التظاهرات بلغ 15 ومعظمهم من محافظات البصرة والمثنى والديوانية وكربلاء والنجف وبابل، وان عدد الجرحى بلغ 729 من القوات الأمنية والمتظاهرين، إضافة إلى اعتقال القوات الأمنية 757 متظاهراً، أطلق سراح أغلبهم لاحقا.
وأشار الغراوي إلى أن المفوضية طالبت رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بـ«الابتعاد عن العنف والاعتقالات العشوائية، والاستجابة للمطالب المشروعة للمتظاهرين الذين نطالبهم أيضا بالتصرف بشكل سلمي».
وأكد العديد من الناشطين ان أغلب قتلى التظاهرات سقطوا جراء إطلاق النار عليهم من حراس مقرات الأحزاب الشيعية المنتشرة في جنوب العراق، التي حاصرها المتظاهرون محملين قادتها مسؤولية تدهور الأوضاع في البلاد منذ 2003.
وقالت عضو مفوضية حقوق الإنسان، فاتن الحلفي، في بيان، انه «بعد زيارتنا إلى محافظة البصرة لغرض متابعة أحوال المتظاهرين في مواقف الاحتجاز، تبين ان عدد الموقوفين بلغ 96 متظاهرا منذ بداية المظاهرات وحتى الآن». وأشارت إلى ان «المفرج عنهم لعدم كفاية الأدلة بلغ عددهم 57 متظاهرا في حين ان عدد المحالين لشرطة الأحداث بلغ 11 شخصا». مبينة ان «المتبقي في المواقف هم 28 موقوفا وذلك بانتظار اكمال إجراءاتهم».
وفي بيان لاحق أعلنت مفوضية حقوق الإنسان، الإفراج عن 336 معتقلاً على خلفية التظاهرات في محافظات العراق، مع استمرار احتجاز بعض المشاركين فيها.
وكشف العديد من الناشطين ان الإفراج عن المعتقلين المشاركين في التظاهرات الموجودين لدى الأجهزة الأمنية، تم بعد توقيعهم على تعهد بعدم العودة إلى التظاهر، وان العشرات من المعتقلين رفضوا القبول بهذا الشرط وفضلوا البقاء في المعتقل، لأنهم يعتبرون مطالبهم مشروعة وليس فيها مخالفة قانونية.
وفي شكل آخر لملاحقات المتظاهرين، أقدمت جماعة مسلحة على اغتيال المحامي الذي تكفل بالدفاع عن المعتقلين في تظاهرات محافظة البصرة.
وقام مسلحون مجهولون يقودون سيارة بفتح نيران أسلحتهم على المحامي جبار محمد، في منطقة الخمسة ميل وسط المحافظة، ما أسفر عن مقتله على الفور، ولاذ المسلحون بالفرار إلى جهة مجهولة.
وضمن السياق طالب تحالف المادة 38 الدستورية، وهو تجمع يضم إعلاميين وناشطين ومنظمات مجتمع مدني، وأكثر من 55 منظمة غير حكومية، رئيس الوزراء حدر العبادي، بالتحقيق في مقتل 15 متظاهرا وإلغاء أوامر اعتقال المتظاهرين، داعيا إلى تقديم الفاسدين الكبار للقضاء لمحاسبتهم واسترجاع الأموال المنهوبة من قبلهم إلى خزينة الدولة.
وذكر بيان للتحالف، ان «الأمر الذي أفقد ثقة المواطنين بالدولة وكافة وعود المسؤولين، انها جوبهت بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والعصي الكهربائية والتعذيب، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 15 متظاهرا في مختلف المدن، وإصابة العشرات منهم فضلا عن اعتقالات تعسفية واسعة شملت المئات من المتظاهرين والناشطين على وجه الخصوص، علما ان هذه الأفعال الوحشية مخالفة للدستور والقانون حيث تم إلقاء القبض دون أوامر قضائية».
وطالب التحالف بحسب البيان رئيس الوزراء «بالتحقيق في مقتل 15 متظاهرا ومساءلة المتسببين في ذلك قضائيا مع تعويض عوائل الشهداء، إلغاء أوامر الاعتقالات الكيفية ضد المتظاهرين والناشطين، وإدانة الجماعات المسلحة باستخدامها العنف المنفلت ضد المتظاهرين.

قلق دولي

ولم تقتصر تداعيات التظاهرات عراقيا فحسب بل تعدتها إلى المجتمع الدولي الذي يتابع ذلك الحدث بقلق واهتمام.
وقد دخلت بعثة الأمم المتحدة على خط الأزمة بقوة من خلال زيارات قام بها ممثلها في العراق يان كوفيتش، إلى رئيس الحكومة حيدر العبادي والمرجع الديني مقتدى الصدر، في محاولة لإيجاد حلول عملية لتلبية مطالب المتظاهرين المحتجين على تردي الخدمات وتفشي الفساد وانعدام تجهيزات الكهرباء والماء، في تظاهرات سقط فيها قتلى وجرحى من المتظاهرين ورجال الأمن.
وأكدت السفارة الأمريكية في العراق، عن «دعمها حق الشعب العراقي في التجمع السلمي والتعبير عن آرائه» معربة عن «أسفها على الأرواح التي أزهقت بين المتظاهرين وقوات الأمن». ورحبت السفارة في الوقت نفسه بتصريح الحكومة العراقية، بأنها تحمي حق مواطنيها في التظاهر بطريقة سلمية.
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان، أعلنت إن قوات الأمن العراقية أطلقت النار على متظاهرين في محافظة البصرة وضربتهم خلال سلسلة من الاحتجاجات من 8 إلى 17 تموز/يوليو الماضي. وأشار تقرير المنظمة إلى ان «قوات وزارة الداخلية، استخدمت القوة القاتلة والمفرطة إلى حد كبير وغير ضروري ضد الاحتجاجات على نقص المياه والوظائف والكهرباء التي أصبحت عنيفة في بعض الأحيان» مشيرة إلى وقوع قتلى وجرحى من المتظاهرين على يد الأجهزة الأمنية.
ويتفق المراقبون للحراك الحالي من التظاهرات والاحتجاجات الغاضبة على ان جهود الحكومة العراقية للاستجابة لبعض مطالب التظاهرات المشروعة قد تضيع في ظل تجاوزات تقوم بها عناصر في الأجهزة الأمنية وبعض الأحزاب والميليشيات، تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا وتعمق معاناتهم، مما يعقد الأزمة ويعمق فقدان الثقة بين الشعب والحكومة.

11HOR

العراق: اتساع حملة اعتقالات الأجهزة الأمنية للمشاركين في التظاهرات والتضييق عليهم

مصطفى العبيدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left