القانون الإسرائيلي للقومية فصل خطر

حسن أوريد

Aug 15, 2018

بعد قرار تحويل السفارة الأمريكية إلى القدس، تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورا دراماتيكيا، لِما عُرف بقانون القومية، الذي تم تبنيه من قِبل الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 18 يوليو/تموز 2018. يجهز القرار الأول على دور الولايات المتحدة كوسيط نزيه، وينهي القانون عمليا حل الدولتين.
ظاهريا يسعى القانون لأن يطابق منظومة الدولة الأمة، كما برزت في أوروبا في القرن التاسع عشر، التي أصبحت متجاوزة عمليا. ويطابق القانون بين الدولة الإسرائيلية والشعب اليهودي ولسان موحد، يتبني لغة وحيدة لشعب وحيد في دولة أحادية، كما في الإطار الكلاسيكي للقوميات في القرن التاسع عشر، إذ تصبح اللغة العبرية، بمقتضى هذا القانون، اللغة الوحيدة المعتمدة في إسرائيل، ويتم نزع مقتضى لغة رسمية، أو ثانية عن اللغة العربية. يروم هذا القانون بالنسبة لواضعيه الربط مع فلسفة الصهيونية.
هكذا إذن يتم الإجهاز على حل الدولتين بضم الضفة الغربية عمليا، حيث تُقدّم تظلمات الفلسطينيين إلى المحاكم العادية، أي يُسوّى بينهم وبين الإسرائيليين ظاهريا، لكن الحقيقة شيء آخر، ذلك أن الضفة تكفّ عن أن تخضع لقوانين الاحتلال لتخضع لقوانين إسرائيل. من جانب آخر، لا يتحدث القانون عن دولة إسرائيل، وإنما أرض إسرائيل (إرز إسرائيل بالعبرية) بما يحيل إلى ما تسميه الأدبيات الإسرائيلية بيهودا والسامرة. ليس هناك جديد في ما يخص الممارسة، سوى إضفاء طابع قانوني على واقع فعلي. لكن كيف يمكن التوفيق بين مقتضى الديمقراطية، التي تجعلها إسرائيل مكونا لهويتها السياسية، وقانون القومية الذي يقيم مواطنة اختزالية أو بالتقسيط. حتما تستطيع إسرائيل أن تعيش وفق ما يسميه عزمي بشارة، في كتاب له عن يهودية دولة إسرائيل، بالتناقض المستمر؟
ما تدفع به إسرائيل، وما دفع به ترامب حين اتخاذه لقرار تحويل السفارة إلى القدس، هو أن إسرائيل الدولة الديمقراطية في المنطقة. هل بعد قانون القومية يمكن الدفع بهذا المقتضى؟ كيف يمكن الزعم بالديمقراطية وتبني مفهوم مثلوم للمواطنة، يقصي شرائح مهمة من المواطنين، لها تجذر تاريخي وعلاقة وجدانية بل وجودية بالأرض ذاتها؟ تقوم هوية الدولة الإسرائيلية على تلازم قيام الدولة والشعب اليهودي، ومن جهة أخرى على تلازم الهوية اليهودية والديمقراطية، وهو الأمر الذي يطرح جملة من الأسئلة. هل الشعب مفهوم ديني؟ وإذا كان كذلك، أليس ذلك منافيا للمقتضى الحديث للمواطنة، الذي يقوم على الأرض؟ ما القاسم المشترك بين يهودي علماني أشكنازي، وآخر متدين سيفراديم؟ ما الحال لمن ليس المعتقد محددا لهويته؟ ما الشأن لمن أراد أن يعتنق دينا آخر من يهوديي إسرائيل، أو أن يصبح غنوصيا؟ كيف تقام الدنيا وتقعد من أجل حرية المعتقد، في العالم الإسلامي، ويُسكت عن مقتضى يشرعن للمواطنة على قاعدة ثيولوجية أسطورية؟ ألسنا هنا أمام ما يسميه المؤرخ الإسرائيلي شلومو صاند، أسطورة الشعب الإسرائيلي، عوض حقائق موضوعية دامغة؟
الخطورة ليست فقط تجريد عرب إسرائيل، وتحديدا الدروز، من المواطنة ليتدحرجوا من وضع المواطنين من درجة ثانية، قد يكون الأمر خطوة قبل دفع العرب الحاملين للجنسية الإسرائيلية للرحيل أو الترحيل، وهو ما أوحى به النائب آفيديشتر، عن الليكود، صاحب مشروع القانون، في تصريح له مُوجها كلامه للنواب العرب في الكنيست «لم تكونوا هنا قبلنا، ولن تكونوا هنا بعدنا». هناك تعبير واحد حينما لا تشمل ذات القوانين جميع الشرائح في كيان ما «أبارتايد»، قد تكون الكلمة مؤلمة، ولكن الواقع الذي تحيل له أكثر إيلاما. ليست المواطنة مساواة في الحقوق ذاتها والواجبات ذاتها فقط، لكافة الشرائح، بل تقتضي ما يسميه الفيلسوف الإسرائيلي المدافع عن حقوق الفلسطينيين ماركليت أفيشاي، بالتوزيع العادل للرموز، الشرط الأساسي لما يسميه بالمجتمع اللائق. قانون الهوية يجهز على المجتمع اللائق حينما يرفع من رموز شريحة، ويزري بأخرى، ومنها اللغة.
يُذكّر قانون القومية الاسرائيلي بسابقة مذمومة ما تزال تلقي ظلالها، ونعرف معرفة وثيقة بعض فصولها المؤلمة في البلدان المغاربية، حينما أقدمت الكنيسة في إسبانيا على طرد المسلمين واليهود على السواء، بناء على نظرية صفاء العقيدة والدم، وتنصلت من الاتفاقات التي أبرمتها مع الملك أبي عبد الله قبيل تسليمه مفاتيح مدينة غرناطة، من أجل احترام حرية المعتقد، وفرضت التنصير على المسلمين ودفعتهم للرحيل (الترانسفير) وأقدمت على استصدار قانون سنة 1567 (قانون الهوية، أو القومية) بمقتضاه يتحول المسيحيون الجدد، مَن نُصِّروا قسرا، من أسمائهم القديمة، ولغتهم ولباسهم، لينتهي الأمر إلى قرار الطرد سنة 1609، مما اعتبره بعض القساوسة بالهولوكوست اللذيذ.
ألا يكون قانون الهوية أو القومية خطوة قبل الطرد النهائي، أسوة لما وقع لليهود والمسلمين في الأندلس؟ هل يستفيق المنتظم الدولي لعملية «التطهير العرقي» للعرب الإسرائيليين، أو للفلسطينيين في الضفة، مع استمرار وضع البونتوستات في غزة؟ خطورة القانون، أنه يمنح كذبة الصهيونية «شعب من دون أرض، من أجل أرض بلا شعب» سلاح القانون بعد الأيديولوجيا والقوة، ويشرعن عمليا لرفض الآخر في الوجود. هل بعد هذا يسوغ التطبيع؟ كان مما كتبه صحافي مغربي السيد ميمون أم العيد، في زيارة له لإسرائيل قبيل تبني قانون القومية، أن مساعي التطبيع مع المغاربة وسيلة من أجل تطبيع إسرائيل مع المحيط المباشر لها من أردنيين ولبنانيين وسوريين ومصريين، أي أن المغاربة ـ بتعبيره- يُستعملون كحطب. والمسألة الثانية ما قاله عضو من الكنيست من أصول مغربية وأورده الصحافي، إن الذي يهم الإسرائيليين من كل المشارب، هو هوية إسرائيل وليست هوية المغرب في داخل إسرائيل. وهو تصريح له ميزة الوضوح، ولا يلام شخص أو مسؤول يدافع عن مصالح بلاده، لكن ما الشأن لمن يُوظّف لذلك، من خارج إسرائيل، عن وعي أو غير وعي؟
كل تجاوز يمَس حقوق الإنسان إن لم يصادف التنديد اللازم والمقاومة الذكية بالأساليب الحضارية، من شأنه تكريس الأمر الواقع. لا يجوز الصمت، في تحول خطير، لا يقل خطورة عن إعلان بلفور، الذي نفى جملة وتفصيلا حقوق الشعب الفلسطيني. نحن أمام فصل جديد من «التطهير العرقي»، وينبغي عدم الصمت.
كاتب مغربي

القانون الإسرائيلي للقومية فصل خطر

حسن أوريد

- -

1 COMMENT

  1. مقال ممتاز، الكاتب مشكور حقا على ما أفادنا به من معلومات قيمة، ورؤية تحليلية رصينة….

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left