تماسيح السياسة في الجزائر والبلاتوهات المفخّخة: «عمّر رَاسَك» وحذاري الانفجار!

مريم بوزيد سبايو

Aug 15, 2018

بماذا يمكن للمشاهد في كوكب المريخ أن يملأ رأسه، من بؤس وشقاء كوكب الأرض اللذين وإن حدث وتشابها بكائنات المريخ فهذا راجع لخلل تقني… بهكذا عبارات وأكثر يبدأ جنيريك برنامج «عمّر راسك» أقواسه وخطه الافتتاحي!
ثم يفتح على استديو من خلفيّة الزّمن الجميل السياسي، صور الراحل هواري بومدين وعظماء تلك الفترة، التي كانت فواصل في تاريخ الأمّة العربيّة قبل الشّرخ، والفتح المبين، جمال عبد الناصر، صدام حسين والملك فيصل… يحقّ لنا أن نترحم عليهم خارج وسوسة أيّ معارضة أو فهم أو مزايدات… «الموستاش» بصورة كبيرة على يسار المقدّم للبرنامج ومعدّه… يبدو المسار واضحا، لا يمكن أن يتحقّق العجب في زمن الانبطاح الممنهج والتّسطيح السّياسي وتدجين الشّعوب المستهلكة وفقط لكل الوصفات والخلطات السحرية والسرية والعلنيّة… لذلك لا يمكن أن نشبه كائنات المريخ، إلا في صورهم المريعة، التي يتخيلها الخيال العلمي، والهلوسات اليوتوبيّة.
بلكنة جلفاويّة، من مدينة الجلفة السهبيّة، يطلّ وحيد أسامة ببرنامجه «عمّر راسك»، على قناة «بور تي في». برنامج يسمع فيه المواطن احكيلي حكايتك للموعظة وللتربية، ويقف لوصلة قالوا وقلنا، أو أكتب لنا لنراك… يجمع من خلالها حكايات تشبه الخيال من تناقضاتها وتمزيقها للواقع والنّكاية بحياة المواطن، تهدّم بيوت بجرافات في منظر ألفه المشاهد الجزائري في فلسطين الجريحة، وتعلّى قصور كانت مرتعا للجنّ يخيفون بها سكانا دون مأوى… يصرخ الكبار، كما الصغار وعلى قدر الأعمار تعلو الصرخات والتنهّدات، كما هي أحلام الصغار في مدارسنا اليوم، قد يحلم أحدهم بأن يصبح شجرة… الحلم هو الحقيقة العارية، التي تفلت وترتدي برقع الأحلام وإن كانت مخيفة. يفضّل طفل المنظومة التربوية اليوم أن يبقى ثابتا لا تقتلعه رياح الحرفة والحرقة… هكذا يجمع البرنامج حيرة وانشغالات المواطن المختلفة من اقتصاد وتربية وثقافة وتعامل مع الادارات ومع ذوي الياقات البيضاء.
كما ينجرّ المشاهد للتّعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، كأنه يجمع زفرات المواطنين، انشغالاتهم الاقتصادية والساسية والفنية…الخ
«عمّر راسك» بفهم ما يجري من تناقضات أقوال الساسة وتحولهم، من أدم البشر إلى جلود التماسيح، هو التمساح يختزل المشهد السياسي، دموع التماسيح على من يموتون بالجملة، وجلود لا تحس أي ألم، وإن تظاهرت بذلك… ربما هكذا هي السياسة، تتلون كالحرباء بألف لسان ترسله كطعم يسيل شهوة ويبتلع أي شيء يقع عليه وبطريقه.
«عمر راسك»، تحتاج الرؤوس للفورماتاج، لاعادة تهيئة وتهوية، أن تتزعزع القناعات والتراكمات المقزمة للشخص، بل للمواطن الجزائري في الجزائر العميقة بتربتها السوداء ورمالها العقربية اللون… المواطن الذي يحمل قيما وسورا وتقاليد، بدل مواطن ممسوح الهوية، بدون أبعاد لا سورة «الفيل» تهديه ولا «الكوثر» تسديه جميلا للتذكر… مواطن يهمه فقط الدينار، وإن تعامل مع الحيوانات… «عمر راسك» ترفض هذه الصرعة، التي ينقلها الاعلام على المواطن الجزائري بأنه في لا وعي ثقافي وقيمي، غارق في الانتحار بالقوارب… والسبب سياسيون يتنفسون الكذب والتعامل مع المواطن الفاقد لبوصلة تهديه لشاطئ الأمان… صرخة مواطن الأرض لمواطن المريخ، كيف يمكن أن ننزعج من فرد لم يروع أحدا ولم يهدد وطنا ونندّد بهم، بينما نصت على من يزعزع أمن الوطن ويمزقه داخليا ويعبث براياته وقيمه… عمّر راسك يا السيد.
برنامج فيه هزل ثقيل بنبرة حزن وثورة واضحة للعيان، زمن الرقص في كل المنابر، حيث فقد الرقص قيمته الاجتماعية وأصبح ملازما للامعنى، زمن «كيكي» ركيك الهز والايقاع، هل يحتاج الرقص لأن يتميّع كما تميّعت الأمور الحياتية الأخرى.

فتاوى جزائرية شعبيّة والدّعوة على الصّولفاج

برامج «النّهار» و«الشّروق» دائمة الاستنجاد بالشيخ، للفتاوى أولا، فتاوى من نوع خاص تدخل المشاهد في نوبات ضحك وفكاهة لا تنتهي، ليس من باب التندّر بالمفتي، لكن لطبيعة الأسئلة الهوائيّة، الخبط عشوائيّة، التي تجعل المفتي يخرج عن طوره بكل ما في الثقافة الشعبية الجزائرية من شحنات… فأحيانا تجعله الفتاوى مناصرا للمرأة من قهر السّلطة الأبوية وسلطة المجتمع وعائلة الزوج، ويبرز إسلاما متفتحا إلى أقصى حدّ، وأحيانا ينهال الشيخ بكل ما أوتي من بلاغة جزائرية على تلك المرأة التي قد تقع عينها على جارها، أو زميلها في العمل… ويصبح التندّر بالشبع عليها… وعلى الرجل إن وقع تحت فتوى الشيخ.
أحيانا يبرّد الشيخ القلب، يثلج الصدر أمام مجتمع يريد أي فتوى لأي شيء، يكتسح الشيخ المفتي البلاتوهات في الدقائق التسعين لـ«النهار»، بعد فتاوى الرسائل المشفرة، ليواجه لعبة الخمر بدون كحول… المخمر، المنزوع الكحول، الحلال… تغيب شمس المفتي وينتفض ضد الكل مع الكل…الشيخ البوروبي الجزائري، بجبته الأصيلة التونسية أو مغربية التطريز، يبين حبا للجيران فتراه يخرج عن نص الفتوى ليشيد بسكان مناطق المغرب الكبير… تراه متسامحا بعد أن ينكد عيشة المتسائل، ينتفض كما ينتفض الآباء على أولادهم، ويشبعونهم لوما… ثم يعود ليسأل العفو والهداية… مفتي طريف جدّا جدّا.
لكنه، ورّغم استفزاز الأسئلة، لم يدّع بعد أنّه قد ساهم في إدخال أحد الكفّار أو من ديانات أخرى للإسلام… كما قد تسارع قناتا «النّهار» و«الشّروق» لتصدمانا، هذه المرة مع داعية من نوع آخر، فنّانة تجعل إحدى «المعجبات» تدخل الإسلام… لبنانيّة مسيحيّة تتحوّل من ديانتها من رعشة صولفاج سهيلة بن لشهب… في هذا الزّمن العجيب الشّهب والشّموس تشكّل قلب الفتاوى الجزائرية بعدما خلصوا الطّلبة!

حذاري: فللجدران آذان وعيون وكاميرات

برنامج يفوق الخيال، يكسر القيم ويقصم ظهرها، فوق ما يمكن للمواطن تحمله، الجزائري الذي تشكل من أوهام ونفاقات متعددة، هاهو يحصد ما جنته براقشه… حصة وصلت لفراشه ولشرفه ولشراشف الغرفة الورديّة، غرفة النّوم المضيئة بألوان رومانسيّة تتحوّل إلى مستنقع تسكنه الدّببة والوحوش، مسافحة وخيانات بالجملة، في سوق تغوّلت فيها تكنولوجيات تستهلك كالمخدّرات.
خلف الجدران، تزداد فرقة الأخوة وصراعاتهم المقيتة، ولا يمكن لا لرجل القانون ولا للشّيخ الداّعية أن يفصل فيها أو يحلّها، سوى بعبارة اللّجوء للقضاء، أو طلب الهداية بعد تشريح فقهي كالصّراط.
يصبح الداّعية موجودا في كلّ مكان، يشرف على تكسير الجدران، وتكسير الحرمات، وماذا بعد… يلوّن الخطوط في برنامج خط أحمر… برامج تقدّمها فتيات متحجّبات والضّحايا والمغضوب عنهن معظمهنّ محجّبات، جنح متعدّدة، يفترض على المحجّبة عدم الوقوع فيها، وكأنّها حورية لا تعلوها شوائب الدّهر… هل صنع اللّباس يوما الفقيه أو القسّيس، هل ساهم في تحديد أيّ صفة بشريّة، وإن كان كذلك، ماذا يُقال فيمن يرتدي الجينز الممزّق، المتناثر اللّحمة والسّدى، مجنون… المجتمع بكل فئاته يأخذ بالمظاهر، كم تخدع المظاهر لأنها لا تصنع البشر، ولا تصنع جوّانيتهم… وما زلنا في نوستالجيا اللّباس، الذي يعبّر عن فئات اجتماعيّة ومسارات ثقافيّة ونقيم لها المآدب وحفلات إشهار.
كلها كليشيهات تضع البشر في خانات خانقة، في أكياس بلاستيكية كاتمة للأوكسيجين… ثم يضع المجتمع خطوطه الحمراء بدماء الضحايا… برامج تفتّش وتحفر في الّنوايا وفي ما تسرّه القلوب، لتفجع المشاهد وتجعله يتقيّأ مرار الحياة وتقلّباتها، وتجعله لا يحسّ بالأمان مطلقا… إنّه النّزوع نحو الإقلاق والارهاق والانتحار الذاتي.
كأنّ البلاتوهات أصبحت تعجّ بالمشاهد الماجنة لغة وصوتا وأحيانا صورا… هروب القاصرات والمتاجرة بهن، لا يحتاج إلى فقهاء فالفأس وقعت في الرّأس، مثلها مثل اختطاف الأطفال، ولا بدّ من ردع قانوني، وسيطرة حديدية للمؤسّسات القانونية، فالشّيخ والمحلّل في البلاتوهات، والمعلقون، يصبحون خضرة فوق عشاء مسموم، لا يمكنهم وقف الطّاحونة العمياء، التي تفتك بالرّضّع والقصّر ولا يفلت منها إلا طويل العمر… لم يبق في الدّنيا أمان تقرع طبول الحرب على المجتمعات وقيم الفروسيّة في زمن البضائع الفاسدة، وتصبح البرامج التي لقّبت بالهادفة نميمة إعلاميّة انتقلت من الشّرفات والفناءات إلى البلاتوهات… ونعود في نهاية المطاف نحنّ شوقا إلى زمن اليتم الاعلامي، قبل انفجار الفضائيّات.
كاتبة من الجزائر

7gaz

تماسيح السياسة في الجزائر والبلاتوهات المفخّخة: «عمّر رَاسَك» وحذاري الانفجار!

مريم بوزيد سبايو

- -

2 تعليقات

  1. أؤكد أنه في كل عائلة ، منطقة ، مدينة ، إدارة ، شاطئ ، موقف سيارات ، مدرسة ، جمعية ، ثكنة ، بنك أو حي ، فهناك تمساح واحد أو أكثر.

    شكرا لكى على مقالاتك الرائعة

    تحياتي

  2. مقال حلو وجميل ومعبر رغم صعوبة تفكيك معانيه ولكني اتبعت المثل اللذي يقول التكرار يعلم الحمار ولإعجابي بطبقة كتابة السيدة للمقال فقد مكررا قرائته حتى فهمت معانيه العميقة والمعبرة فشكراً للكاتبة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left