برهان غليون وصراع الحضارات: حرب القيم الغربية ضد بقية العالم

سعدون يخلف

Aug 16, 2018

اهتم برهان غليون الكاتب والأكاديمي السوري ، كغيره من مفكري العالم، بأطروحة صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون، لأنها أولا، جاءت في لحظة مفصلية من تاريخ العالم الحديث، لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي، وفشل أيديولوجيته، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة وحيدة في العالم. ثانياً، لأنها تؤسس لحروب حضارية في العالم، وتجعل من الإسلام الخطر الذي يهدد الغرب وحضارته، كل ذلك يجعل من الاهتمام بهذه الأطروحة مبرراً ومسوّغاً، بل ضرورة، حتى يبين، أي المفكر، للآخرين حقيقة الإسلام، ويعرفهم بحضارته، خصوصاً أن «الثقافة والهويات الثقافية، التي هي على المستوى العام، هويات حضارية» هي التي تشكل، حسب هنتنغتون، في عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة «أنماط التماسك والتفسخ والصراع».
يعتقد برهان غليون أن أطروحة صدام الحضارات هي، في الأساس، منتوج غربي بامتياز، برز إلى الوجود عندما انتهت الحرب الباردة، وأصبح التهديد الشيوعي لا يشكل خطراً، في هذا الصدد يقول: «إن نظرية صراع الحضارات أو الثقافات، مثلها مثل نظرية عنف الإسلام، نظريات من اختراع الغرب وصياغته» ويرجع اختراعه، في الواقع، إلى أن هناك اتجاهاً في الغرب، بدأ يتشكل وتتنامى قوته في أوساط النخبة الغربية، ويرى بأنه باتت من الضروري صياغة رؤية دفاعية استراتيجية جديدة، تضع، في الحسبان، مسألة الصراع في إطار ثقافي ونفسي أو حضاري، لأن الزمن أثبت أن الاستراتيجية التي تدعو إلى وضع الصراعات القائمة في الإطار الاقتصادي والاجتماعي قد فشلت، وصارت غير فعّالة.
وحسب غليون، فإن هذا الطرح لقضية الصراعات الدولية أي «نقلها من أرضية المصالح إلى أرضية القيم والتقاليد والعادات» من شأنه أن يساعد الغرب في حل المشاكل التي تواجهه في الحفاظ على الهيمنة والسيطرة، خاصة أن ماضيه الاستعماري، مازال يلقي ظلاله عليه، وجرائمه مازالت تلاحقه حتى الآن، بالإضافة إلى ذلك، أن الغرب لم يستطع أن يهيمن على أجزاء كثيرة من العالم بالقوة الناعمة، فهو بحاجة إلى استعمال الجيوش وشن الحروب، والحروب كما هو معروف، بحاجة إلى مبررات أخلاقية وسياسية، لكي تشن على الأعداء، الذين يشكلون خطراً على الغرب وحضارته، وقد لخّص غليون هذه المشاكل في نقطتين أساسيتين هما:
- مشكلة تصفية المسألة الاستعمارية، وهذا يتطلب، أولا، ضرورة الاعتراف بالحيف والظلم الذي أصاب الأمم المستعمرة، ومن ثمّ، تقديم تعويضات لها، مادية ومعنوية.
- مسألة إضفاء المشروعية الأخلاقية والسياسية على حروب الغرب الراهنة والمستقبلية، باعتبارها حروباً دفاعية عن نموذج الحضارة الغربية.
أما الأهداف الرئيسية التي يسعى الغرب إلى تحقيقها من وراء ذلك، فتكمن، أساساً، في إضفاء المشروعية على أفعاله المشينة، وذلك، ما عبّر عنه غليون بـ«قلب الأدوار والمواقع»، بحيث يصبح المعتدي، أي الغرب، مدافعاً عن نفسه وحضارته، ويغدو الضحية، العالم الإسلامي، هو المعتدي الهمجي الذي يسعى إلى تدمير حضارة الغرب ومكتسباتها، وبذلك تصبح حروب الغرب التدميرية، كما هو واقع الآن، «حروباً دفاعية، وبالتالي، مشروعة وضرورة وحتمية» هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يحاول الغرب التنصّل من مسؤوليته السياسية والأخلاقية على ما يعيشه العالم المتخلف من فقر واستبداد وتخلف، وتفكك للدول والجماعات، ومن ثمّ، نفي أن يكون هو السبب الرئيسي في كل ذلك، بسبب استعماره لهذه الدول، ونهب ثروات شعوبها، فضلا عن تنصيب حكومات فيها، تخدم أجندة الغرب وسياسته، بحيث إن النتيجة التي تتحقق جرّاء هذه الصياغة الجديدة في العلاقات بين الدول، حسب غليون، هي «القول بأن الوضع الذي توجد فيه أي أمة، الترجمة المباشرة لثقافتها أو تراثها الثقافي، ومجموعة القيم والتقاليد والاتجاهات، التي تحكم سلوكها وتتحكم فيه».
بالإضافة إلى ذلك، أن الغرب بتسويقه لمثل هذه الأطروحة يريد القول بأن النزاعات المدمرة في العالم ليست ناجمة، كما يقال في كل مرة، عن «سوء توزيع الثروة العالمية أو السلطة أو الثروة الوطنية، المادية والمعنوية» بل ناجمة في الأساس «عن وجود أنماط مختلفة ومتباينة للتفكير والسلوك والقيم»، أي إبراز المصدر الثقافي لمثل هذه النزاعات المدمرة، بمعنى أن المصدر الطبيعي المتأصل في الأمم هو المسؤول عن تلك الصراعات، بالتالي، لا يمكن لأحد أن يكون مسؤولا عنها سوى التاريخ أو الطبيعة.

صدام الحضارات: تعبير عن أزمة

بناء على ما سبق، فإن أطروحة «صدام الحضارات» هي تعبير حقيقي عن أزمة الغرب، ورهابه من الماضي، وخوفه من المستقبل، فالغرب، في واقع الحال، يعاني عقدة الذنب المتولدة عن ماضيه الإجرامي، كما أنه عاجز عن فرض سيطرته وهيمنته على العالم، نتيجة المقاومات التي تظهر هنا وهناك، مقـــــاومة لعولمة الغــــرب، ورافضة لهيمنته، والتي تُظهــــر، في المقابل، عجز الغرب عن إنتاج نظام إنساني عادل، يقوم باحتواء الجماعة العالمية، بعيداً عن النظرة العنصرية، التي تعلي من شأن البعض، في حين تقلل من شأن الآخرين، على أساس ديني أو عرقي أو على أساس اللغة أو اللون.
في هذا السياق، تنبغي الإشارة، أيضاً، إلى المشكلة السكانية التي تؤرّق الغرب منذ فترة طويلة، في المقابل، زيادة عدد سكان العالم بصورة مذهلة، خاصة في الصين والهند، وكذا في العالم الإسلامي. وبما أن الغرب يعيش «حالة أزمة»، فمن الطبيعي أن يدعو إلى التحصّن في هويته، وإلى التمسك بثقافته، وإلى الانكفاء على الذات، على الرغم من أن الأرضية المشتركة، تزداد اتساعاً بين الثقافات البشرية في العالم، خاصة في هذا العصر، عصر السماوات المفتوحة، الذي يشهد «زيادة التواصل والتفاعل والتنافس الذي تحثُّ عليه الثورة المعلوماتية والعلمية»، فالكل كان ينظر إلى هذه الفتوحات، باعتبارها مؤشّراً على عالم جديد ورائع، تتوافق فيه البشرية، وتتعايش في أجواء من الأمن والتلاحم والمحبة، إلا أن العكس هو الذي حدث، أي الدعوة إلى التشبث بالخصوصية، ما يقوّي ذلك التفسير القائل بأن الغرب في «عصر يشعر فيه أنه لم يعد في مرحلة الصعود، ولكن في مرحلة التراجع والتجاوز من قبل قوى جديدة صاعدة». لذلك كله، سيقوم الغرب بالتسويق لحرب الحضارات، أو بالأحرى، حرب حضارية على بقية العالم، حتى يبرّر حروبه التوسعية، ويغطي على عجزه في عدم مقدرته على التأسيس لنظام إنساني عالمي، وحتى يدافع عن المواقع والامتيازات التي كدّسها بطرق غير مشروعة من الأمم الأخرى، بالتالي، «فليست هناك حرب حضارات، ولكن، في حقيقة الأمر، هناك حرب حضارية بالفعل غربية، أي حرب غربية للدفاع عن المواقع والمزايا والامتيازات التي راكمتها الأمم الغربية في القرون الماضية، في مواجهة عالم يطالب بالدخول إلى الحضارة المادية ذاتها والمشاركة فيها»، أي أن الغرب، نتيجة نزوعه إلى الهيمنة، يعمل بكل ما أوتي من قوة من أجل القضاء على أيّ مقاومة، مهما كان شكلها، ومهما كانت قوتها، قد تشكل أو يمكن أن تشكل تهديداً في وجه هيمنته.

حوار الحضارات… لا أمل

والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو: هل يمكن أن يكون الحوار بين الحضارات ترياقاً ضد صدام الحضارات؟
لا يعقد برهان غليون أملا كبيراً على مشروع حوار الحضارات الذي طرحته الأمم المتحدة استجابة لنداء الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي من أجل التخفيف من وطأة الصدام الحضاري في العالم، لأنه، في واقع الأمر، ظهر كـ»رد فعل شكلي وضعيف» على مفهوم صراع الحضارات أو الثقافات، وهما، أي الصدام والحوار، في نظره «ليسا فكرتين علميتين، وإنما فكرتان أيديولوجيتان» تسعيان إلى خدمة المشروع الأمريكي أو الغربي، بطريقة أو بأخرى. ذلك أن مشروع حوار الحضارات المطروح بهذا الشكل، شأنه شأن مشروع صدام الحضارات، يسعى إلى إلغاء «مفهوم المسؤولية السياسية»، والمقصود بذلك، حسب غليون، هو نفي مسؤولية الغرب عمّا تعيشه الدول المتخلفة، وربط ذلك بالخصوصيات الثقافية، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
وحتى يكون الحوار مثمراً وناجعاً لا بد من النظر إلى التعددية الثقافية، باعتبارها نوعاً من أنواع الثراء والتنوع البشري، الذي يخدم بعضه بعضاً لا مصدراً للنزاع والاختلاف، ولن تتحقق النتيجة المرجوّة، في نظر غليون، إلا إذا كان الحوار بين جماعات ومجتمعات، وليس بين حضارات أو بين ثقافات، فـ»العلاقات بين الثقافات هي انعكاس للعلاقات بين المجتمعات»، وعندما تكون المجتمعات على اســـتعداد للحوار، فإن الثقافة لا تشكل عائقاً، مضافاً إلى ذلك السعي في «إيجاد قاسم مشترك أعظم من القيم التي تؤسّس لإجماع إنساني»، كل ذلك سيساهم، بطريقة أو بأخرى، في تقريب وجهات النظر، وفي ردم هوّة الاختلاف بين الأمم، وبالتالي، يكون مقدمة لتأسيس نظام إنساني عالمي.

٭ كاتب مغربي

برهان غليون وصراع الحضارات: حرب القيم الغربية ضد بقية العالم

سعدون يخلف

- -

2 تعليقات

  1. كلام جميل لبرهان غليون بالفعل, وشكر جزيلاً أخي سعدون يخلف على هذا الموضوع والمقال.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left