حول نقاشات يمنية عن التطبيع

أيمن نبيل

Aug 16, 2018

في شهر تموز/يوليو الفائت انشغل اليمنيون في وسائل التواصل الاجتماعي بمناقشة موضوع التطبيع مع إسرائيل كتعليق على حدثين: غناء مشترك بين فنان يمني وفنان إسرائيلي من أصول يمنيّة في عرسٍ أقامه أحد الوجهاء القبليين اليمنيين في الأردن، وزيارة أكاديميّة يمنيّة مقيمة في أوروبا لإسرائيل، سنناقش في المقال الحدث الأول ونترك الثاني لمناسبة أخرى.
في النقاش حول الموضوع رأيان مختلفان: الأول يرى في الموضوع تطبيعًا مرفوضًا، ورأيا مخالفا يختزل أصحابه الموضوع في أبعاد الهويّة والاتصال الطبيعي، بل والمحبّذ في اعتقادهم، بين الشعب اليمني واليمنيين اليهود في إسرائيل.

دعاية سياسية

مشكلة الرأي الأول أنه يعطي الأفراد وزنًا كبيرًا لا يطيقونه، وهذا سلوك يصدر عن صدقٍ ساذج حينًا، وعن رغبة في تمرير دعاية سياسيّة أحيانًا أخرى. التطبيع لا تقوم به إلا المؤسسات، أو أفراد يتعاملون مع المؤسسات الإسرائيليّة، أي بالضبط حين تغيب فرديّة الشخص وتحضر مواطنيّته وتمثيليّته لمؤسسات أو انتماؤه لهويّة، أما أن يغني فنان في عرسٍ في بلد عربي مع إسرائيلي، فهو ليس تطبيعًا، بل مجرّد سلوك فردي (عنصري، أو ساذج، أو ليس عليه غبار) تجب مناقشته، ومهاجمته إن لزم الأمر، في هذه الحدود. ولكن، ورغم أن المسألة سلوك فردي، لا يعني هذا أنها بلا سياق؛ فأن يدعو شيخ قبلي يمني فنانًا إسرائيليًا لإحياء حفل زفاف، وأن يستسهل فنانٌ ينتمي لواحد من أكثر الشعوب العربيّة إيمانًا بقضيّة فلسطين، التواجدَ بجوار إسرائيلي بل وإظهار جَذَله بذلك هو والمدعوين للزفاف، هو أمرٌ كان سيكون صعب الحدوث ووخيم العواقب لولا السياق العربي الراهن الذي يتكوّن أولًا من الخطاب الخليجي، بقيادة السعودية، تجاه إسرائيل، وثانيًا من الحركة الحوثيّة التي تفعل في اليمنيين ما يفعله كل «الممانعين» الطائفيين منذ 2011، وهو سرقة وذبح الناس مع الصدح بشعارات القدس وتحرير فلسطين، وثالثًا من انهيار الدولة اليمنيّة ومؤسساتها القانونيّة وتشكيلات المجتمع المدني (صحافة، نقابات، اتحادات)؛ فحتى التفاهات تحتاج لسياق ينتجها أو يسهّل ظهورها.
أما عند فحص الرأي الثاني، سنجد كثيرًا من مشاكل الهويّة عند النخب اليمنيّة المثقّفة. ثمّة في الموضوع جانب واقعي تجب مناقشته بهدوء من قبل كل المؤمنين بعدالة قضية فلسطين، وهو العمق التاريخي لليمنيين اليهود، وتجذّرهم في الثقافة الشعبيّة اليمنيّة نتيجة لذلك.
منذ اشتداد وتيرة الاستيطان في فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين وبعد إقامة دولة الاحتلال عام 1948، كانت سياسات النّخب الأشكنازيّة تجاه اليمنيين المستوطنين الرامية إلى «صهر» يهود الشرق وما رافق ذلك من تمييز عنصري وطبقي إزاءهم، قد دفعهم إلى مقاومة هذه المحاولات بشكل غريزي بالتقوقع داخل إرثهم الثقافيّ، ونذكّر هنا للدلالة على الوعي المبكّر بالتمييز ضدهم أن أول اتحاد خاص بيهود اليمن المستوطنين في فلسطين أنشئ عام 1921، أي بعد أعوام قليلة من هجراتهم الصهيونيّة الأولى.
كان نجاح اليمنيين المستوطنين في المقاومة الثقافية واضحًا، وخاصّة على مستوى الغناء الشعبي، ومع بدء تغيُّر التوازنات السياسية والاجتماعيّة الإسرائيلية في السبعينيات، ظهرت من بين اليمنيين أسماء فنية رائدة مثل عفراء هزاع وزوهار أرجوف. رافق الانتشار والاعتراف بهذا الإنتاج الفني في إسرائيل، وفشل مشاريع الصهر واشتداد عود اليهود الشرقيين سياسيًا وطبقيًا واجتماعيًا وانتصارهم ديمغرافيًا، تلقي الهويّة الوطنيّة اليمنيّة ضربات قويّة منذ التسعينيّات، كما انهارت فنون البرجوازيّة الصغيرة في اليمن وصناعة الإنتاج الفني في ذات الفترة مع ذهاب النظام نحو السياسات النيوليبرالية في الاقتصاد بالتوازي مع تكريسه للتخلف الاجتماعي. حينها، كان المجتمع اليمني مستعدًا لتلقي الفن الإسرائيلي-اليمني، وأصبح من المعتاد، مع انتشار الإنترنت، أن تسمع في حفلات الزفاف الأغاني الصنعانيّة التي يطلقها فنانون إسرائيليون. وفي كلام آخر، ثمّة اتصال ثقافي مراوغ لا يمكن إنكاره بين المجتمع اليمني وبعض منتجات الفن الشعبي الإسرائيلي-اليمني.

موجات استيطان

هذا هو الجانب الواقعي، ولكن الجانب المفتعل والذي ينتج عن مشاكل قطاع من النخب اليمنيّة وجزءٌ كبير (إن لم يكن الأغلبيّة) من المجتمع اليمني هو التعامل مع يهود اليمن في إسرائيل باعتبارهم يمنيين لهم رمزيّة هويّاتيّة ثقيلة، وهذا غير صائب؛ فهؤلاء أولا إسرائيليون ويمنيّتهم مجرّد إرث ثقافي كانوا من قبل يستخدمونه لمقاومة مشاريع الصهر ذات الخلفية التمييزية، وأصبحوا اليوم ينتجون فنًا في إطار الفلكلور من منطلق التعبير الحر عن ثقافة فرعيّة تنافس أخريات داخل هويّة أساسيّة عنصريّة في بنيتها وهي الإسرائيليّة-اليهوديّة (قانون القوميّة الأخير هو مجرّد تأكيد جديد، له تبعات قانونية، على أمرٍ قديم رافق الاحتلال الإسرائيلي منذ يومه الأول).
وهذا سلوك منتشر في المجتمعات التي نشأت عن موجات استيطان واحتلال أو هجرة، والمجتمع الأمريكي مثال على ذلك، ثم إن هذا الاتصال ذو اتجاه واحد، فاليمنيون هم الذين يستقبلون الفن الشعبي-الإسرائيلي (ولا يستقبلونه كله، بل ما هو باللهجة العربيّة الصنعانيّة تحديدًا في حين أن الأغاني العبرية لا تلقى اهتمامًا يذكر) بينما لا يدخل الإسرائيليون في جدل مع منتجات الثقافة الشعبيّة اليمنيّة، وهذا لأسباب كثيرة، أهمها أن هؤلاء يرون أنفسهم إسرائيليين أولًا، ولغتهم الأساسية هي العبرية (والعبرية-اليمنية كتراث عند البعض) وليس العربيّة، كما أن علاقتهم باليمن فلكلوريّة الطابع خصوصًا بعد الصعود الاجتماعي ليهود الشرق في إسرائيل.
الأمر الآخر، هو أن يهود الشرق عمومًا هم قاعدة التطرّف الديني في إسرائيل، وتعتنق قطاعات واسعة منهم، كما تظهر تصريحات ومواقف الأحزاب السياسية الدينيّة التي يشكل يهود الشرق قاعدتها الاجتماعية، مواقف عنصرية متطرّفة بها تجاه الفلسطينيين والعرب لإثبات صدق انتمائهم للدولة الإسرائيليّة والأيديولوجية الصهيونيّة ونقاء موقفهم «الوطني»، وبالتالي فالتعامل مع الإسرائيلي من أصول يمنية باعتباره يمنيًا هو خطأ كبير ودعم للعنصريّة من منطلق أوهام وخيالات تشوش الواقع.
بالإضافة إلى ذلك، لا نسمع أحدًا من «المعجبين» بيهود اليمن في إسرائيل يتحدث عن الاتصال بيهود اليمن الذين هاجروا إلى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكيّة -هؤلاء كانوا غالبًا من يهود عدن- ولهذا سبب رئيسي، وهو أن الإعجاب باليهودي الإسرائيلي-اليمني تحديدًا ينطلق من مشكل عميق عند النخبة المثقفة في مسألة الهُويّة الوطنيّة خاصّة مع تشظي المجتمع والدولة وفشل الأخيرة طوال الثلث قرن الأخير من إنتاج هوية جامعة؛ فهي تحتاج إلى تأكيدات بشأن وجود هذه الهويّة أصلًا وأهميتها و «جمالها»، واليهود الإسرائيليون-اليمنيُّون تحديدًا هم من يُسكّنون آلام المثقّف اليمني الهويّاتيّة ويؤكدون له وجود وقوة هويته: في دولة حديثة وديمقراطيّة أسسها وشكل نخبتها «الرجل الأبيض»، ومتفوقة على العرب، تصمم جماعة يمنيّة على التمسك بتقاليدها الثقافيّة، هكذا تُرى الأمور عند البعض في اليمن. في حين أن اليهودي اليمني في أي مكان آخر في العالم لا يستطيع الاضطلاع بهذه الوظيفة لأنه غالبًا استطاع الاندماج والذوبان في مجتمعات المهجر، كما أن الشعور بالمرارة والهزيمة من دولة المَهجَر لن يصل في الحضور والكثافة لذاك الذي تبعثه إسرائيل.
هذه العملية برمتها، أي الآلام ومسكناتها، تدل على حالة غير صحيّة ومدمرة، خاصة حين يرى مثقف (يدعي الحداثيّة) الهويّةَ مختزلة في تعبير فلكلوري وحنين ثقافي غائم يُستخدم في إسرائيل لتحصيل مساحة أوسع وأفضل داخلها وليس ضدها أو لأجل «الوطن اليمني»، وليس له أي معنى سياسي أو حتى ثقافي بالمعنى العميق للكلمة يهم اليمن ومشروع هويتها.

مكان للسياحة

على المثقف اليمني الإدراك أن اليمن بالنسبة للإسرائيلي ذي الأصل اليمني ليست أكثر من موضوع لحنين بلا بُعد سياسي أو هوياتي صلب، وأقصى أحلامه حميميّةً بشأنها السياحةُ فيها لأسابيع وزيارة الأماكن التي دارت فيها حكايا الجَدّات له في الطفولة، ثم العودة إلى «الوطن».. إلى إسرائيل.
ختامًا، نقول لهؤلاء المرحبين بما حصل في الأردن: رغم أنه سلوك فردي وليس تطبيعًا، إن الانتقال من تفسير دلالاته إلى دعمه وتشجيعه هو، بقصد أم بدونه، في هذا السياق اليمني والعربي الراهن، تطبيعٌ للتطبيع المقبل، لأنه تمرينٌ للمجتمع اليمني على تقبُّل التطبيع الفعلي مستقبلًا، والذي تنتوي دول الخليج جعله رسميًا بعد أن مارسته علنًا بوضوح منذ فترة، وستحاول جر النظام اليمني إليه عاجلًا أم آجلا.

كاتب يمني

حول نقاشات يمنية عن التطبيع

أيمن نبيل

- -

4 تعليقات

  1. في الأول والأخير هذا سلوك فردي لا يعبر عن وطن بأكمله فاليمن كان ومازال لليوم أكبر ناصر لقضيتة العربية الفلسطنية بل ويعتبرها أولوية في حياتة واحلامة. ..مع ذكر اليهود اليمنيين التقيت في مانشستر البريطانية بيمني يهودي عايش في فلسطين المحتلة وقد شكا لي ماذا يعانية اليمنيين اليهود من عنصرية اليهود الاوربين واحتقارهم لهم وقد عانى اليمنيين اليهود الأمرين في ما يسمىباسراءيل ومازالوا ليومنا هذا

  2. اليمني سيظل يمينا مهما غاب أو رحل
    وما اليهود اليمنيون في فلسطين
    الا من المظلومين مثلهم بدول العالم
    وأولهم ذي القربى من العرب
    واليهود اليمنيون ليسو يهودا من الوراثة
    وإنما تهودو،في عهد الملك ذو نواس الحميري
    فهم قحطانين عرب اقحاح
    اسمعوا النشيد اليمني
    وسيضل

    عشت إيماني وحبي أمميا

    ومسيري فوق دربي عربيا

    وسيبقى نبض قلبي يمنيا

  3. سيظل يهود اليمن يمنيون في المهجر كما نحن يمنيون في المهجر

  4. نحن نحب يهود اليمن وتعتبرها إخوانا لنا في المهجر وسيعودون في يوم ما إلى أحضان اليمن شاء من شاء وأبى من ابى ونتواصل معهم لإبداء كلنا لهم لانهم افضل أبناء اليمن حبا لليمن

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left