تداعيات الخلاف الأمريكي الإيراني على العملية السياسية في العراق

أمير المفرجي

Aug 18, 2018

يتصاعد الجدل وتتعدد الخلافات بين الأحزاب العراقية في طريقة الوصول إلى كرسي الحكم في العراق، بعد أن تم الانتهاء من حسم ملف رئاسة الجمهورية والبرلمان، تماشياً مع مبدأ التوافق القومي والطائفي، وما يُعرف بالمحاصصة السياسية. في الوقت الذي يستمر تواجد الأحزاب النافذة على مقدرات البلاد، في دائرة الصراع الإقليمي والدولي، لتشكيل الحكومة التي يراد منها أن تكون سندا ودعما لسياسات إيران والولايات المتحدة معا في المنطقة.
وعلى الرغم من أن نظام الانتخابات البرلماني (الديمقراطي) المُعتمد في العراق، يتيح لمرشح الكتلة الأكبر، الحق في انتخابه رئيسا لمجلس الوزراء، بيد أن الإشكالية الأخلاقية الناتجة من تبعية بعض المرشحين للأمم الأخرى، وارتباط البعض الآخر منهم، قلبا وقالبا بالمؤسسة القومية العسكرية التي يتزعمها المرجع الإيراني علي خامنئي، قد تعمل على إدامة هذا الجدل في الأوساط السياسية والشعبية، في ما يتعلق بمدى شرعية قبول ترشيح رئيس للوزراء لا يرتبط بإرادة الشعب وسيادة العراق، وإنما بمصالح خارجية، تدخل ضمن صراعات الدول الإقليمية وأجنداتها القومية، التي لا تخضع للإرادة الوطنية، التي ترجمتها أحداث المشهد السياسي العراقي الأخيرة، المتمثلة في انتفاضة العراقيين، ورفض الشارع العراقي للأحزاب الفاسدة، وإدانة فساد الطبقة السياسية وتبعيتها لإيران، والمطالبة بنخبة سياسية وطنية لا تخضع لصراع المصالح الطائفية والفئوية، التي هي الأحق في قيادة البلاد.
وللاستجابة لهذه المطالب المشروعة التي حملها الحراك الشعبي، ثمة من يدعو إلى الإسراع بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة وفي أقرب وقت ممكن، على أسس صحيحة، لمواجهة الفساد وتلبية مطالب المواطنين المحتجين، جراء سوء الخدمات الأساسية والتخفيف من معاناتهم. وثمة من يشدد على أهمية البدء بتشكيل حكومة كفاءات نزيهة أو حكومة إنقاذ وطنية، على أن يتحمل رئيسها كامل المسؤولية عن أداء حكومته، ويكون حازماً وقوياً ويتسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد المالي والإداري. فهل من الممكن الوصول إلى ذلك، على الرغم من غياب الشرعية القانونية التي لحقت بعملية الانتخابات التشريعية، بعد تزويرها وإتلاف صناديقها؟ وهل بات من الممكن تشكيل حكومة جديدة واختيار من يرأسها مع تصاعد الخلاف بين إيران والولايات المتحدة؟ قد تنهي عملية إعادة الفرز والعد الشكلية، التي أثبتت انعدام النزاهة، وخلافات التزوير، ولكنها قد تعلن بداية صراع لا نهاية له، ولا حل له بين الأحزاب على السلطة في العراق، قد تعيق المتهافتين على هرم السلطة في الوصول إلى كرسي الحكم. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار إشكالية تغير العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة على الوضع السياسي، التي قد تمنع من استمرار العملية السياسية التوافقية بشكلها الحالي منذ 2003، نتيجة للتغيرات التي طرأت على الوضع الإقليمي بعد الخلاف الأمريكي ـ الإيراني من جهة، واتساع رقعة الاحتجاجات في العراق، ونضوج أهداف العراقيين، شيعة كانوا أم سنة، والتقائها في المضي إلى حد تغيير طبيعة النظام.
من الواضح، أن المنعطف الذي وصلت إليه الأزمة الإيرانية بعد فرض إدارة ترامب عقوبات جديدة على طهران، قد قلل من احتمالات نجاح الوصول لعقد تحالفات لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، القادرة على تشكيل الحكومة لصالح إيران، نتيجة لحتمية التزام العراق بالعقوبات من خلال تصريحات رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي أقرّ بوجوب احترام بغداد تلك العقوبات، خلافا للفصائل والأحزاب التابعة لإيران التي رفضت الالتزام بها وتطبيقها.
لا شك في أن صراع الأحزاب النافذة في المشهد العراقي الحالي، وأملها في الوصول إلى منصب رئيس مجلس الوزراء، يتبع نتائج ما سيفرزه الصدام الأمريكي ـ الإيراني من نقاط القوة والضعف، الناتجة عن سياسة لي أذرع إيران في العراق، نظراً لتزامنه مع فترة تشكيل الحكومة العراقية، وإدراج عدد من الشخصيات العراقية الفائزة ببعض المقاعد البرلمانية على قائمة الإرهاب الأمريكية الجديدة، حيث سيُعقد هذا القرار عملية تشكيل الحكومة، وبالتزامن مع مفاوضات تشكيلها، الذي تدفع إيران بدعمها لصالحها، تفاديا لبدء العمل بالعقوبات الاقتصادية.
ولا شك أيضاً، في أن الإخفاق في الوصول إلى اتفاق لشكل الحكومة المقبلة في المستقبل، يعني استمرار بقاء حيدر العبادي رئيسا للسلطة التنفيذية، وهذا بدوره لا يخدم خفايا الاستراتيجية الإيرانية، المتعلقة بإشكالية الملف النووي، نتيجة لتصاعد الضغط الأمريكي على الوضع الاقتصادي الإيراني الداخلي، حيث أصبح من الواضح، عزم نظام ولاية الفقيه، استخدام حلفائه في الانتخابات العراقية، للوصول إلى رئاسة الوزراء، وجعله ورقة ضغط لتخفيف الحصار، حيث لا ترغب إيران في تشكيل حكومة عراقية تلتزم بالعقوبات الأمريكية ضدها، وكما أن واشنطن لا ترغب في تنصيب حكومة عراقية تعيق عقوباتها وتمنعها من تحقيق أهدافها في تحجيم دور إيران في المنطقة.
وهذا ما يفسر موقف العراق الرسمي من المقاطعة الأمريكية، الذي يمثله رئيس الوزراء، بعد إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على طهران من أن «بغداد سوف تلتزم بها حماية للشعب العراقي». وقرار البنك المركزي العراقي المتمثل بحظر التعامل مع المصارف الإيرانية بالعملة الأمريكية، وهذا ما يفسر أيضا سبب إلغاء زيارة الوفد العراقي لطهران، الذي يُمثل بحد ذاته إشارة واضحة بالتزام رئيس الحكومة العراقية بآلية العقوبات وارتباطه بالأجندة الأمريكية، التي من المؤمل، البدء بتطبيقها في العراق، وسعيه إلى فرض الإرادة الأمريكية في المستقبل، والتي ستكون بمثابة القشة التي ستقصم ظهر تحالف الأحزاب الحاكمة في بغداد.
إن إلزام العراق بتطبيق قرار مقاطعة النظام الإيراني، سيدفع لا محالة إلى توسيع تدخله في الاقتصاد العراقي، من خلال أحزابه وميليشياته، مما قد ينقل العراق إلى صراع داخلي بين أتباع أمريكا وأتباع إيران داخل الأحزاب النافذة نفسها، وقد يتطور في النهاية إلى تدخل إيراني ـ أمريكي مباشر، ليُعيد رسم العملية السياسية في العراق.
كاتب عراقي

تداعيات الخلاف الأمريكي الإيراني على العملية السياسية في العراق

أمير المفرجي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left