اعوجاج في التفكير الأمريكي نحو تركيا

محمد زاهد جول

Aug 18, 2018

من حق الشعب التركي أن يكون غاضباً ومصدوماً من المواقف والعقوبات الأمريكية الأخيرة ضد تركيا، فالتحالف الاستراتيجي بينهما طويل وعميق لأكثر من قرن من الزمان، ولا يوجد ما يبرر الموقف العدائي الأمريكي من تركيا إلى هذا الحد، فالخلافات بين الدولتين قابلة للحل بالطرق السياسية والدبلوماسية، سواء بوجود خلافات سياسية واستراتيجية قديمة وجديدة حول سوريا والعراق، أو بسبب خلافات حول القضية الفلسطينية والقدس أو إيران أو روسيا أو غيرها، أو بسبب اعتقال عدد من المواطنين الأمريكيين المتهمين من القضاء التركي بالتورط بأعمال مخلة بالأمن التركي، وبالأخص في الانقلاب الأخير يوليو 2016، بما فيها التهم الموجهة للقس برانسون، وهو ضابط استخبارات أمريكي سابق في بعض الآراء غير المؤكدة من مصادر رسمية.
هذه المواقف الأمريكية العقابية والصدامية غير مقنعة للشعب التركي ولا لحكومته، وموجة العقوبات الأمريكية ضد تركيا تزيد من الاحتقان الشعبي ضد أمريكا، أي أنها ذات تأثير عكسي وسلبي، فالعقوبات الاقتصادية والتأثير على سعر صرف الليرة التركية بالنسبة للدولار، خطوات يرى فيها الشعب التركي تحديا لمشاعره وقيمه واحترامه، وهذا ما كان ينبغي للإدارة الأمريكية أن تعلمه، فالضغوطات والتهديدات ليست اللغة التي ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تستعملها ضد الشعب التركي، وهذا موضع سؤال وتفكير، فإما أن تكون الإدارة الأمريكية تعرف ذلك التأثير السلبي، وتتقصد إثارته لدى الشعب التركي، أو أنها تستعمل منهج تفكير أعوج لا يصلح في التعامل مع الأتراك بالذات.
ورغم كل التصريحات السلبية من الطرفين، إلا أن الموقف التركي الأخير على لسان وزير الخارجية التركي جاويش أغلو يرى أن تركيا لا تزال منفتحة لمحادثات مع واشنطن خالية من لغة التهديد، وقال: «إن تركيا منفتحة لإجراء محادثات لحل جميع المشاكل العالقة مع الولايات المتحدة كشركاء على قدم المساواة، رغم كل ما جرى، بشرط عدول واشنطن عن لغة التهديد»، وأضاف «أن المشاكل التي شهدتها العلاقات التركية مع بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، نتيجة طبيعية لنظرة التعالي وأسلوب الإملاء الذي تمتلكه هذه الدول، وأن علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي تتطور مرة أخرى على أسس أكثر صلابة، والمشاكل التي تواجه العلاقات التركية الأمريكية تسري أيضًا على علاقات واشنطن مع البلدان الأوروبية»، جاء ذلك في كلمة ألقاها جاويش أوغلو، خلال مأدبة عشاء أقامتها لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية، ومجلس المصدرين الأتراك، على هامش المؤتمر العاشر للسفراء في العاصمة التركية أنقرة، فالاعتراض التركي على لغة التهديد، وفي رأي جاويش أغلو «أن واشنطن تستخدم أسلوب الهجوم، وأن الجميع رأى ذلك بوضوح في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث لم تحترم الولايات المتحدة الآخرين، ولم تفكر إلا بمصالحها الخاصة، أن بلاده تريد للدبلوماسية أن تضطلع بدور أكثر فعالية في هذه الأزمة، إلا أن الجانب الآخر لا يمتلك شخصيات قادرة على إدراك جوهر هذا الفهم بشكل صحيح»، أي أن السبب الرئيس للأزمة التركية الأمريكية هو عدم وجود شخصيات في إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، لديها القدرة على إدارة الأزمة سياسيا ودبلوماسياً، ما يدل على أن شخصية ترامب شخصية مستبدة، وتفضل التعامل مع قضاياها بطريقة افتعال الأزمة وتضخيمها وإرهاب الطرف الآخر والتحكم في حلها من طرف واحد هو الطرف الأمريكي، وهذا مفهوم الاستعلائية التي تحدثت عنها الخارجية التركية.
هذا الاعوجاج في منهج التفكير الأمريكي، دفع الشعب التركي ورئاسته إلى خوض هذه المعركة التي يصفها الإعلام والرئاسة التركية بأنها محاولة انقلابية أخرى، تختلف عن المحاولة الانقلابية العسكرية 2016، إنها في الجانب الاقتصادي، أي في التأثير على لقمة عيش المواطن التركي، ظناً منها ان ذلك يدفع المواطن التركي إلى مواجهة الحكومة التركية والخروج عليها في مظاهرات في الشوارع، وهذا التفكير يتجاهل أن تركيا دولة ديمقراطية، وأن الشعب التركي هو من يختار هذه الرئاسة والحكومة والبرلمان والقضاء أيضاً، وأن أولئك المسؤولين الأتراك لا يملكون إلا تلبية مطالب الشعب في الحفاظ على كرامته، قبل الحفاظ على لقمة عيشه، هكذا يفكر الشعب التركي، لا يقبل لغة التهديد ولا الابتزاز ولا الاستغلال، بل يحتقر من يعامله بهذه العقلية المعوجة. لذا كان طبيعيا أن تفقد الحملة الأمريكية مصداقيتها أمام الشعب التركي والأمة التي ينتمي إليها، وأن يبدأ الدولار بالانخفاض أمام الليرة التركية، ليس عقب خطوات اتخذتها هيئة التنظيم والرقابة المصرفية والبنك المركزي التركيين فقط، وإنما برفض الشعب أن يخضع للغة التهديد والابتزاز، إضافة إلى أن الحكومة التركية لجأت إلى منظمة التجارة العالمية ضد رسوم ترامب الأخيرة، بحسب إفادة وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان، فقالت:»تمت دعوت واشنطن لمشاورات في منظمة التجارة العالمية، لإجراء مشاورات مع تركيا، بشأن الضرائب الجمركية الإضافية على واردات الصلب والألمنيوم منها»، أي أن تركيا أطلقت مسيرة التحكيم ضد واشنطن بخصوص الضرائب الجمركية الإضافية، وقالت بكجان: «اعتبارا من الساعة 17.40 بالتوقيت المحلي (14.40 ت.غ) دعونا واشنطن، لمشاورات في منظمة التجارة العالمية، ودعوتنا وصلت للولايات المتحدة. وبذلك نكون أطلقنا المسار القانوني لدى المنظمة».
ومن الغريب أن ياتي تصريح متحدثة البيت الأبيض سارة ساندرز: «سنعيد النظر في قرار العقوبات إذا أخلت تركيا سبيل القس برونسون»، هذا التصريح بحسب قول ساندرز يخص العقوبات المفروضة بسبب توقيف القس، أما عقوبات رسوم استيراد الحديد والألمنيوم من تركيا فليس مرتبطة بقضية القس، فأضافت: «الضريبة الحالية للصلب لا يمكن رفعها عبر إخلاء سبيل القس برونسون، لأن ذلك من أمننا القومي. لكن نعيد النظر في العقوبات المفروضة على تركيا بسبب برونسون، والأشخاص الآخرين، وأن الضرائب الجمركية التي فرضتها بلادها على الألمنيوم والصلب المستورد من تركيا جاءت بناء على الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية». معتبرة الرسوم الجمركية التي فرضتها تركيا على البضائع الأمريكية بأنها خطوة في المسار الخاطئ، وقالت:» إنهم يتابعون عن كثب التطورات الأخيرة في الاقتصاد التركي»، وفي ذلك إشارة إلى أن أمريكا لا تسعى لإطالة أمد هذه المرحلة من العقوبات المتبادلة، وأن وراء هذا الموقف الأمريكي أمور غير معلنة تعيد النظر بالتفكير الامريكي، إن كان يسعى للتأثير على أصوات الناخبين الأمريكيين التابعين للكنيسة الانجيلية الصهيونية خلال الانتخابات النصفية المقبلة في أمريكا.
الغرابة في تصريح البيت الأبيض هو اعتبار المتحدثة ساندرز أن الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على تركيا نابعة من مصالح الأمن القومي الأمريكي، في حين اعتبرت أن الرسوم التركية على البضائع المستوردة من أمريكا انتقامية، وكأنه لا يحق لتركيا أن تعامل أمريكا بالمثل.
من المحتمل ان تكون الشركات الأمريكية غير موافقة على هذه العقوبات السياسية على تركيا، لأنها تستغل التهديدات الاقتصادية لخدمة سياسات ترامب المضطربة في العالم، وهذا إن كان يخدم الشركات التابعة لعائلة ترامب، فإنه قد لا يجد التأييد نفسه، لأن سلاح العقوبات ذو اتجاهين ليس فقط بين الدولتين فقط، وإنما بحكم تأثيره على الأسواق العالمية، وهذا ما دفع ألمانيا وروسيا وإيران والصين أن تعلن عن رفضها لسياسة العقوبات الاقتصادية على تركيا، بل إن مؤشرات بورصة نيويورك تأثرت سلباً وانخفضت يوم الخميس 16 أغسطس/آب الجاري بنحو 0.7 %، فقد بدأت سوق الأوراق المالية في نيويورك تعاني من الخسائر بعد إصدار ترامب قرارًا بمضاعفة الرسوم الجمركية على المواد (الصلب والألمنيوم) التي تستوردها الولايات المتحدة من تركيا، وأكملت المؤشرات في بورصة نيويورك، خسارة 3 أيام من آخر 4 أيام تداول، وأشار مراقبون اقتصاديون إلى أن خطوة ترامب الأخيرة ضد تركيا الحليفة للولايات المتحدة في الناتو يثير قلقا كبيرا لدى المستثمرين الأمريكيين في بورصة نيويورك، وهذا القلق ليس بسبب العقوبات على تركيا فقط، بل بسبب سخط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على النظام الدولي، فقد نفذ معظم ما تعهد به قبل توليه منصبه بالانسحاب من الاتفاقات متعددة الأطراف، وإعادة النظر في مشاركة بلاده بالأمم المتحدة، إضافة للضغوط المالية التي فرضها ترامب على دول الناتو بمشاركتها المالية في الحلف العسكري.
من المرجح أن تنتهي هذه الأزمة التركية الأمريكية خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، فترامب يهوى أن يكون صانعاً لأحداث دراماتيكية مع حلفائه واعدائه، ولديه رغبة غير طبيعية في أن يظهر محور الأحداث العالمية، فهو يفتعل الأحداث ويعطيها أكثر من حقها ثم التظاهر بحلها، فلو كان في البيت الأبيض غير ترامب لأمكن حل قضية القس برانسون وغيرها بكل سهولة، ولكن ترامب يتعمد جعلها قضية كبرى لأهواء نفسية، فالقس سوف يتم الافراج عنه بعد انتهاء القضاء التركي منه، الأهم أن يتم تصويب التفكير الأعوج القائم على التهديد والابتزاز والبلطجة في العلاقات الدولية بحسب وجهة نظر الخارجية التركية.
كاتب تركي

اعوجاج في التفكير الأمريكي نحو تركيا

محمد زاهد جول

- -

4 تعليقات

  1. هي فرصة للقيادة التركية لتحقيق استقلالية جديدة تفوق استقلالية كمال أتاتورك للأمة التركية لكن حتى الآن لم نجد قدرة عملية على استثمارهذه المناجزة مع الولايات المتحدة لخلق هذه الاستقلالية ونحن مقبلون على المئوية الأولى لاعلان الجمهورية التركية.والسبب أنّ القيادة التركية تضع قدمًا في الشرق وأخرى في الغرب.تركيا الجديدة لديها مؤهلات طبيعية وبشرية فريدة ؛ لكنها لا تزال تتكأ على التحالفات الغربية للحصول على امتيازات مستوردة.نعم ليس من مصلحة تركيا الصدام المباشرمع القدرات الأمريكية ؛ إنما المطلوب قرارات تدلّ على الاستقلالية الوطنية باتجاهين : الأوّل ؛ تقويم وتقييم الجدوى من الارتماء في التحالف مع الغرب.الثاني ؛ تحجيم النفوذ الغربيّ في داخل تركيا.ففي تركيا مئات من المؤسسات الغربية ( التجسسية ) على السياسة والاقتصاد والجيش والمجتمع ( تسرح وتمرح ) بل وحتى ممارسة التبشيرالدينيّ المسيحيّ ؛ وأنّ القيادة والحكومة التركية تعلم بذلك ؛ لكنها تغضّ النظرعن ممارساتها التي تسيروفق برنامج متوسط وطويل الأجل.ما أخشاه على تركيا الجارة وهي في مرحلة جديدة نحو المستقبل المشرق في بناء البنى التحتية الاستراتيجية ؛ سعى القوى الغربية لتصفية شخصية الرئيس أردوغان ؛ ولا ننسى أنّ مؤامرة تموز2016 كانت تستهدف تصفية السّيد أردوغان بالدرجة الأولى.فحافظوا على بلدكم وعلى منجزاتكم وعلى رئيسكم من الغدرالاقليميّ والدوليّ ؛ من هنا أتمنّى على القيادة التركية الانفتاح العمليّ على الدول العربية كافة بعيدًا عن الحساسيات والحسابات والصراعات الأيديولوجية العقيمة ؛ فالسلحفاة ( البحرية ) لا يحميها من المفترسات إلا درعها المحيط ببدنها من كلّ الاتجاهات ( البريّة ).وتبقى تركيا جزء أصيل من تراث الشرق العظيم ؛ اليوم وفي المستقبل.

  2. ربط قرارات امريكا الخارجية بشخصية ترمب ومزاجه العام أمر خاطئ … السياسة الداخلية تخضع لتوجهات الحزب الحاكم ودولته العميقة اما السياسة الخارجية فتخضع للدولة العميقة العامة العابرة للاحزاب . الرئيس مجرد مؤدي وممثل كومبارس لما يطلبه منه مستشاروه الممثلين للدولة العميقة التي تطبق سياساتها طويلة الامد بحسب خطط مدروسة عابرة للرؤساء والحكومات … الامن القومي الامريكي جعل من تركيا القوية والمستقلة بتوجهات اسلامية شرقية خطا احمر منذ زمن كمال اتاتورك ولن يسمح لها بعكس ذلك ابدا … لن يسمح لتركيا بان تكون القاطرة التي تقود العالم العربي والاسلامي الى الحداثة ابدا .

  3. الموقف الامريكي من تركيا يعود لسببين الاول يعود للسياسه الجديده التي تتبعها تركيا وتتمثل في امتلاك قرارها السياسي وعدم الرضوخ للأملأت الامريكيه هذا التوجه من قبل تركيا لا يروق للأدارة الامريكيه والثاني يعود لحالة التخبط في سياسة ترامب والتي لا تنم عن وعي في السياسة الدوليه فهو يحلل الامور فقط من البعد الاقتصادي، ويمكن ان نضيف سبب ثالث غير معلن ويتمثل في خضوع ترامب وسماعه لنتنياهو حيث تسعى اسرائيل مع حلافائها في المنطقه العمل على عرقلة النهضه الحضاريه التي تقودها تركيا وما لها من تداعيات خطيره على اسرائيل وخاصة بعد فوز اردوغان والزخم الشعبي الذي يحظى به في اوساط امتنا العربيه والاسلاميه.

  4. في الإقتصاد ، تصريحات و تغريدات لا يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة إن كانت العوامل الأساسية للإقتصاد سليمة .
    ذاك لا يعني أن الإقتصاد التركي تعبان ، و لكن داقماً هناك ردّات تصحيحية ، و قد يكون الإقتصاد التركي في إحداها ، خصوصاً مع إرتفاع الفائدة على الدولار الأمريكي مما يزيد من تكلفة الديون ، و رفض الرئيس التركي رفع الفائدة على العملة التركية للحد من التضخم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left