بين تونس وميونيخ: زئبقية مفهوم الضحية

مالك التريكي

Aug 18, 2018

يتعرض زعيم حزب العمال البريطاني جريمي كوربين منذ أكثر من أسبوع لحملة شعواء بعد أن نشرت جريدة «ديلي ميل» صورا التقطت له عام 2014 وهو يضع إكليل ورود على ضريح في مقبرة الشهداء الفلسطينيين في ضاحية حمام الشط جنوب تونس العاصمة. قامت القيامة الإعلامية لأن في عداد هؤلاء الشهداء «إرهابيين» نفذوا العملية التي أدت إلى مقتل رياضيين إسرائيليين أثناء الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972. ومنذ نشر الصور أصبح السؤال المهيمن في كل نشرة أخبار إذاعية وتلفزيونية هو: هل وضع إكليل الورد أم لم يضع؟
وتأتي الحملة الجديدة في سياق الحملة الأوسع التي لا تزال مستمرة منذ أشهر والتي تتركز على مزاعم انتشار العداء للسامية بين أعضاء حزب العمال وناشطيه. وبمثلما أن الإعلام الغربي لا يهتم بأن يعرف للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وجها ولا اسما، ولا يأتي على ذكرهم إلا كرقم إحصائي غفل من الدلالة الإنسانية، بينما يصدّع آذاننا بتفاصيل مأساة أي جندي إسرائيلي يقع في الأسر حتى صرنا نعرف المدعو جلعاد شاليط، على سبيل المثال، حق المعرفة ونعرف أمه وأباه وبني عمومته، بل حتى صار هو نفسه في بعض الفترات بمثابة فرد يعيش معنا في بيوتنا لا يكاد يمر يوم إلا استوقفنا بشأنه الإعلام الغربي ليحكي ويبكي ويستبكي، فإن هذا الإعلام قد اغتنم فرصة «الصور الفاضحة» ليعرّفنا طيلة الأسبوع المنقضي على أرامل (وأمهات وخالات وعمات..) الرياضيين الإسرائيليين الذين قتلوا عام 1972، فإذا هو عود للبكاء والاستبكاء وللتعبير عن لوعة الفقد التي لا تسكن أبدا وعمق الجراح التي لا تندمل.
حاول المتحدثون باسم حزب العمال التوضيح بأن الحفل الذي شارك فيه كوربين عام 2014 بدعوة رسمية من الحكومة التونسية لم يكن فقط لتكريم «إرهابيّي» عملية ميونيخ الذي صاروا بعد ذلك من ضحايا اغتيالات الموساد، وإنما أيضا لتكريم الضحايا الفلسطينيين والتونسيين الذين قتلوا أثناء الغارة الجوية التي نفذتها الطائرات الإسرائيلية على حمام الشط في أول تشرين الأول (أكتوبر) عام 1985.
حاولوا التوضيح والتذكير بأن هنالك ضحايا آخرين كثرا غير ضحايا ميونيخ الإسرائيليين الأحد عشر، ولكن لم يصغ للتوضيح والتذكير أحد. فقد تابعت مختلف النشرات الإذاعية والتلفزيونية طيلة الأسبوع، ولكن لم يحدث ولو مرة واحدة أن طرح الإعلام السؤال: ما الذي حدث بالضبط عام 1985 في تونس؟ وما هي قصة هؤلاء الضحايا العرب الذين لا وجه لهم ولا اسم؟ الذين لا أرامل لهم ولا أمهات ولا خالات ولا عمات فيستجوبهن الإعلام الغربي ويستوضحهن عن لوعة الفقد وعمق الجراح.
وهكذا عرف الجمهور البريطاني مجددا قصة ضحايا ميونيخ الإسرائيليين مع وفر في الأسماء والوجوه، ولكنه لم يعرف أي شيء عن خمسين ضحية من الفلسطينيين وثمانية عشر ضحية من التونسيين وأكثر من مائة جريح في الغارات الثلاث التي نفذتها ثماني مقاتلات إسرائيلية من طراز اف 15 واف 16 على حمام الشط. كان هذا العدوان على أرض تونس هو أكبر هجوم تشنه إسرائيل على منظمة التحرير الفلسطينية منذ خروجها من بيروت. وكان هدف الهجوم (الذي وصفه الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بأنه «شرعي» والمتحدث باسم البيت الأبيض لاري سبيرز بأنه «رد مناسب على أعمال الإرهاب، ودفاع مشروع عن النفس») هو القضاء على ياسر عرفات وكامل القيادة العسكرية الفلسطينية. وقد صوت 14 من أعضاء مجلس الأمن الـ15 بإدانة العدوان الإسرائيلي ومطالبة إسرائيل بتقديم تعويضات لتونس عن الخسائر المادية التي قدرت بستة ملايين دولار. ومعروف أن العادة جرت بأن تكون أمريكا سدا منيعا ضد أي محاولة لإدانة إسرائيل.
إلا أن ما حدث عام 1985 قد كان استثناء: إذ إن إدارة ريغان قررت الامتناع عن التصويت على القرار 573 بعد ما تأكد لها أن بورقيبة كان جادا كل الجد عندما استدعى السفير الأمريكي وهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية لو أن واشنطن استخدمت الفيتو لمنع إدانة العدوان الإسرائيلي.

٭ كاتب تونسي

بين تونس وميونيخ: زئبقية مفهوم الضحية

مالك التريكي

- -

1 COMMENT

  1. رجاءا ترجمة مقالك هذا و نشره في guardian أو independent. نحن كفلسطينيين و عرب نعرف ذلك و لكن يجب أن يصل هذا الكلام للقاريء البريطاني.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left