المجنون أم الفيلسوف المدخن من سيقضي على إعصار مانشستر سيتي؟

عادل منصور

Aug 18, 2018

لندن ـ «القدس العربي»: عاد الصخب والضجيج الى الملاعب الإنكليزية بانطلاق الدوري الأشهر عالميا «البريميرليغ»، ومعه تنبعث الحياة من جديد في سوق المراهنات وألعاب «الفانتازي» الشهيرة جدا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الجديد هذه المرة، اتساع دائرة التوقعات، وتغيرها بشكلها وترتيبها عن التوقعات المُعتادة في العقد الماضي، وربما منذ تغيير المسابقة بنظامها ومُسماها الجديد في بداية حقبة التسعينات.

تغير موازين القوى

حتى عام 2013، كان من الممكن أن تصف من يتجاهل مانشستر يونايتد كأقوى أو ثاني أقوى المُرشحين للفوز بلقب البريميرليغ بـ»المجنون» أو «الحاقد» على الفريق، وجزء كبير من الهيبة التي كان عليها «الشياطين الحمر» طوال التسعينات والعقد الأول من الألفية الجديدة، يُنسب لشيخ المدربين سير أليكس فيرغسون، وخبرته وتمرسه على البطولة على مدار سنوات لا تُقدر بثمن، يكفي نجاحه في تنفيذ وعده وحلمه الشخصي بتخطي عدد ألقاب العدو الأزلي ليفربول، رغم أنه حين قال العبارة التاريخية «التحدي الأكبر بالنسبة لي ليس هذا الإنجاز…التحدي الأكبر هو توسيع فارق الألقاب بيننا وبين ليفربول»، كان في سجل يونايتد 7 ألقاب دوري مقابل 18 للريدز، هو ما جعله مثار سخرية آنذاك، في نهاية الثمانينات، قبل أن يصدق القول بتسليم مفاتيح «مسرح الأحلام» وفي الخزانة 20 لقبا، بفارق اثنين عن المنافس المباشر، لكن المُلاحظ منذ تقاعده على مدار المواسم الخمسة الماضية، أن هناك شيئا ما مفقود! الفريق لم يَعد بنفس الشخصية التي كانت تُمكنه من غزو ملاعب إنكلترا بأنصاف لاعبين وموظفين، بدون ذكر أسماء، رغم أن الإدارة أنفقت ملايين طائلة باستثناء هذا الصيف، وهذا ينعكس في الخروج التدريجي لليونايتد من قائمة المُرشحين كل موسم، إلى أن وصل به الحال للخروج من الثلاثة الأوائل المُرشحين للفوز من جانب المراهنين وأغلب النقاد ومتابعي الكرة الإنكليزية، والأسوأ حالاً بطبيعة الحال هو آرسنال، الذي بالكاد خرج من دائرة المنافسة تقريبا، وفي المقابل أصبح مانشستر سيتي وليفربول وبدرجة أقل تشلسي وتوتنهام أقوى وأبرز المُرشحين لإنهاء الموسم في أول ثلاثة مراكز.

توقعات

على المستوى الشخصي، اتفق مع الترشيحات التي تميل أكثر للثلاثي ليفربول وتشلسي ومانشستر سيتي بنفس الترتيب، لماذا؟ بغض النظر عن نتائج الجولة الثانية التي تُلعب وقت كتابة المادة. فهناك حقيقة ثابتة وراسخة لم تتغير في الدوري الإنكليزي الممتاز طوال العقد الماضي، بعدم احتكار أي نادٍ على اللقب مرتين على التوالي، آخر من فعلها، كان يونايتد مع فيرغسون ثلاث مرات بين 2006 و2009، ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن أي فريق إنكليزي من الاحتفاظ باللقب مرتين على التوالي، بل الأخطر من ذلك، أنه في السنوات الست الماضية، اعتدنا على سيناريو تّحول لقب البريميرليغ إلى لعنة على صاحبه أو السحر المُنقلب على الساحر، كما حدث مع يونايتد في الموسم التالي لآخر لقب حققه 2012-2013، أنهى الموسم في المركز السابع! وتكرر السيناريو بشكل أبشع مع تشلسي بحصوله على المركز العاشر في الموسم التالي لفوزه باللقب مع مورينيو 2014-2015، ثم مع ليستر وتشلسي مرة أخرى، وهذا يعكس لنا مدى الصعوبة التي يواجهها حامل اللقب في السنوات الأخيرة، ليس فقط للمنافسة على لقبه، بل لتصحيح أوضاعه وتفادي الانهيار.

صداع آخر في رأس الفيلسوف

صحيح الفريق السماوي استهل رحلته بفوز مُقنع على آرسنال خارج القواعد بهدفين نظيفين بأقل مجهود، في رسالة واضحة وصريحة أنه لن يواجه المجهول أو بالأحرى لن يستسلم للعنة اللقب وسيستميت عليه، لكن دعونا نتفق على أن الفيلسوف الكتالوني بيب غوارديولا، لن يُعطي الدوري نفس أهمية وتركيز الموسم الماضي على أقل تقدير. كيف؟ هو يُدرك تماما أن الفوز بالدوري ليس الهدف الأسمى والأهم بالنسبة للإدارة المستحوذة على النادي، التحدي القادم هو كسر عقدة دوري أبطال أوروبا، خاصة بعد حجم الإنفاق الهائل الذي بلغ نصف مليار جنيه إسترليني في العامين الماضيين، وهذا بطبيعة الحال سيتطلب منه بعض التضحيات، حتى لا يظهر بالصورة الباهتة التي كان عليها في الكأس ذات الأذنين الموسم الماضي، وانتهت بخروج شبه مُذل على يد صلاح ورفاقه، والسبب كما نعرف، التركيز على البريميرليغ الذي أنهاه برقم قياسي في عدد النقاط، وصل لـ100 نقطة، ما يعني أن بيب مُطالب الآن إما بالتضحية قليلاً بالدوري ليُحقق البطولة التي جاء من أجلها للمان سيتي، وهذا في حد ذاته، سيكون طوق نجاة لأكثر المنافسين جدية ورغبة على اللقب، أو سيُفضل اللقب المحلي على الأوروبي، وهنا سيُقامر بمستقبله إذا خسر الاثنين في نهاية الموسم.
أضف إلى ذلك، الخوف من ظهور نقاط ضعف الفريق، التي كشفها المجنون في احتفالاته يورغن كلوب، بتفوقه الكاسح والساحق على غوارديولا في مباراة إياب الدوري ومباراتي دوري الأبطال، ونفس الأمر فعله جوزيه مورينيو في مباراة الدربي، التي خسرها السيتي 3-2 على ملعب «الاتحاد»، بعدما كان متقدما 2-0 مع نهاية الشوط الأول، وهذا بالكاد ما ستحاول أندية البريميرليغ تطبيقه على أرض الملعب أمام كتيبة بيب، بضغط هائل من منتصف الملعب لمنع دي بروين وبقية السحرة من اللعب بأريحية في وسط ملعب المنافسين، لذلك ستكون حملة دفاع مانشستر سيتي عن لقبه صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة، إلا إذا وجد غوارديولا أفكارا وحيلا جديدة يُفاجئ بها مدربي الدوري، تجسيدا للمثل الذي نسمعه كثيرا في الأفلام والمسلسلات العربية «يتغدى بهم قبل ما يتعشوا به»، كما فعلوا من قبل مع مورينيو ورانييري وكونتي، بإيجاد الخلطة السحرية لإيقاف طرقهم في الموسم التالي بعد التتويج.

خطر قادم لا محالة!

سجلت مدرسة التدريب الإيطالية نجاحات هائلة في الكرة الإنكليزية على مدار السنوات الثماني الماضية، بدأها كارلو أنشيلوتي بفوزه بلقب الدوري مع تشلسي موسم 2009-2010، ثم روبرتو مانشيني مع المان سيتي موسم 2011-2012، وتبعه كلاوديو رانييري بمعجزته مع ليستر 2015-2016، وفي الموسم التالي فعلها أنطونيو كونتي مع تشلسي، والآن بدأت تتجه الأعين نحو أخطر وأحدث القادمين من بلاد البيتزا، وهو الفيلسوف المُدخن ماوريتسيو ساري، الذي وضحت بصماته سريعا، بطريقته المختلفة تماما عن سلفه الإيطالي، التي تعتمد على التمرير القصير المباشر إلى الأمام، أشبه بأسلوب «تيكي تاكا»، مع تحكم بطول الملعب وعرضه. تشعر وكأنك تشاهد لعبة «شطرنج» لكن بأجساد بشرية، مُنتشرة بشكل مثالي في كل متر في الملعب، لذلك، لاحظنا سهولة عملية استخلاص الكرة في لحظات بعد فقدانها في الثلث الأخير من الملعب في اللقاء الافتتاحي، ناهيك عن الشراكة المُبشرة في وسط الملعب بين نغولو كانتي والوافد الجديد جورجينيو. لو حافظ هذا الثنائي على نفس المستوى والانسجام والتفاهم أطول فترة ممكنة، سيكون البلوز حاضرا بقوة في فترة أعياد الميلاد، خاصة بعد النجاح في تحدي الإبقاء على أبرز النجوم، في مقدمتهم إيدن هازارد وويليان، رغم الضغط الهائل لنقلهما لعملاقي الليغا الريال والبارسا. فقط المشكلة الوحيدة التي واجهت الرجل الذي يُدخن ما يزيد على 60 سيجارة في يومه العادي، خروج تيبو كورتوا من الفريق، لكنه عالجها سريعا بجلب أغلى حارس مرمى في التاريخ كيبا من بلباو.
في المقابل، يُمكن القول الإبقاء على هازارد في حد ذاته، أشبه بالصفقة الجديدة. الآن الدولي البلجيكي في أوج لحظاته كلاعب من الطراز العالمي، ووجود ساري بأفكاره الذي تتناسب مع أصحاب المهارات الخاصة، سيُساعده على تفجير موهبته الكروية ربما بشكل غير مسبوق، ولنا في أكثر من لاعب سابق نجح ساري في إعادته إلى «سطح القمر» كما يقول الإنكليز. أبرزهم غونزالو هيغواين وكاييخون وميرتينز وآخرون، وضحت عليهم بصمة المُلقب بالفيلسوف الإيطالي، الأمر ينطبق كذلك على ويليان، هو كذلك في لحظات استثنائية في مسيرته كلاعب، ويملك ما يكفي من الخبرة والجودة والكفاءة، لمساعدة ساري على السير على خطى أبناء جلدته الأربعة السابقين، ومعه البرازيلي الآخر دافيد لويز، المتُعطش لممارسة الكرة، بعد موسمه الماضي المُخيب للآمال.
ومن حُسن حظه، أن ساري جاء في الوقت المناسب، لينشله من براثن الضياع، لكن على المدافع الثلاثيني أن يُحسن استغلال الفرصة. وقبل أي شيء، عليه أن يُركز على تقديم عصارة خبرته لدفاع البلوز، ونسيان اللعب الاستعراضي وعمل المراوغات المُرعبة عندما يكون آخر لاعب في الملعب، فقط عليه تنفيذ تعليمات المدرب، باستغلال مهارة التمرير الصحيح من الدفاع إلى الوسط لبناء الهجمة بشكل صحيح، كما يُفضل ساري، في الغالب، لو سخر موهبته ومهارته، سيكون له دور كبير مع الفريق هذا الموسم، ومشاركته في اللقاء الافتتاحي، عكست اقتناع وتمسك المدرب به، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من الرحيل إذا لم يُغادر كونتي، ولا ننسى أيضا، أن هناك صفقة منسية، روس باركلي، الذي لم يُحالفه الحظ لتقديم أوراق اعتماده بعد قدومه في الشتاء بسبب لعنة الإصابة، ومتابعو البريميرليغ بوجه عام وإيفرتون بالأخص، يعرفون قيمته وخطورته عندما ينطلق بالكرة من الخلف إلى الأمام. لذلك سيكون له دور كبديل استراتيجي لساري في أوقات معينة، أو في عمل المداورة مع كانتي وجورجينيو وبقية لاعبي الوسط، وإذا سارت الأمور على ما يُرام، فلن تكون مفاجأة عندما نجد تشلسي منافسا لا يُستهان به على اللقب.

المُرشح الأقوى

نظريا وواقعيا، يبدو ليفربول أقوى وأشرس المنافسين على اللقب في الحملة الجديدة. نتحدث عن الفريق المُتسلح بهداف وأفضل لاعب في البريميرليغ الموسم الماضي. محمد صلاح بوصوله لهرم نجومية كرة القدم، أصبح مُلهم الريدز والبطل الذي تَعول عليه الجماهير لتحقيق أول لقب للبريميرليغ بمسماه الحديث، وحفاظه على نفس مستواه الذي يظهر عليه منذ بداية عام 2018، من شأنه أن يُعطي ليفربول أفضلية لمعانقة اللقب أكثر من أي وقت مضى في السنوات القليلة الماضية، وربما منذ بداية التسعينات، خاصة بعد التدعيمات الأخيرة، التي ظهر تأثيرها فوريا، مع المدافع الهولندي فان دايك، الذي أعاد الهيبة والاتزان للدفاع منذ قدومه من ساوثهامبتون في فصل الشتاء، حتى لغة الأرقام تقول أنه من أصل 15 مباراة خاضها مع الفريق منذ وصوله، حافظ الفريق على شباكه نظيفة في ثماني مباريات، ولم تهتز الشباك ولو مرة واحدة على أرضية «أنفيلد» في وجوده. كذلك الوحش الأفريقي نابي كيتا، قدم أوراق اعتماده كلاعب في طريقه ليكون من الطراز العالمي، برؤيته ودقة تمريراته وأسلوبه الإيجابي على المرمى، بطريقة جعلت واحدا من ألقابه «تشافي أفريقيا». وبوجه عام، لا خلاف أبدا أن وجوده يُمثل إضافة كبيرة لوسط ليفربول، وخير تعويض لكوتينيو. ومن أهم الأسلحة التي يعول عليها كلوب في رهانه على إعادة لقب البريميرليغ إلى «أنفيلد» جناحه المهاجم السنغالي ساديو ماني، الذي يُشكل الضلع الثالث في مثلث فيرمينو وصلاح، هذا الثلاثي بالذات، تنتظر منه الجماهير كثيرا هذا الموسم، وحفاظهم على حالة الانسجام التي كانوا عليها بعد كوتينيو، ستكون فارقة في مشوار الفريق في الدوري، بعد سد الثغرات والمشاكل التي كان يُعاني منها ليفربول دائما، المتمثلة في هشاشة مركز حراسة المرمى وقلب الدفاع وبدرجة أقل الوسط، وحدث ذلك بجلب الحارس اليسون ومن قبله فان دايك بالإضافة لنابي كيتا وفابينيو وشيردان شاكيري، وكأن كلوب وضع لمسته الأخيرة في المشروع الذي يعمل على بنائه منذ توليه المهمة خلفا لبرندان رودجرز أواخر 2015، ولا يتبقى سوى جني الثمار، والمؤشرات الواضحة في التحسن الهائل في مستوى الفريق من الناحية الجماعية والفردية مع الوفرة في كل المراكز مثل المان سيتي، تبعث الكثير من التفاؤل لدى الجماهير المتعطشة لرؤية البريميرليغ داخل «أنفيلد». فهل سيحدث هذا السيناريو التخيلي؟ أم ستبقى كرة القدم كما عودتنا دائما لا تخضع لأي منطق؟

المجنون أم الفيلسوف المدخن من سيقضي على إعصار مانشستر سيتي؟

عادل منصور

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left