أزمة في أنقرة: حروب ترامب التجارية ومغزاها السلبي على أمريكا والعالم

إبراهيم درويش

Aug 18, 2018

تواجه الليرة التركية أزمة حادة وهي في وضع متقلب بسبب الأزمة السياسية مع الولايات المتحدة، فهي تستقر يوما وتنخفض آخر. وتقوم حكومة رجب طيب اردوغان باتخاذ علاجات تسكينية رافضة رفع سعر الفائدة وتحاول تأخير طلب الدعم الخارجي الذي يعني الذهاب إلى صندوق النقد الدولي. ويأتي هذا عادة بحزمة من الحلول وعلى رأسها زيادة سعر الفائدة وخفض النفقات وسياسة التقشف مما يعني توقفا في عجلة النمو والتي كانت وراء نجاحات حكومة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الذي خاضها منذ عام 2003 ولم يخسر أي منها.
وفي قلب الأزمة الاقتصادية التي تثير مخاوف الاقتصاديات الناهضة وحتى الدول الأوروبية حال استمرت عدواها أزمة سياسية مدارها القس الأمريكي أندرو برونسون المعتقل منذ كانون الأول (ديسمبر) 2016 بتهم مساعدة الإرهاب والانقلاب الفاشل في تموز (يوليو) 2016 ضد الرئيس اردوغان.
بدأت الحملة على تركيا بتغريدات الرئيس دونالد ترامب التي قال فيها إن العلاقة مع تركيا ليست جيدة ثم جاءت تصريحات مايك بينس، نائب الرئيس التي دعا فيها أنقرة للإفراج عن القس برونسون وبعدها تهديدات مايك بومبيو وزير الخارجية بالعقوبات ثم إجراءات الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على وزير الداخلية والعدل التركيين لدورهما في اعتقال برونسون. وتبع ذلك زيادة التعرفة الجمركية على الألمنيوم والفولاذ التركي وهو الذي أدى لخسارة الليرة التركية جزءا كبيرا من قيمتها.
وفي وقت بدأت فيه الأزمة تترك معالمها على الاقتصاد التركي والاقتصاديات الناهضة، بدأت لعبة التلاوم والتحدي بين واشنطن وأنقرة، حيث هدد اردوغان بمقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (10/8/2016) بالبحث عن تحالفات جديدة (الصين وروسيا) وتحدث عن مظلوميات عدة منها عدم تسليم رجل الدين التركي فتح الله غولن المتهم بالتخطيط لانقلاب عام 2016 الفاشل ودعم الجماعات الإرهابية الكردية في تركيا وسوريا. ولم تكن العلاقات الأمريكية-التركية في أحسن حالاتها، فهي في تدهور مستمر منذ أيام باراك أوباما الأخيرة والخلاف حول دعم قوات حماية الشعب الكردية ومن ثم التقارب التركي-الروسي واتهام أنقرة بشراء أنظمة دفاعية روسية مع أن حلفاء واشنطن في الخليج وقعوا صفقات عسكرية لشراء منظومات كهذه.
ووجدت سياسات ترامب ضد تركيا صدى بين المعلقين الغربيين الذين أكدوا أن الأزمة في تركيا هي داخلية ومتجذرة في سياسات اردوغان الديكتاتورية ومحاولته السيطرة على الحكم وعدم اهتمامه بنصيحة النخب التي تفهم الاقتصاد. وأشاروا إلى أن الليرة تراجعت منذ بداية العام الحالي. وأكدوا أن الحل هو رفع سعر الفائدة وتعزيز سلطة البرلمان وحرية الإعلام والإفراج عن المعتقلين.
ويجب علينا فهم الأزمة في سياقها المحلي والدولي، فهي جزء من حروب دونالد ترامب التجارية التي بدأها ضد جيرانه في المكسيك وكندا باسم حماية الأمن القومي الأمريكي وتعزيز عقيدة «أمريكا أولا» وهي صورة عن الحرب القائمة مع الصين وروسيا التي فرضت عليها عقوبات بسبب ضمها أوكرانيا مع أن العلاقة بين ترامب وموسكو تظل غامضة وبدت واضحة في مؤتمره الصحافي مع فلاديمير بوتين في هلنسكي حيث بدا مصدقا الرئيس الروسي في تأكيده ان لا تدخل روسيا حدث في انتخابات عام 2016. فأمريكا ترامب تبدو عازمة على استخدام هيمنتها على الاقتصاد العالمي وتحكمها بالنظام المالي لمعاقبة بل وتغيير الأنظمة في الدول التي تراها خارجة عن طوعها وهو ما يبدو واضحا في العقوبات الاقتصادية الجديدة على إيران وانهيار الريال كوسيلة لإضعاف النظام بل وتغـيـيره. وبدا الأمر أكثر وضوحا من خلال تعيين فريق خاصة لمتابعة الوضع في إيران.
وقبل الحديث عن جدوى الحروب الاقتصادية وأثرها على الاقتصاد العالمي، هناك أسئلة طرحت حول قدرة تركيا إعادة كتابة قوانين الأزمات في الاقتصاديات الناهضة؟ ويرى الاقتصادي المعروف محمد العريان في مقال نشره موقع «بروجيكت سيندكيت» (16/8/2018) أن تركيا تقوم عن قصد أو دونما قصد بإعادة كتابة فصل إدارة الأزمات في الاقتصاديات الناهضة، فبدلا من زيادة سعر الفائدة أو البحث عن تمويل خارجي يدعم السياسات الحكومية، تبنت أنقرة مزيجا من الإجراءات المباشرة والجزئية، في وقت تواجه فيه أزمة تعرفة ضريبية مع الولايات المتحدة وتعمل ضمن اقتصاد عالمي مائع. والطريقة التي سيتمظهر فيها أثر الإجراءات مهمة ليس لتركيا ولكن للاقتصاديات الناهضة التي ستصاب بالعدوى. ويعتقد العريان أن الأزمة التركية الحالية هي تكرار لأزمات أخرى أصابت الاقتصاديات الناهضة والتي كانت نتاجا لعوامل محلية وخارجية مثل نمو مرتفع قائم على القروض وقلق حول سياسة البنك المركزي وفعاليته. ومع تصاعد الأزمة مع تركيا فقد تأثرت العملة التركية في ظل ضعف للاقتصاد العالمي.
ومثلما يحدث عادة في الاقتصاديات الناهضة فقد انتشرت عدوى العملة التركية، وكلما طال أمد الأزمة كلما كان أثرها معوقا للاقتصاد العالمي. ولهذا السبب وجدت البنوك المركزية في دول عدة من الأرجنتين إلى هونغ كونغ وأندونيسيا حاجة للقيام بإجراءات عاجلة للحد من أثر الأزمة التركية على عملاتها إلا أن أنقرة رفضت لحد الآن اتخاذ الإجراءين المطلوبين لمواجهة أزمات كهذه وهو رفع سعر الفائدة وطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، وقررت بدلا من ذلك تطبيق سياسات تحفيز اقتصادية من مثل تقييد شروط التمويل وتوفير السيولة للبنوك المحلية وغير ذلك من الإجراءات التي استهدفت المضاربين. وعلى الصعيد الخارجي حصلت على دعم 15 مليار دولار من قطر لاستخدامه في الاستثمار المباشر. والسؤال فيما إن كانت هذه الإجراءات كافية لمنح الاقتصاد التركي فرصة للتعافي، وهذا مهم لأن استمرارها يعني دخوله في حالة ركود وزيادة تضخم وتزيد من الضغوط على النظام المصرفي وتقود لإفلاس الشركات. والسؤال إن كانت هذه الإجراءات كافية بطريقة لا تلجأ فيها الحكومة للدعم الخارجي. ويرى العريان أن هناك احتمالا. فالإجراءات التصحيحية قد تخفف عن العملة لكنها لا تقدم دواء طويل الأمد يضع الاقتصاد على مسار النمو وتمنح استقرارا ماليا طويل الأمد. وحتى لو وصل الدعم القطري في وقته فلا يعرف كيف سيترك أثره ويظل مبلغا زهيدا مقارنة مع الدعم المالي الخارجي الذي تحتاجه تركيا. ويضيف أن تركيا ستكتشف لاحقا كما اكتشف الآخرون أن موقف الحماية الذي تبنته مثل أمريكا لن يكون ناجحا، فالأخيرة قادرة على تحمل الأضرار نظرا لحجمها وتأثيرها وستنتصر في أي معركة ضرائب. والطريق الناجح هو ما تبناه الاتحاد الأوروبي أي وقف المناوشة والعمل على القضايا طويلة الأمد. ويخشى أن تؤكد الأزمة التركية قوانين الاقتصاديات الناهضة بدلا من إعادة كتابتها. والإصرار على الموقف من استقلالية البنك المركزي وسعر الفائدة يعني مفاقمة الأضرار.
وتعتقد مجلة «إيكونوميست» (18/8/2018) أن أزمة الليرة التركية تحمل معها مخاطر على الاقتصاديات الصاعدة، حيث يهرب المستثمرون الخائفون حاملين معهم العدوى وعلى الاقتصاد التركي الذي يحضر نفسه لركود عميق وعلى الغرب الذي قد تنهارعلاقاته مع الغرب. وتشير إلى أن الغرب في الظروف العادية كان يمكنه مساعدة ونصح أردوغان في تغيير سياساته والبحث عن طرق للحد من الأزمة لكنه خائف من إغضابه ويخشى فتح بوابة المهاجرين عبر تركيا. وفي الوقت نفسه يخوض ترامب وبطريقة سخيفة مبارزة مع الزعيم التركي ويتبادلان التهديدات ويثيران النعرات الوطنية ولا يريد أي منهما التراجع خشية ان يبدو ضعيفا. وترى المجلة أن تركيا على المدى القصير ستعاني من الأزمة حيث بدأت الأسعار بالارتفاع. أما على المدى الطويل فستعاني أمريكا أيضا، فتركيا تعتبر حليفا مهما للغرب وتقع بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا ولو سقطت فستجد نفسها مجبرة للتحالف مع الصين وروسيا. وتقول إن ترامب محق بالضغط على تركيا للإفراج عن القس برونسون ومخطئ في استخدام الرسوم الجمركية. فالقواعد التي تحكم النظام التجاري هي الدول لا الإجراءات التعسفية. ويجب على ترامب واردوغان العثور على وسيلة تحفظ ماء الوجه، تماما كما فعل اردوغان مع روسيا وترامب مع كوريا الشمالية. وهو ما سيمنح الغرب وصندوق النقد الدولي الفرصة لمساعدة تركيا ومنعها من الهاوية. وتعتقد المجلة أن تركيا مهمة ويجب عدم التخلي عنها.
وفي ظل رئيس يفرح في تغذية النزاعات ويدير حروبه عبر تويتر، فإن استخدام وإساءة استخدام العقوبات وزيادة التعرفة الجمركية يضعف المصالح الأمريكية وحلفائها كما ترى «فايننشال تايمز» (14/8/2018). وتقول إن العقوبات تلعب دورا مهما في الدبلوماسية الحديثة، فهي تقدم وسائل لممارسة الضغط تمنع من استخدام العمل العسكري. لكن إدارة ترامب باتت تعتمد عليها لتجنب التورط في نزاعات عسكرية تورطت فيها الإدارات السابقة «فالبيت الأبيض لا يستخدمها بشراسة ولكنه يتخذها من طرف واحد كما هو الحال في إعادة فرض العقوبات على إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الإتفاقية النووية لعام 2015 مع طهران. ومن المتوقع استخدام ترامب هذه الإجراءات أكثر في محاولة قطع الطريق على الدبلوماسية الهادئة ولكي يحصل على نتائج سريعة». فالعقوبات تمثل بالنسبة لترامب الطريق لزيادة نفوذه في التعامل مع الدول ولكن بدون أي أجندة واضحة. وهو يستخدمها كوسيلة لإرضاء قاعدته الانتخابية. والمطالبة بالإفراج عن برونسون مهم لقاعدته الإنجيلية في ظل التحضير للانتخابات النصفية. ومن هنا فعدم الحذر في استخدام العقوبات سيترك أثارا مقلقة على الاقتصاد العالمي. فتركيا ليست عضوا في الناتو وحليفا مهما للولايات المتحدة في الشرق الأوسط فأزمتها الاقتصادية ستترك آثارها على الاقتصاديات الناهضة. كما أن عقوبات أمريكا ستدفع الحلفاء إلى أحضان الأعداء وتعيد تشكيل التحالفات، فالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي تعرضت لهجوم من ترامب الشهر الماضي استقبلت بوتين في برلين السبت في محاولة لتأكيد دور ألمانيا في أوروبا وحماية نفسها ومصالحها حسب «بلومبيرغ» (17/8/2018). وتحاول موسكو استغلال الخلافات الأوروبية-الأمريكية لتخفيف العقوبات المفروضة عليها وكذا العثور على موطئ قدم لها في تركيا فيما عرضت الصين المساعدة على الباكستان بعدما ألمحت واشنطن أنها ستعوق مساعدة صندوق النقد الدولي لها.
ولهذا فالمطلوب من أمريكا استخدام سياسة العقوبات بشكل حكيم وإلا فإنها ستعجل من تراجع تأثيرها على الاقتصاد الدولي وليس كما يحلم ترامب «أمريكا أولا». ويبرر الرئيس سياساته الجمركية انها من أجل حماية الصناعات الوطنية لكن استطلاعا أجراه «سي أن بي سي غلوبال سي أف أو كاونسل» قال ثلثا المشاركون فيه إن زيادة التعرفة الجمركية ستضر بالاقتصاد فيما قالت نسبة 86.9 في المئة أنها ستضر بالاقتصادين الأمريكي والصيني. وتساءل موقع «بيغ ثينك» (10/7/2018) إن كانت الحروب التجارية تضع أمريكا أولا أم في المؤخرة؟ وأجاب أن التاريخ يقدم دروسه. ففي عام 1930 وقع الرئيس هوفر قانون التعرفة الجمركية لحماية الاقتصاد الأمريكي متجاهلا العرائض التي قدمها الاقتصاديون والآراء الناقدة في الإعلام. وكان أثره انخفاض الواردات والصادرات الأمريكية، حيث أعلنت الدول الأخرى عن سياسات مقابلة. ووصفت مجلة «إيكونوميست» في حينه الخطوة بالقول «سمم القانون البئر الفارغة للتجارة الدولية». وبالمحصلة فأمريكا أولا التي تعبر عن سياسة انعزالية نرجسية للرئيس تعني في جوهرها «أمريكا وحيدة» والتاريخ يقول ان الدول التي لا تقف معا تنهار معا.
11HAD

أزمة في أنقرة: حروب ترامب التجارية ومغزاها السلبي على أمريكا والعالم

إبراهيم درويش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left