التوترات في التحالف التركي-الأمريكي تصل إلى نقطة اللاعودة

رائد صالحة

Aug 18, 2018

واشنطن ـ «القدس العربي»: أدى التضخم السريع والتأثير السياسي على العملة وتدحرجها إلى دخول اقتصاد تركيا في أزمة. وفي الوقت الذي طالب فيه الزعماء والمحللون الأوروبيون تركيا برفع الفائدة لتهدئة اقتصادها المحموم، قام الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان بنقد القوى الغربية بتهمة شن «حرب اقتصادية» على بلاده.
وساعدت القروض السهلة من البنوك الأوروبية تركيا على دعم التوسع الضخم الذي مولته الديون، والذي عزز اقتصاد البلاد، ولكنه وفقا للعديد من المحللين الأمريكيين، أدى أيضا، إلى ارتفاع معدل التضخم. وتواجه البنوك خسائر بمليارات اليورو في ظل انخفاض الليرة ما يجعل الدين أكثر صعوبة في السداد.
وفي الواقع، تبدو الأمور أكثر من حرب اقتصادية، إذ ألمح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى ان هذا كان قرارا سياسيا، وأشار إلى أنه كان يراقب سعر صرف الليرة التركية، وقال انه سيخنق تركيا إذا لم تطلق سراح القس الأمريكي، كما غرد مرارا وهو يعرب عن بهجته لانه ساهم في انزلاق الليرة ما أدى لكثير من الفوضى في السوق.
وتلعب العوامل النفسية دورا كبيرا في مثل هذه اللحظات، إذ تفضل إدارة ترامب بشكل متزايد شن الحروب الاقتصادية بدلا من نشر القوات العسكرية لممارسة أقصى قدر من الضغط في السعي لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، وروسيا والصين وفنزويلا وإيران وغيرها، أمثلة واضحة على ذلك.
وقد أصبح اردوغان رجلا بارزا، بسبب سياساته الخارجية المستقلة التي تقوض الاستراتيجيات الأمريكية الإقليمية ولكن معضلته تكمن الآن في انه لا يرغب في الاقتراب من صندوق النقد الدولي من أجل الانقاذ، لأنه إذا فعل ذلك، فهذا يعني انه سيخضع السياسات التركية لرقابة أمريكية صارمة، والحل هو تلقي المساعدة من مكان آخر.
الولايات المتحدة بدورها، تملك حصة مالية محدودة في تركيا، ولكن الأزمة المالية الممتدة هناك قد تنشر الفوضى من خلال الأسواق المالية وتطرح تحديات أمنية وطنية جديدة لإدارة الرئيس الأمريكي.
وتأتي هذه الأزمة في تركيا، وفقا لآراء العديد من المحللين الأمريكيين، في الوقت الذي تنشغل فيه البلاد في نزاع مع الولايات المتحدة بشأن احتجاز القس أندرو برونسون، وهو أمر أثار غضب ترامب.
ولكن ما هي عواقب الأزمة التركية على مصالح الولايات المتحدة نفسها؟ الإجابة تتوزع على خمس طرق يمكن ان تؤدي إلى آثار سلبية على واشنطن التي تحاول بشكل واضح خنق تركيا لأسباب عديدة تتجاوز قضية القس.
اضطرابات في الأسواق الناشئة: تقول المحللة سيلفان لاين ان البنوك الأمريكية تمتلك تواجدا محدودا في تركيا، حيث يبلغ إجمالي المطالبات في هذا البلد 38 مليار دولار فقط، وتمثل تركيا 1.4 في المئة فقط من إجمالي الناتج الدولي، ما يجعل بنوك الولايات المتحدة آمنة نسبيا من الأذى المباشر. وقال كبير الاقتصاديين في «باثيون شيبردسون» في مذكرة بحثية، ان تأثير الأزمة التركية على النظام المصرفي الأمريكي سيكون ضئيلا.
المشكلة هنا، ان الأزمة المالية في تركيا ستسبب بالفعل اضطرابات في الأسواق الناشئة الأخرى مثل الصين، حيث تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها رهانات أكبر بكثير، إذ تراجعت صناديق الاستثمار التي تتبع الاقتصاديات النامية بحدة منذ يوم الجمعة كما تسببت الأزمة في غضب أسواق الأسهم والعملات الصينية، وهذا يعني ان الاقتصاد الأمريكي والأسواق المالية ربما ستتاثر أكثر مما هو متوقع.
توتر تجاري: وتشير المحللة ربيكا كييل، إلى ان الأزمة الاقتصادية في تركيا جاءت في الوقت الذي كثف فيه ترامب نزاعا تجاريا مع البلاد عن طريق مضاعفة تعريفة الصلب والألومنيوم على الصادرات من تركيا، كما تأثرت تركيا بشكل غير مباشر بعد فرض الرسوم الجمركية المفروضة على الاتحاد الأوروبي.
واستجابت تركيا للإجراءات الأمريكية عبر فرض رسوم جمركية على الأرز الأمريكي والمشروبات الروحية والتبغ والسيارات. وقال نائب الرئيس التنفيذي للغرفة التجارية الأمريكية، مايرون برليانت، ان التطورات الأخيرة في العلاقات الأمريكية ـ التركية تهدد المصالح الاقتصادية للبلدين وتعرض التحالف الذي أثبت قيمته منذ عقود إلى خطر.
تفكك الحلفاء: وتعد الأزمة المالية التركية، وفقا لرأي المحللة فيكا نيدهام، أحدث تهديد لعلاقات البلاد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى تفكيك الحلفاء الرئيسيين في تحدي العدوان الروسي. وقد دعا زعماء الاتحاد الأوروبي اردوغان إلى قبول رفع أسعار الفائدة وإجراءات أخرى لتحقيق الاستقرار ولكنه رفض القيام بذلك، وألقى باللوم على الإرهابيين الاقتصاديين الغربيين، بمن في ذلك الولايات المتحدة.
ورد اردوغان على الإجراءات الأمريكية من خلال حشد الأتراك ضد الولايات المتحدة والسعي إلى توثيق العلاقات مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وقد يؤدي الانقسام المتزايد بين أعضاء الناتو إلى إضعاف محاولات الرد على مختلف الإجراءات الروسية، بما في ذلك الهجمات الالكترونية المدعومة من الكرملين، والتدخل الانتخابي في مختلف الدول واحتلال اوكرانيا.
المزيد من الاضطرابات: كانت تركيا عضوا أساسيا في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وهذه المشاكل ستؤدي إلى امكانية تعطيل القتال في لحظة محورية. ووفقا لما قاله العديد من المحللين الأمريكيين، فان تركيا أوقفت زخمها في القتال ضد «داعش» لكي تشن هجوما على القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.
وقد توصل قادة تركيا والولايات المتحدة إلى انفراجة في الطريق المسدود بشأن الأكراد عندما توصلوا إلى اتفاق في حزيران/يونيو حول خريطة طريق منبج، التي حددت انسحاب الأكراد من المدينة، ولكن التوترات الجديدة تهدد هذا التقدم، بينما يخطط الائتلاف لدفعة أخيرة للقضاء على «داعش» علما ان العديد من مسؤولي الإدارة الأمريكية قللوا من أهمية أي علاقة، إذ قال الميجر فليكس جيدي، نائب قوات التحالف للاستراتيجية بانه لم يشهد أي تغيير في العلاقة مع الأتراك.
سخط الأتراك: لا ينبغى الاستهانة بشعور السخط بين الأتراك، الأمر الذي يجعل هذه الأزمة تمزيقا استثنائيا لفترة علاقة اشكالية بين الولايات المتحدة وتركيا طوال العقود السبعة الماضية، ووفقا لآراء الخبراء، فان استعداء تركيا إلى هذا الحد يعد بمثابة مغامرة خطرة في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ لا يمكن للولايات المتحدة ان تكون فعالة في الشرق الأوسط بينما تستعدي كلا من تركيا وإيران.
ولا تزال هناك عواقب إقليمية جيوسياسية واسعة، فتركيا دولة متأرجحة، وسياستها تلقي بظلالها على منــاطـــق عدة، بما في ذلك البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وصولا إلى الشرق الأوسط، كما ان التصريحات الصادرة عن برلين وروما تشير بالفعل إلى شعور متنام بالسخط إزاء عقوبات ترامب غير المبررة ضد تركيا.

11HAD

التوترات في التحالف التركي-الأمريكي تصل إلى نقطة اللاعودة

رائد صالحة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left