أعمار وارفة في الكتابة

أمير تاج السر

Aug 18, 2018

منذ أيام قليلة، رحل الروائي البريطاني الهندي الأصل ف. س. نايبول، عن خمسة وثمانين عاما، كان فيها كثير من الحل والترحال، والتأمل ومحاولات ابتكار أجواء خاصة، وكتابة أدبية وغير أدبية، يعدها البعض قمة في الرقي والبعض الآخر كتابة عادية، وقد جاءته منذ زمن طويل بجائزة نوبل للآداب، كبرى الجوائز الأدبية المتاحة حتى الآن.
 وحقيقة فإن عمرا وارفا مثل عمر نايبول وأعمار روائيين آخرين ماتوا في سن مقاربة لسنه، مثل غارسيا ماركيز وكارلوس فوينتس وهنري ميلر وفيليب روث، أو ما زالوا يعيشون ويبدعون بانتظام ضاربين عرض الحائط بالشيخوخة واكتئابها الحتمي، وآلام المفاصل المزمنة فيها، وربما أمراض الضغط والشرايين والسكر، وأشياء أخرى مؤلمة، لا بد أن يكون عمرا ممتلئا بالتجارب، تلك التي قد يكون عاصر فيها الكاتب أحداثا جسيمة، مثل الاستعمار والحروب الأهلية التي تندلع هنا وهناك من حين لآخر، وربما المجاعات والتشرد، والحكومات الجائرة، وبالتالي يستطيع صناعة نصوص مبهرة للقارئ الذي يفهم معنى الإبهار.
 قد نحب روايات نايبول مثل «بذور سحرية» التي أحبها شخصيا، وقد لا نحبها أو نتفاعل معها كما ذكرت، لكن لا بد من الاعتراف بالتجربة حتى لو لم تعجبنا، التجربة التي تكتب كل شيء بإتقان ونظرة ثاقبة، وحروف محكمة، أو حتى ليست محكمة تماما. ولطالما قرأت كثيرا من القصص لكتاب كثيرين عمروا في الأرض وكتبوا تجاربهم كلها، ولم تعجبني طريقتهم في التنميق، والحكي ربما، لكن بالقطع، بهرتني ما تحمله النصوص من ثراء. وفي يوم بعيد كنت أقرأ رواية «البابا الأخضر» لميغيل أستورياس واختلطت علي الحكايات برغم براعة الترجمة، وأوشكت أن أتركها بلا قراءة كاملة، لولا أنني أحببت عالم البحر والقراصنة، وعرفت كثيرا من المصطلحات، وأيضا ما كان في البيئة البعيدة من أشياء خاصة بها، فأكملتها بلا متعة، لكن بامتنان شديد. أيضا مثل «حفلة التفاهة» لكونديرا، التي قد لا نفهم رأسها من ساقيها، لكن نظل ممتنين لكونديرا أنه يكتب. والذي يقرأ لفارغاس يوسا وبرغم جفاف كتابته إلى حد ما وخلوها من ما أسميه الشجن، لا بد يمسك بكتابة عبقرية، وقصة مثل تلك التي أصبح فيها الترفيه عن الجنود بممارسة المتعة، عملا رسميا وله عسكريون مختصون به، لا تصدر إلا من قلم خبير، كذلك «شيطنات الطفلة الخبيثة»، وكيف يرصد داخل المرأة وخارجها بكل رعونة وسهولة أيضا.
وإن كان ماركيز ويوسا وفوينتس مثلا، ظلوا لصيقين بأوطانهم، يسافرون ويعودون إليها ويستوحون الحكايات من أجوائها، ومعظم الشخصيات في أعمالهم وليدة تلك البيئة اللاتينية، فإن نايبول الذي كان هنديا بالتأكيد، ولد في بلاد هندية، لكنه عاش في الغرب، واكتسب الجنسية البريطانية، أكثر من ذلك حصل على لقب السير، وهو لقب فخم لا يمنح هكذا بسهولة، ولكن قطعا تظل الهوية أصلية حتى مع الجنسية البريطانية، وتظل بعض الأجواء حتى لو بينت تقاربا أو احتكاكا بالغرب، هندية إلى حد ما. وقد كتبت مرة عن ملازمة الهوية الأصلية للكاتب مهما حاول الابتعاد عنها، ذلك أن البيئة التي رضع منها في بداية حياته، هي التي تتكون منها فقرات الكتابة القادمة، لذلك سنقول دائما أن نايبول هندي، وكونديرا تشيكي، وهيرتا مولر رومانية، وحتى كازو إيشغورو الحائز على جائزة نوبل في الدورة الأخيرة قبل إيقافها مؤقتا بسبب الفساد الذي اكتشف، سنقول إنه ياباني برغم بريطانيته المثبتة، فالملامح يابانية وبعض الأجواء يابانية، وأيضا الأسماء المستخدمة في رواياته، نجد كثيرا منها أسماء يابانية.
بالطبع هذه ليست عيوب في الكتابة، أن تمتزج بمجتمع وتظل جينات الأصل غالبة، بالعكس يعتبر هذا تميزا ونعرف كتابا أصلا لم يكونوا يودون اللجوء إلى الغرب هربا من موروثهم، وإنما بحثا عن جو ملائم للكتابة وحرية حقيقية تجعل الأفكار براقة وتخرج منشرحة بلا أي عائق، وليست مثل الحرية التي يمنحها الجنرالات مثلا في العالم الثالث، وتكون شركا في الغالب لاصطياد الأفكار المغايرة، وإتلافها. ولو تأملنا تجربة الروائي والمسرحي النيجيري العظيم وولي سوينكا، وهو أيضا من الذين حصلوا على نوبل، فقد كانت وما تزال أفريقية، واستخدام الهوية البريطانية، ساهم كثيرا في نضال الكاتب مع أهله في أفريقيا المتعبة من وطأة الحروب وثقل النياشين العسكرية ونشاز المارشات التي لا تنقطع أبدا. هو عالم غني بالتأكيد ذلك الذي نجد فيه شخوصا مثل عيدي أمين وروبرت موغابي، شخوصا برغم سيلان الدم لكن يمكن رسمهم في نصوص ساخرة للغاية. ومواقف مثل إنشاء يانصيب في البلاد وفوز الرئيس فيه، أو منع تداول اللحوم لأن الرئيس مر ذات يوم في أحد الطرق، ولم تعجبه رائحة شواء تنبعث من أحد البيوت، تبدو بالفعل مشاهد لا تحتاج لرصف كثير لتحويلها إلى سخرية كبيرة.
في بداياتي كنت ميالا لابتكار مثل تلك الأشياء الساخرة، وكوني من بلد نصفه أفريقي ونصفه عربي، ومعظم بلادنا غارقة في التعب والإرهاق لا يبدو الأمر صعبا، وأذكر أنني أخذت جزيئية منع الذبح في أيام محددة في السودان، وذلك اليانصيب المسمى «توتو كورة»، وإلغاء الأندية الرياضية، وكلها كانت من تجليات الرئيس النميري في السبعينيات من القرن الماضي وعاصرتها صغيرا، أخذتها إلى نص من نصوصي لكن للأسف لم أكتبها بصورة واضحة وجيدة، حيث سطا الشعر على نثريتها وجعلها صورا براقة تتحرك أمام القارئ ولا يستطيع استيعابها أو التفاعل معها.
نقطة أخيرة في مسألة العمر الوارف للكتابة، وأظنني كنت اقترحت مرة أن يكون ثمة سن للتقاعد عن الكتابة شبيهة بسن التقاعد الحكومية، بحيث يظل المبدع متفرجا في الساحة ومشاركا بنظرياته وبعض الآراء البسيطة بعيدا عن كتابة الإبداع. ولكن بعد قراءتي لنصوص كتبها ثمانينيون، وآخرون يقتربون من الثمانين، أقر بأن الإبداع بشكل عام يمكن أن يكون موجودا في أي وقت، والذين يخرفون بعد سن معينة، يظلون حالات فردية بحتة.
* كاتب سوداني

11RAI

أعمار وارفة في الكتابة

أمير تاج السر

- -

1 COMMENT

  1. أقرأ ما يكتبه الكاتب الكبير “أمير تاج السرّ” بكل نهمة ومتعة أسبوعياً، وأجد الجديد والطريف في كل أسبوع.
    أظنّ بأنّ الكتّاب والمبدعين والروائيين لا نهاية لكتابتهم بل إنّ كتاباتهم في الأيام الأخيرة من أعمارهم تكون في غاية الرّوعة وأذكر على سبيل المثال ولا الحصر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عبقري العباقرة تشتاق مرة بعد مرة كي تقرأ ذكرياته الجميلة وهي دوّنت وسجلت في آخر حياة عمره ولا تشبع من قراءتها أصلاً.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left