صراع الكنيسة القبطية مع الأديرة الخارجة عن سلطتها: فتش عن الاقتصاد

مشروعات وتبرعات ومنتجات تباع في معارض سنوية

Aug 20, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: فتحت الأزمة الأخيرة التي تشهدها الكنيسة المصرية، وتحمل عدة أوجه بعضها يتعلق بالخلافات العقائدية داخل الكنيسة، وأخرى بمواجهة المتشددين وضبط أوضاع الرهبنة، المجال للحديث عن الملف الاقتصادي للكنيسة، خاصة الأديرة، بعد توسع الأخيرة في نشاطها الاقتصادي، في ظل اتهامات تطلق من حين لآخر للرهبان بالفساد المالي، وخروجهم من حالة التقشف والزهد التي من المفترض أن يتميزوا بها، إلى الدخول في أنشطة تدر عليهم أرباحاً.
الفساد المالي كان حاضر بجانب الخلافات العقائدية في أزمة دير أبو مقار.
فعلى الرغم من أن العنوان الرئيسي في الأزمة هي الخلافات العقائدية المستمرة منذ عقود بين رهبان الدير الذي يتبع الأب متى المسكين، إذ أن الأخير دخل في خلاف مع البابا الراحل شنودة، لكن الراهب المشلوح اشيعاء المقاري المتهم بقتل رئيس الدير، سبق وطالبت لجنة الرهبنة باستبعاده من الدير بسبب نشاطاته الاقتصادية وحصوله على تبرعات دون إذن.
وذكرت اللجنة في خطابها، أن الراهب أشعياء «له ذات كبيرة ويكسر قانونين في نظام الرهبنة، هما الطاعة والتجرد، ويفتخر أنه يحصل على أموال ومأكولات، ويستضيف الرهبان لديه في قلايته (غرفة الراهب)».

قرارات الكنيسة

ومن بين القرارات المتعددة التي اتخذتها الكنيسة المصرية، منذ مقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار على يد اثنين من رهبان الدير أوائل الشهر الجاري، ضبط الأوضاع الاقتصادية.
وطالبت لجنة الرهبنة في بيان أعقب واقعة مقتل رئيس دير أبو مقار، المواطنين المسيحيين بعدم الدخول في أي معاملات مالية أو مشروعات مع الرهبان، وعدم تقديم أي تبرعات مادية أو عينية إلا من خلال رئاسة الدير أو من ينوب عنهم.
كما حاولت الكنيسة فرض سيطرتها على أملاك الأديرة غير المعترف بها، من خلال بيان دعت فيه اللجنة المجمعية للرهبنة وشؤون الأديرة القبطية الأرثوذكسية، وعلى رأسها البابا تواضروس الثاني، الرئيس الأعلى للرهبنة القبطية، كافة الأماكن غير المعترف بها كأديرة بتصحيح أوضاعها، والخضوع لإشراف البطريركية عليها روحيًا ورهبانيًا وإداريًا وماليًا.
وحسب بيان للمتحدث باسم الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، بولس حليم، الجمعة، «ففي ثالث إجراء بارز مرتبط بضبط الرهبنة، دعت لجنة الرهبنة وشؤون الأديرة في المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية، برئاسة البابا تواضروس الثاني، كافة الأماكن غير المعترف بها كأديرة، إلى تصحيح أوضاعها، من خلال الخضوع لإشراف البطريركية عليها في هدوء وسلام».
وأضاف : «سيتم البدء في تعمير هذه الأماكن رهبانيًا وروحيًا بطريقة صحيحة، ثم بعد ذلك يتم الاعتراف بها كأديرة».
اللجنة أشارت إلى أن «الخطوات التي يجب أن تتخذها الأماكن غير المعترف بها كأديرة، أن تُسجل الأرض باسم بطريركية الأقباط الأرثوذكس، والخضوع لمن يرسله البابا تواضروس للإشراف، والرجوع لشروط الرهبنة».
وأمهلت «هذه الأماكن غير المعترف بها شهرًا من الآن، دون أن تحدد إحصاء بعدد الأديرة الرسمية أو غير المعترف بها، غير أنها وفق تقديرات غير رسمية تعد بالعشرات داخل مصر وخارجها».
وأكدت أن «من لا يقبل هذه الدعوة، فإنه يعلن العصيان على الكنيسة، وله نية أخرى لا علاقة لها بالرهبنة، بل لأغراض شخصية منحرفة عن الطريق السليم، وسيحكم على نفسه بالتجريد من الرهبنة والكهنوت».
وتضع الكنيسة القبطية 5 شروط للاعتراف بأي دير، هي «وجود تجمع رهباني، وأن يقام الدير على أرض مملوكة قانونياً له، ووجود مدبر إداري وروحي من قبل الكنيسة للدير، وأن يتم رفع تقرير من لجنة الأديرة والرهبنة في المجمع المقدس للاعتراف في الدير».

40 ديرا

والكنيسة القبطية تعترف بأربعين ديرا فقط، 27 منها للرهبان و13 للراهبات، فضلاً عن 13 تحت التأسيس و12 مزرعة خاضعة لإشراف الأساقفة، وتعتبر ما عدا ذلك غير معترف به.
والأديرة المعترف بها طبقا لإعلان الكنيسة القبطية: «أديرة الأنبا بيشوي، ومريم السريان، والعذراء البراموس، والقديس مقار الكبير في وادي النطرون، وأديرة الأنبا بولا والأنبا أنطونيوس في البحر الأحمر، ودير السيدة العذراء مريم المحرق في جبل قسقام، ودير الشهيد مارمينا في مريوط، ودير الأنبا صموئيل المعترف في جبل قلمون، ودير الأنبا شنودة رئيس المتوحدين في سوهاج، ودير الأنبا بيجول في سوهاج، ودير الملاك غبريال أبوخشبة في الفيوم، ودير مارمينا المعلق في بنوب، ودير مارجرجس في الخطاطبة، ودير الأنبا توماس في الخطاطبة، ودير السيدة العذراء مريم في أخميم، ودير الملاك ميخائيل في أخميم، ودير الأنبا موسى الأسود في العلمين، ودير الشهيد مارجرجس، في الرزيقات، ودير أبوفانا المتوحد في ملوي، ودير الأنبا مكاريوس السكندري في جبل القلالي في البحيرة، ودير الملاك ميخائيل في نقادة، ودير موسى النبي في سيناء، ودير الأنبا باخوميوس الشايب في الأقصر، ودير الأنبا باخوميوس في حاجر أدفو، ودير الأنبا متاؤس الفاخوري في أسنا، ودير الشهيد مار بقطر».
ومن أشهر الأديرة غير المعترف التي حذرت الكنيسة المصرية عدة مرات الأقباط من زيارتها، دير يقع في منطقة وادي الريان في محافظة الفيوم، وآخر يحمل اسم الأنبا كاراس في وادي النطرون في محافظة البحيرة، وثالث للفتيات اسمه دير عمانوئيل في المنطقة نفسها، وآخر يحمل اسم متاوس الفاخوري على طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي، فضلاً عن دير يوحنا الحبيب في طريق الإسماعيلية، ودير الزيتونة في طريق العبور.

ألبان وأجبان

واتجهت الأديرة في السنوات الأخيرة إلى تنفيذ مشروعات اقتصادية كبيرة، ويأتي دير مار مينا للرهبان على رأس قائمة الأديرة ذات الإنتاج الزراعي والحيواني الكثيف، فمعظم الكنائس تبيع منتجات دير مار مينا التي حملت شعاراً، وتشمل المأكولات والألبان والأجبان، وكذلك المنتجات الحيوانية الطبيعية، إضافة إلى العصائر وعسل النحل الطبيعي، وعصير العنب المختمر الذي تستعمله الكنائس فى إتمام طقوس الصلوات.
وكشف الراهب متى المحرقي في تصريحات سابقة، عن أن «معظم الأديرة في الوقت الحالي يقوم رهبانها بزراعة محاصيل يستفيد منها الجميع».
وأشار إلى أن «المئات من الأفدنة تابعة لدير المحرق في أسيوط تقدم منتجات زراعية مختلفة نقوم بتوزيعها في غالبية الكنائس في مختلف محافظات مصر بأسعار أقل من سعرها في الأسواق».

مستلزمات خشبية

ويُعد ديرا الأنبا بيشوي في وادى النطرون، والأنبا أنطونيوس في البحر الأحمر، أشهر الأديرة في صنع المستلزمات الخشبية للكنائس مثل حجاب الهيكل، الذي يصل ثمن الواحد منه إلى 200 ألف جنيه مصري.
كما قام فريق عمل ورشة دير الأنبا أنطونيوس بصناعة عدد كبير من مستلزمات كنائس السودان في نهاية 2016 الماضي.
ويتصدر ديرا الأنبا برسوم العريان في حلوان، والقديسة دميانة ببراي بلقاس، قائمة أديرة الراهبات، من جهة التفوق في صناعة المشغولات اليدوية وأعمال التطريز، إذ تقوم راهبات ومكرسات الديرين، بتصنيع ملابس الكهنوت من الشمامسة إلى ملابس البطريرك، مرورا بالقساوسة والأساقفة.
كان دير الأنبا كاراس والآباء السواح في ديروط، أحدث الأديرة التي دخلت بشكل فعلي في عملية إنتاج الأفلام السينمائية، إذ قام بإنتاج فيلم النوراني»الذي يتناول السيرة الذاتية للقديس أبونفر السائح، أحد القديسين المصريين القدامى.

طباعة وترجمة

وتقوم بعض الأديرة بطباعة وترجمة بعض الكتب من التراث القبطي للحفاظ عليه، ومن الأديرة التي تمتلك دور نشر للطباعة، دير السيدة العذراء في وادي النطرون، كما يمتلك دير البراموس في وادي النطرون أيضاً دار «الكرمة الحقيقية» للنشر.
ويهتم دير الأنبا مقار في برية شيهيت من خلال دار النشر التابعة له بإنتاج مؤلفات الأب متى المسكين ومجلة «مرقس» التي يديرها الأب يوحنا المقاري. وتقيم أسقفية الشباب برعاية الأنبا موسى معرضًا سنويًا لتسويق وبيع منتجات الأديرة من مختلف محافظات مصر، في الكاتدرائية المرقسية في العباسية، يتيح للأديرة عرض منتجاتها وتسويقها.
ويقام معرض منتجات الأديرة في كل عام، ويشارك فيه أكثر من 10 أديرة.
وبدأت فكرة معرض منتجات الأديرة فى عام 2013، نظرا لتوسع بعض الأديرة في منتجاتها، وبحثها عن منافذ لبيعها بأسعار قليلة، تخفيفا عن الناس.
وتتميز الأديرة التابعة للكنيسة القبطية المصرية باتساع المساحات المقامة عليها، ما يسمح لها بإقامة أنشطة اقتصادية.
وأكبر الأديرة هو دير أبو مقار، الذي تبلغ مساحته نحو 2700‏ فدان، أي ما يعادل 11340000 متر مربع تقريبا، ويتسع لنحو 11 مليونا و340 ألف مصل كحد أدنى و 23.9 مليون مصل كحد أقصى، طبقا للاعتبارات الأممية التي تنص على أن حق الفرد 0.46 متر مربع للتعبد كحد أدنى، أي حوالى ضعف عدد الأقباط في مصر.
وتعادل مساحة دير أبو مقار 25 مرة مساحة دولة الفاتيكان، التي تبلغ مساحتها 440 ألف متر مربع فقط.
أما ثاني أكبر الأديرة فهو دير أبو فانا في المنيا الذي تبلغ مساحته نحو 600 فدان أي ما يعادل 2520000 متر مربع وهذه المساحة تكفي 2.5 مليون مصل كحد أدنى و 5.5 مليون مصل كحد أقصى بنفس الحسبة السابقة.
ويحاول البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، مواجهة المتشددين داخل الكنيسة وهم من رجال البابا الراحل شنودة الثالث، من خلال قرارات ضبط الرهبنة والسيطرة على اقتصاد الأديرة.
وكان تواضروس هاجم جماعة حماة الايمان المتشددة في إحدى عظاته الأسبوعية، قائلاً إن «الإيمان لا يحتاج من يحميه».
وعبر في حديث مصور في برنامج بعنوان «صوت حبيبي»، يبث على الصفحة الرسمية للمتحدث باسم الكنيسة، عن ارتباطه وتقديره لدير أبو مقار الذي كان منفصلا ماليا وإداريا وعقائديا عن الكنيسة، في إشارة منه لدعم جماعات الإصلاح داخل الكنيسة.
وقال: «نيافة الأنبا أبيفانيوس رئيس دير الأنبا مقار الراحل خسرناه، ولكن كما هو اسمه مستمد من النور، فهو بالحقيقة كان نوراً في وسط مجمعنا المقدس، وصورته ومثالة ونوره سيظل خالداً».
وأضاف «طوبى لهذا الدير الذي أنجب هذه الشخصية المباركة، وطوبى لهذا الدير أيضًا الذي له تاريخ القرون وعاش فيه القديسون ونهجوا النهج الروحاني ومجدوا الله، ولهم سير حسنة عبر تاريخ القرون».
واختتم كلمته قائلاً: «طوبى لذلك الدير الذي أنجب مثل هذا الأسقف».

صراع الكنيسة القبطية مع الأديرة الخارجة عن سلطتها: فتش عن الاقتصاد
مشروعات وتبرعات ومنتجات تباع في معارض سنوية
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left