تركة سمير أمين الناظر في بدايات الرأسمالية ونهاياتها

وسام سعادة

Aug 20, 2018

حرص سمير أمين على التشديد في غير موضع، على أنّ الماركسية أو المادية التاريخية ـ كما يفهمها ـ ليست «محارة مغلقة تشمل على أسرار المستقبل والتعاويذ التي تضمن تلاوتها النجاح المؤكّد». عنده أنّ «قوانين المجتمع» أعقد من «قوانين الطبيعة»، وأنّ استقراء المجتمعات البشرية بإسقاط سُنَن الطبيعة عليها في أساس الفهم المغلوط للمادية التاريخية. رفض سمير أمين اختزال الماركسية إلى «مجرّد تأويل جذريّ لفلسفة عصر الأنوار»، مثلما استهجن حصرها في نطاق «نظرية لا تعرف ظواهر اجتماعية غير الطبقات». وعلى أهمية الرجوع المستمرّ لأعمال كارل ماركس في حركة توليده لفكره هو، نأى أمين بنفسه عن الهاجس «الماركسولوجي» كما يسمّيه، بمعنى التركيز على ما الذي كان يقصده ماركس في هذا الموضع أو ذاك من كتاباته بالتحديد. أفق المادية التاريخية كان أوسع بكثير عنده، والإسهام الذي طوّره منذ أطروحته الجامعية عام 1957 إلى عشية وفاته قبل أيّام، يعدّ واحداً من أهمّ الإسهامات في تجديد معنى المادية التاريخية وتسويغ الحاجة إليها في عصرنا.
امتدت «لحظة سمير أمين» لعقود طويلة. ثمّة أخذ وردّ اليوم، متى بالتحديد كان بهاء تلك اللحظة، وأين وكيف بدأت تتكشّف حدودها. لا بأس من التروي بعض الشيء قبل الإدلاء بآراء قطعية حاسمة في هذا المجال. لا بأس بإعادة قراءة «مكتبة سمير أمين» بعد وفاته، لوضع إسهاماته في سياقها، لناحية تطوير المادية التاريخية، وتطوير الفكر الإقتصادي، وإغناء النظرة إلى المآل الكوكبي العام، وبالذات بالنسبة لشعوب البلدان العربية وبلدان العالمين الثالث والرابع (وهذه واحدة من «تمييزاته»).
ليس المتاح في هذه العجالة تحقيق هذا المراد، بطبيعة الحال، فهذا يتطلّب إعادة قراءة شاملة لأمين. المُلحّ، مع ذلك، هو التنبيه إلى أنّه، جرى في الأيام التالية لوفاته، «تشويه» إسهامات هذا الرجل، كما لو أنّه لم يقل شيئاً في حياته إلا أنّ هناك نظاما رأسماليا يتوزّع بين مراكز إمبريالية شمال العالم وأطراف تابعة جنوب العالم، وأنّه ظلّ يعيد ويكرّر هذا الأمر، أو يحصي الشواهد عليه، لا شيء غير. هذا التقزيم الكاريكاتوري لجدلية المراكز والأطراف عند أمين يغفل أمرين في وقت واحد، قبل أي شيء آخر. أوّلهما، أنّ لجدلية المراكز والأطراف تاريخا طويلا قبل أمين، سواء ابتدأنا مع المفكر الإقتصادي الألماني فرنر زومبارت مطلع القرن العشرين، ورصده لثنائية المركز والطرف في العلاقة بين المدن والأرياف، أو عرّجنا على مدرسة الحوليات في التأريخ، وبالأخص فرنان بروديل، ورصده لحركة إنتقال مركز التجارة المتوسطية مثلاً من البندقية إلى جنوى، أو رجعنا إلى معادلة المراكز والأطراف في أعمال الاقتصاديين بريبيش وسينغر، حول التبادل اللامتكافىء والمنحى المتزايد لاسعار المواد الأولية للإنخفاض بإزاء أسعار السلع المصنّعة. «ورث» سمير أمين منظار «المراكز والأطراف» عن كل هؤلاء، كما طوّره بالتفاعل مع الذين اشتغلوا عليه هم أيضاً في زمانه، مثل اندريه غاندر فران وايمانويل والرشتين، وبالأخص اعتناء الأخير بـ«أنصاف الأطراف» (مركز يتداعى، أو طرف يتقوى).
استفاد سمير أمين من كل هذا التراكم، وأستعان به لدراسة كل من بدايات الرأسمالية و«نهاياتها». فارتبطت جدلية المراكز والأطراف عنده، بإسهامه في موضوع أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، حين طرح مقولة «نمط الإنتاج الخراجي»، كنمط كوكبي مهيمن على كل العالم تقريبا قبل بداية تراكم رأس المال واستتباب الأمر شيئا فشيئا لقانون القيمة. اعتبر ان الامبراطوريات الآسيوية والإسلامية كانت مراكز الأنساق الخراجية، أما أوروبا واليابان فمن أطرافها.
يوم طرح امين نظرية نمط الانتاج الخراجي اواخر السبعينيات، كان سبقه الانثروبولوجي موريس غودلييه إلى اجتراح «نمط الانتاج الآسيوي الموسع» أو الشامل.
غودلييه اعتبر ان انماط الانتاج في افريقيا جنوب الصحراء والأمريكيتين ما قبل كولمبوس هي تفريعات على نمط الانتاج الآسيوي الموسع، القائم على غياب الملكية العقارية، إنما المنقسم بين مجتمعات تهندسها أعمال انشائية كبيرة (ترتبط بأنظمة الرأي، القاعدة المادية للإستبداد الفرعوني ـ الآسيوي عند كارل فيتفوغيل) وبين مجتمعات «معفاة» من هذه الإنشاءات. لكن غودلييه اخرج الاقطاعية الاوروبية من هذا السياق. جعلها استثناء نسبة إلى باقي الكوكب، مثلما الرأسمالية من بعدها، وانطلاقا منها، هي استثناء غزا الكوكب واخضعه. أما أمين، فاعتبر الاقطاعية الميديفالية الاوروبية (زائد قرينتها اليابانية) فرعاً طرفياً على نمط انتاج خراجي، الذي يجد مراكزه في ديار العباسيين أو في الصين..
بالنسبة لأمين، الاطاحة بنمط الانتاج الخراجي ما كان ممكنا ان تحدث حيثما هو فاعل وقوي، انما حيث هو ضعيف ومتصدع، اي في الاطراف. حاول هنا تجاوز النظرة السكونية التي اتهم بها ماركس من ان نمط الانتاج الآسيوي لا يمكن للتناقض بين القوى المنتجة فيه وعلاقات الانتاج ان تؤدي إلى كسره من داخله، ولا يكسر بالتالي الا من الخارج (الأمر الذي من شأنه تبرير الإستعمار). بدلاً من هذه النظرة السكونية أو الدائرية، وجد امين ضالته في جدلية المراكز والاطراف. بخلاف نمط الانتاج الآسيوي، الذي يميل إلى السكونية، فان نمط الانتاج الخراجي حيوي وتاريخي بامتياز، لكن تاريخيته تفتح لتجاوزه على اطرافه، بأسرع من تجاوزه في داخله، تماماً مثلما أنه كان أسهل بالنسبة لأمين، أن يتجاوز الغرب اللاتيني اللاهوت السكولائي الوسيطي المتصدّع على الدوام، من أن يتجاوز الشرق الإسلامي الأنساق الشريعية والفقهية «الدقيقة». وهكذا على الرغم من ان الصينيين والعرب كانوا ارباب التجارة العالمية لقرون مديدة، فان الرأسمالية لم تتطور عندهم في البداية، انما في اوروبا الغربية، بما سمح بقلب علاقة المراكز والاطراف، قلبة مضاعفة، لأن الاطراف في نمط الانتاج الخراجي لم تكن اطرافا تابعة، في حين ان الاطراف في نمط الانتاج الرأسمالي هي اطراف تابعة للمراكز.
من مشكلات سمير أمين، مثله في ذلك مثل مهدي عامل، كثرة الأخذ بموضوعة «أنماط الإنتاج»، على حساب مفهوم «التشكيلة الإجتماعية الإقتصادية» عند ماركس، وهذه تتضمن بالضرورة عدداً متداخلاً من أنماط الإنتاج تكون الغلبة لأحدها.
في المقابل، المقارنة بين مشروعي مهدي عامل وسمير أمين هي بمثابة الشرط الشارط لإستصلاح الفضاء المادي التاريخي، عربياً، لكن فقط عند الإنتباه أنّ معطيات المقارنة ليست بديهية، ولا تتأمّن بالمزاوجات الشكلية بين صاحب «نمط الإنتاج الكولونيالي» وبين من راكم مئات الأبحاث حول الرأسمالية الطرفية.
الشرط الملازم هو القراءة الهادئة واليقظة في آن لتركة سمير أمين. الرجل مثلاً يمكنه أن يكتب مثلاً بأنّ الإتحاد السوفياتي ارتكب خطأ شنيعاً عندما قمع «الشيوعية الإسلامية» التي قادها سلطان غالييف، والتي عملت على وحدة آسيا الوسطى (التركستان الكبير) في إطار المتحد السوفياتي، في حين فضّل المركز الموسكوبي تقسيم آسيا الوسطى إلى مجموعة جمهوريات، وتطوير اللهجات المحلية فيها إلى لغات منفصلة عن بعضها البعض، ومكتوبة بالأكريلية السلافية. بعد كل هذا يستدرك أمين بأنّه من الخطأ تشبيه السياسة الروسية والسوفياتية في آسيا الوسطى بالإستعمار الغربي لبلدان ما وراء البحار. يمكن أن يستثيرك هذا الإستدراك، علام المقارنة غير جائزة بين النموذجين، أو يمكن أن تستفيد منه، لـ«ضبط» المقارنة. أما مضيعة الوقت فهي «السهاد» ما اذا كان أمين «يبرّر» بهذا لعملية «روسنة» آسيا الوسطى.
الإشكالية الصميمة لقراءة أمين عدم اختزالها إلى ثنائية «يبرّر ـ لا يبرّر». طبعاً ستجد عند قراءة أمين أشياء كثيرة يمكن استهجانها، كتقريظ الإنعزالية الاقتصادية الألبانية أيام أنور خوجة عن المعسكرين السوفياتي والغربي مثلاً، وأشياء كثيرة يستعيد فيها أحكاماً تسطيحية (مثل اختزاله فكر الإمام الغزالي إلى «الرجعية»، أو تقديمه ابن رشد كـ»علماني»). هناك ما يمكنه أن يستنفر لديك التفاعل والنقد (كمثل نظرته «المتحيزة» مادياً ـ تاريخياً، للكونفوشية والبوذية، مع تشديده في نفس الوقت على رفض فكرة ان الثقافات الإسلامية والهندوسية عالقة في «عقبات مطلقة»). يبقى أنّ الملحّ دائماً قراءته بنقدية وتروّي.
بنى سمير أمين الكثير من نتاجه على قاعدة أنّ اللينينة ثم الماوية اقرتا بتخلي الطبقة العاملة الصناعية الغربية عن المشروع الثوري لتجاوز الرأسمالية. رفض أن يختزل التجربتين السوفياتية والصينية في إطار «رأسمالية من نوع آخر»، واعتبرهما «مجتمعات ما بعد رأسمالية» تتصارع فيها أو تتساكن اتجاهات ثلاثة، اشتراكية، ومؤيدة للرسملة، ودولتية. ظل مؤمّناً بأنّ البديل التقدمي الوحيد عن الرأسمالية هو الإشتراكية. كثيراً ما اتهم بطمس الصراع الطبقي، وهو طوّر تراثاً دفاعياً ثرياً ضد هذه التهم. نادى مع ذلك بـ«أممية الشعوب» ضد الرأسمالية. حرصه الدائم على نقد كل نظرة تتوهم إتجاه النظام الرأسمالي إلى «التجانس» منعه عن تصوّر، أو تخيّل، طبقة عاملة عالمية.

٭ كاتب لبناني

تركة سمير أمين الناظر في بدايات الرأسمالية ونهاياتها

وسام سعادة

- -

1 COMMENT

  1. مقال رائع وممتع عن المفكر الاقتصادي المصري سمير امين واعتقد شخصيا ان سمير امين كان من ابرز المنظرين اقتصاديا في العالم العربي وهذا المقال يلقي الضوء على هذه الشخصية الفذة وينير بعض جوانب نتاج سمير امين
    شكرا استاذ سعادة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left