محنة التعليم في مصر

عيد اسطفانوس

Aug 21, 2018

هي ليست محنة في مصر وحدها، بل محنة في كل المنطقة ومحيطها الثقافي والديني، وقد وجدنا أن تعبير محنة أقرب للدلالة، فهي ليست قضية أو مشكلة أو عقبة مؤقتة يمكن حلها بإجراءات لوجستية، لكنها أقرب لعلة أو مرض مستعصى والجميع في انتظار مصلح جريء مغامر يبتكر علاجا ثوريا تتجرعه هذه المجتمعات ولو بالقوة، أما ما يقال عن خطط هنا وهناك عن تحديث أو تعديل أو تطوير لهذه المنظومة المتكلسة، فكلها كذب على الناس وعلى الواقع وهي ضياع لقرون نحن أحوج لكل يوم فيها وضياع لثروات نحن أحوج لكل قرش منها.

تطوير المنظومة

البعض يتحدث عن تطوير منظومة التعليم كما يتحدث عن تطوير منظومة الصرف الصحي أو النظافة على سبيل المثال وهي نظم طرق تطويرها لا تتعدى توافر تمويل ومعدات وعمالة..الخ، لكن ما نتحدث عنه هي محنة بكل المقاييس لا تجدي هذه الأساليب في علاجها ولا نقول تطويرها، فتطوير منظومة يفترض أنها قائمة بالفعل وتؤدى دورا ثم يجري عليها بعض التعديلات من آن لآخر أو بالأحرى تحديثات يفرضها التقادم الزمني، أما منظومة التعليم في مصر فهي تشبه نباتا عشوائيا نما وتفرع وتسلق وتغول والتهم مداخيل الأفراد والدول ثم أفرز هذا المنتج النهائي، جيوش عرمرم من أنصاف المتعلمين والأميين معدومي المعرفة والثقافة أجيال خارج الزمن تعيش عالة على بقية سكان الكوكب ساهموا في القهقرى إلى عصور التخلف والبداوة التى خرجت منها شعوب كثيرة بفضل العلم ولا شيء غير العلم.
العلم الذي فتح آفاقا لم تخطر يوما على قلب بشر، العلم الذي أنقذ البشرية من الفناء وأنتجت معامله الدواء والأمصال واللقاحات ووسائل النقل والاتصال، العلم الذي خرج بنا إلى عوالم كان مجرد الحديث عنها منذ عقدين أو ثلاثة مضوا ضرب من الخيال، هذا العلم الذي تحاربه شعوب هذه المنطقة حربا شعواء لاهوادة فيها شاهرين كل الأسلحة، وبالطبع وعلى رأسها السلاح الناجع الناجز في مثل هذه القضايا وهو سلاح الدين وايهام البسطاء والدهماء والعامة أن العلم خطر على عقيدتهم، حتى أنه رفع الشعار صريحا واضحا (بوكو حرام ) أي التعليم حرام شرعا وتشكلت ميليشيات متخصصة للجهاد ضده ومكافحته وما يحدث فى نيجيريا وأفغانستان وباكستان وغيرها ماهو الا صورة من الأصل (الأوريجنال ) الذي نبت في صحارى النفط وألغى كل تأثير للعقل، وإن كانت النسخ الأخرى تستخدم وسائل مختلفة إلا أنها في النهاية تؤدي الغرض بامتياز وهو ايقاف عجلة الزمن بل واعادتها إلى الخلف ألف عام.
وكل يوم يخرج علينا ونحن نتحدث من مصر منظرين كل واحد يسبق اسمه عشرات الألقاب والشهادات والرتب ليلقي علينا الخطة المدهشة البارعة الناجعة لإصلاح التعليم، وأنا شخصيا كلما سمعت كلمة اصلاح تضرس أسناني وأعرف أننا على النهج الفاشل نفسه سائرين،لأن الجميع يتعامى عن المشكلة ويجبن عن الخوض فيها خوفا من الميليشيات التي تحتضن هذه المنظومة ومستعدة للدفاع عنها ضد أي دخيل يقترب منها ولو من بعيد.

علاج الداء

وفي رأيي أن علاج هذه المنظومة هو اجتثاثها من جذورها اجتثاثا تاما، ثم حرث الأرض وتطهيرها وتعقيمها والبدء من الصفر، معلمون جدد لتلاميذ جدد، معلمون جدد يتم فرزهم وفحصهم بعناية وسؤالهم سؤالا واضحا هل تؤمن بالعلم طريقا وحيدا لتقدم البشرية ؟
ويجب أن تكون الإجابة واضحة جلية شفافه نعم أؤمن، ثم تلاميذ جدد من سن الرابعة لم يتم حقنهم بجرعات من سموم الجمعيات السرية وميليشياتها المختبئة فى الحضانات أو بالأحرى الحاضنات التي ترعاها الدولة وتقدم لها الدعم بكل أشكاله، أما الدراسات الدينية فيجب أن تكون بعد مرحلة التعليم الأساسي أي في الخامسة عشرة ويكون اختياريا وباشراف الدولة ويكون مساره منفصلا تماما عن التعليم العام الموحد،ونحن هنا لا نخلط بين مهام دور العبادة ومهام دور العلم.
وإذا كان الباشا الألباني الكبير متأثرا بموجات النهضة التي اجتاحت شمال المتوسط هو أول من وضع اللبنة الأولى في بناء نظام تعليم حديث في حينه فقد كان عبد الناصر هو من سدد أول ضربة معول هدم فيها، ففي منتصف الستينيات أصدر قرارا بتأميم المدارس القبطية ووضعها تحت إشراف وزارة التعليم رغم أنها لم تكن مدارس تعليم ديني ولا مقصورة على أتباع ديانة بعينها، وانتظر الجميع قرارات أخرى جريئة لتوحيد التعليم في كل المحروسة، لكن عبد الناصر فاجأ الجميع بتحويل الأزهر من مؤسسة لتعليم الدين إلى مؤسسة تعليم ديني، أي من مؤسسة لدراسة وتعليم اللاهوتيات ومقارنات الأديان إلى مؤسسة لصبغ العلم بالصبغة الدينية، أي تعليم الطب والهندسة وغيرها من العلوم الطبيعية من منظور ديني.
وبغض النظر عن تفسيرات عنصرية بغيضة لهذا القرار وقتها، إلا أن النتيجة كانت وبالا حيث تم ويتم ضخ كل عام إلى سوق العمل مئات آلاف من ذوي التعليم المشوه، وهاكم النتيجة على الساحة لا تحتاج لتفسير،وجاء سلفه ومكن المتطرفين من مفاصل كل منظومة التعليم ومازالوا متمكنين منها وحولوها إلى مفرخات تنتج أشباه بشر مسلوبي العقول والإرادة، فقط مستودعات كراهية وتعصب وعنصرية انفجرت في وجه الكوكب كله.
ولقد انتفضت أوروبا بعد أن حسمت أمرها في قضية الخلط بين العلم والدين وصححت المسار حيث كانت الجامعات الكاثوليكية العريقة هي التي تحتكر تدريس العلوم وهو ما أعاق وأرهب باحثين ومبتكرين كثرا، وتم رفع عباءة الدين عن كل هذه الجامعات واليوم لم تعد تحمل من الدين إلا الاسم فقط وأصبحت منارات تشع نورا وحضارة وابتكار في جهات الأرض الأربع.
وبدلا من أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون وصححوا أخطاءهم بدأنا من حيث بدأوا، وصار النظام التعليمي على أساس عنصري، حيث يتجرع قسم من أطفال مصر نظام تعليم، وقسم آخر نظام تعليم مختلف،وبين هؤلاء وهؤلاء عشرات أنظمة دولية وتعليم خاص من كل نوع، ولنا أن نتخيل جيلا حائرا موزع الانتماء بين الدين والوطن ودولة أخرى تعطيه شهادة ممهورة بخاتمها مقابل آلاف الدولارات، وما زال الجميع يصدق الكذبة الكبرى تطوير التعليم.
إن مشكلة هذه الشعوب في هذه المنطقة أنها شعوب حائرة، أنظمتها تضحك عليها فلا هم دول دينية ولا هم دول مدنية، واذا استثنينا تونس التي تحاول رغم مقاومة شرسة فالجميع كاذبون،ومن هنا تنشأ أنظمة مشطورة قضاء وتعليم وثقافة ومجتمع مشطور رأسيا وأفقيا والصراع على أشده بين الجميع ويصبح الحديث عن مشروع قومي كإصلاح التعليم هو وهم كبير كبر المأساة.

كاتب من مصر

محنة التعليم في مصر

عيد اسطفانوس

- -

4 تعليقات

  1. أراني متفقا تمام الاتفاق مع ما تفضل به السيد عيد ، فعلمنة التعليم ضرورية لتخريج أجيال مدنية متفتحة .

  2. تحية للأستاذ عيد
    في رأيي أن ما ساهم في تراجع التعليم في مصر هو مجانية التعليم بدون التأكد من وجود مورد مالي للمؤسسات التعليمية خاصة الجامعات للمحافظة تطورها والبحث العلمي ودفع رواتب جيدة للأساتذة ليعيشوا حياة محترمة تدفعهم للتفرغ للتدريس وتطوير انفسهم ومناهجهم..

  3. انت تضع التعليم الديني كانه سببا لانهيار التعليم وتقصد الاسلامي فقط وتتهم هذا التعليم بتخريج المتطرفين وهذا كذب بواح فمعظم عناصر الجماعات الدينية كانوا خريجي التعليم العام العلماني وليس الازهري وبالطبع تريد تحميل الاسلام مسئولية التطرف وتعتبر العلمانية هى المنقذ وتضرب المثل بتونس فكم حجم انفاقها ع التعليم وما نتائجه وهل تقدمت فى ظل العلمانية وكم عالم تونسي في اى مجال اما سبب انهيار التعليم فهو 1-انهيار القيم2-تدني وضع المدرس الذي اصبح من المتسولين 3-قلة عدد المدارس فلك ان تتخيل ان في الفصل 60 طالب 4- عدم وجود هدف من التعليم سوى تخريج حملة شهادات لايعملون بها 5- ضعف الانفاق على التعليم قارن اى دولة عربية مع اسرائيل

  4. عبارة “بوكو حرام” لا تعني التعليم حرام. كلمة بوكو تعني الدجل والمقصود به هنا التعاليم الغربية، وليس التعليم. والفرق واضح بين التعليم والتعاليم.
    من جهة أخرى، بت أشفق على خالد الذكر جمال عبدالناصر الذي ما زال يتلقى السهام من الجميع رغم مرور قرابة الخمسين عاما على وفاته. الإسلاميون يهاجمونه بوصفه عدو للإسلام والاستاذ عيد وربما أخرون مثله يتهمون عبد الناصر بأنه “حول الأزهر إلى مؤسسة تعليم ديني، أي من مؤسسة لدراسة وتعليم اللاهوتيات ومقارنات الأديان إلى مؤسسة لصبغ العلم بالصبغة الدينية، أي تعليم الطب والهندسة وغيرها من العلوم الطبيعية من منظور ديني.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left