تعويضات إيران… المفلس ودفاتره العتيقة

صادق الطائي

Aug 21, 2018

من الضروري الإشارة في بدء مناقشة الموضوع إلى أن مسألة تعويضات خسائر الحرب، هي من قضايا القانون ‏الدولي الشائكة، التي مرت بمراحل معقدة حتى وصلت إلى صيغتها الحالية، وأن تاريخ تعويضات الحروب ابتدأ تقريبا مع بداية القرن العشرين.
فلم تعرف الدول قبل ذلك مفهوم تعويضات الحروب، وإنما كانت تتعامل بالمفاهيم السياسية والعسكرية القديمة، القائمة على فرض قوة الاحتلال العسكري، ونهب ثروات الخاسر في الحرب، لكن ربما كانت أول ظاهرة لمفهوم تعويضات الحرب هي ما طبق دوليا بحق اليونان، بعد هزيمتها في حربها ضد الدولة العثمانية عام 1897، ففي أعقاب تلك الحرب أجبرت اليونان المهزومة على دفع تعويض ضخم ‏لتركيا (حوالي 4 ملايين جنيه استرليني). اليونان التي كانت في حالة ضعف واضح، اضطرت للموافقة على ذلك نتيجة ‏رؤية شؤونها المالية العامة تدار بإشراف لجنة مالية دولية.‏
وبحسب فقهاء القانون الدولي، الذين أشاروا إلى أن الشكل القانوني الأكثر وضوحا لمفهوم التعويضات تجلى في معاهدة السلام التي أبرمت نهاية الحرب العالمية الاولى، والتي شكلت أساسا مهما لدراسة مفهوم ‏التعويضات في القانون الدولي الحديث في ما بعد، إذ انطوت على العديد من المبادئ التي تحكم هذا الموضوع. ‏وفي هذا الصدد يمكن ملاحظة أن معاهدة السلام هذه استخدمت مصطلحات تفيد ‏معنى إعادة إعمار المناطق المتضررة نتيجة الحرب، وبالتالي تخليها عن المصطلحات التي كانت تستخدم من قبل، ‏‏والتي كانت تفيد معنى الغرامة وطابع العقوبة والجزاء، أكثر مما تفيد معنى ‏التعويض لإصلاح الخراب الذي تسببت به الحرب.
وبعد انتصار الحلفاء وهزيمة المحور في الحرب العالمية الاولى، وقعت ألمانيا اتفاقية الهدنة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، التي ‏أشارت إلى مسألة التعويضات. ‏ولم يكن تضمين اتفاقية الهدنة شرطا حول تعويضات الأضرار، شيئا مألوفا في القانون الدولي ‏قبل ذلك، وقد نص الجزء الثامن من‏ اتفاقية فرساي لعام 1919‏ الشروط ‏المتعلقة بهذه المسألة، وقد دارت بشأنها مداولات طويلة بين ‏الخبراء ورؤساء الحكومات، وفي هذا الإطار قام وزير الخارجية الأمريكي بتوجيه مذكرة ‏إلى الحكومة ‏الألمانية، تضمنت وجوب التعويض عن جميع الأضرار التي لحقت ‏بالمواطنين المدنيين ‏للأمم الحليفة، وبممتلكاتهم بفعل القوات العسكرية الألمانية.‏
وتكررت حالات تعويضات الحروب، وبات من الواضح أن الأقوى هو من يفرض على الأضعف شروطه، ومنها دفع التعويضات، وكان المثال الأوضح هو دفع دول المحور المهزومة في الحرب (المانيا، ايطاليا، اليابان) لدول الحلفاء المنتصرة تعويضات عما تسببت به الحرب العالمية الثانية من دمار، مثال ذلك التعويضات التي كان على ألمانيا دفعها للمنتصرين، فقد طالب الحلفاء في البداية بمبلغ وصل إلى 320 مليار دولار أمريكي، إلا ‏أنهم لم يلبثوا أن أدركوا عدم قدرة برلين على سداد هذا المبلغ في ذلك الوقت، خاصة مع ديونها ‏القديمة عن الحرب العالمية الأولى‎، لذلك خُفضت التعويضات التي دفعتها ألمانيا لتصل إلى 23 مليار دولار أمريكي، وبصفة أساسية على صورة آلات ووحدات ‏تصنيع ومعامل تم تفكيكها ونقلها من ألمانيا المحتلة إلى دول الحلفاء. بينما لم تدفع اليابان سوى 6.6 مليار دولار أمريكي، ‏نتيجة عدم قدرتها على دفع المزيد نتيجة الدمار ‏الذي لحق بها.‏
كما امتد هذا المفهوم وتوسع ليشمل دولا لم تكن موجودة تاريخيا إبان الحرب، مثل دفع ألمانيا الغربية (التي أنشئت بعد تقسيم المانيا إلى شطرين) تعويضات وصلت إلى مليارات الدولارات إلى دولة إسرائيل التي أنشئت عام 1948 بحجة عائدية حقوق اليهود في كل العالم لها، ونتيجة تعرض بعضهم لجرائم الهولوكوست في معسكرات الاعتقال النازية، تقرر على المانيا دفع التعويضات لاسرائيل. بينما لم يجرؤ أحد على مطالبة دول الحلفاء بتعويض ما دمروه في بلدان المحور، والمثال الأبرز على ذلك ما سببته القنبلتان الذريتان اللتان ألقتهما الولايات المتحدة الامريكية على اليابان من دمار مسح مدنا كاملة من الخريطة مثل هيروشيما وناكازاكي. لكن لابد لفصول المفارقة أن تكتمل، إذا علمنا أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة بين المنتصرين التي قامت بدفع تعويضات إلى الامريكيين المتحدرين من اصول يابانية، ‏ففي عام 1988 قدم الرئيس الأمريكي رونالد ريغان اعتذارًا رسميا إلى اليابانيين الأمريكيين، الذين تم ‏احتجازهم في معسكرات الاعتقال الامريكية، إبان الحرب العالمية الثانية، بتهمة كونهم طابورا خامسا لليابانيين، كما وافق على دفع 200 ألف دولار لكل معتقل ‏سابق كان على قيد الحياة حينها‎. ولم يشهد العالم اقسى واشد من المنظومة التي وصفت بأنها الأكثر صرامة في مجال تحصيل ‏التعويضات، وهي المنظومة الأممية التي استوفت من العراق تعويضات خسائر احتلاله للكويت، ‏وما تسبب به هذا الاجتياح من اضرار. وقد وصلت قيمة التعويضات الإجمالية إلى 350 مليار دولار، تدفع للدول ‏والمؤسسات والأفراد الذين تضرروا من احتلال الكويت والعمليات العسكرية التي اعقبت ذلك، وقد تم تحصيل التعويضات عبر سيطرة لجنة ‏مختصة من الأمم المتحدة سيطرت على الثروة النفطية للعراق، واستقطعت ما يصل إلى 30% من عائدات النفط العراقي، لصندوق سداد الديون نتيجة وضع العراق تحت شرط البند السابع للامم المتحدة، ومازال العراق حتى اليوم مستمرا في ‏تسديد فواتير تعويضات خسائر الحرب.
بينما وفي الوقت نفسه وبحكم قانون أممي ايضا، اصدره مجلس ‏الامن بشأن تدمير اسرائيل لمفاعل تموز النووي العراقي السلمي عام 1981، إذ أقر قرار مجلس الأمن رقم 487 ‏لسنة 1981 حق العراق بتعويض تدفعه اسرائيل التي اعلنت مسؤوليتها عن تدمير المفاعل النووي ‏العراقي. لكن هذا القرار بقي حبرا على ورق، وكما هو معروف أن اسرائيل لم تدفع طوال تاريخها الدموي ‏وحروبها المتعددة التي شنتها في المنطقة دولارا واحدا للدول التي دمرت فيها مدنا وقرى اجتاحتها وسوتها ‏بالارض، سواء في فلسطين أو في دول الجوار، لأن لا أحد يجرؤ على مطالبة اسرائيل بتعويضات.‏ وعندما أثار بعض الساسة الايرانيين هذه الايام موضوع مطالبة الحكومة الايرانية بتعويضات الحرب العراقية ‏الايرانية، تذكرت المثل القائل «التاجر المفلس يبحث في دفاتره العتيقة». فقد ذكر نائب رئيس البرلمان ‏الإيراني محمود صادقي، انه «يجب على العراق أن يدفع تعويضات لإيران بقيمة ‏‏مليار ومئة ألف ‏دولار»، مضيفا في تغريدة له على تويتر قوله «إيران لم تطالب بتعويضات الحرب في السابق، لأنها أخذت ‏بنظر الاعتبار ظروف العراق ‏الصعبة»‏‎‏. وكان السبب أو المحرك لإطلاق مثل هذه التصريحات الغريبة ‏الآن موقف رئيس الوزراء العبادي، الذي ذكر فيها أن حكومته ستلتزم مضطرة بحزمة العقوبات الامريكية ‏المفروضة على ايران، خوفا على مصالح الشعب العراقي من التأثر في حال توتر العلاقة مع الولايات ‏المتحدة، وقد أوضح صادقي ذلك بقوله في التغريدة نفسها «أما الآن فرئيس وزراء العراق بدلا من ‏التعويض يسير مع العقوبات الأمريكية ضد طهران»‎.‎
وجاءت تصريحات نائبة الرئيس الإيراني معصومة ابتكار لتزيد الطين بلة وترفع من توتر الوضع بين ‏طهران وبغداد، فقد صرحت بتغريدة لها على حسابها الرسمي في تويتر بقولها؛ «ينبغي إضافة ‏التعويضات ‏البيئية لحرب العراق والحرب الكويتية والأضرار التي لحقت بالخليج، وتقدر قيمتها ‏بمليارات ‏الدولارات‎»، وذكرت ابتكار أن حكومة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي كانت قد رفعت شكوى إلى ‏لجنة ‏أممية مختصة للتعويض عن تلك الأضرار‎.‎ إن مطالبة ايران اليوم بتعويضات عما اصابها من اضرار جراء الحرب، تقرأ على انها ورقة ضغط خائبة من إدارة روحاني على حكومة العبادي، لكن يبقى الامر اللافت في هذه الأزمة هو تصاعد أصوات قيادات حزبية عراقية، أعلنت ولاءها بشكل فج لإيران، بل طالبت العراق بدفع تعويضات مبالغ بها حتى اكثر من المطالبة الايرانية نفسها، وهنا يبدو العجب العجاب.
من الطبيعي أن يطالب شخص بتعويض لبلده، لكن من الغريب أن يطالب شخص بلده بدفع تعويض لبلد آخر، وللامانة التاريخية، قد يرى البعض أن الموضوع وليد الساعة، ولا يذكرون أو لا يعلمون أن أول من طالب بدفع تعويضات عراقية لايران كان رئيس المجلس الاسلامي الاعلى عبد العزيز الحكيم إبان رئاسته لمجلس الحكم، بعد أشهر على اسقاط نظام صدام حسين. وقد ورد ذلك في تصريح له اثناء لقاء صحافي مع BBC في 18 ديسمبر/كانون الأول 2003 ‏، اذ قال الحكيم بعد مباحثاته مع وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في لندن، إن هناك حاجة لإجراء المزيد ‏من المحادثات لمعرفة ما إذا كان العراق سيدفع تلك التعويضات بنفسه‎ .‎وكانت إيران بحسب الحكيم تطالب بمئة مليار دولار كتعويضات عن الدمار الذي تسببت به الحرب. وهنا نصل إلى المضحك المبكي في الأمر، رئيس السلطة العراقية يطالب بدفع تعويض لايران، والأكثر مرارة أن المبلغ تضخم من مئة مليار دولار عام 2003، بحسب مطالبة ايران، ليصل اليوم بحسب جلال الدين الصغير القيادي في حزب الحكيم نفسه إلى ترليون ومئة مليار دولار… انه زمن الضحك لكنه ضحك اسود كالبكاء.
كاتب عراقي

تعويضات إيران… المفلس ودفاتره العتيقة

صادق الطائي

- -

2 تعليقات

  1. يجب على أمريكا دفع تعويضات ضخمة للعراق والعراقيين جراء إحتلالها الغير شرعي للعراق منذ سنة 2003 !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. السيد الكاتب المحترم

    أرجو أن تكتب لنا عن حق العراق و العراقيين بالتعويض المعنوي و المادي عن كل الدمار و الخراب و الضحايا الأبرياء اللذين سقطوا بصورة مباشرة و غير مباشرة جرّاء الغزو الإجرامي عام ٢٠٠٣ .

    أصبح الآن مقبولاً من الجميع أن ذلك الغزو ، بغض النظر عن سوء النظام ، لم يكن له أي سند قانوني و شرعي و قد رفضه العالم أجمع قبل حصوله و بعد ذلك أبدى الألوف من رجال العلم و الفكر و السياسة بعدم مشروعيته ، منهم الأمين العام للأمم المتحدة الراحل منذ بضعة أيام كوفي أنان و حتى ترامب الأخرق و الرئيس أوباما .

    و في ذلك ، ممكن أن تكتب مجلدات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left