هكذا ضلل نتنياهو وباراك الولايات المتحدة حول إيران

طوال سنتين في بداية هذا العقد تابعت واشنطن بقلق زائد ما يجري في إسرائيل

صحف عبرية

Aug 21, 2018

الاستدارة الدراماتيكية الكاملة التي قامت بها إدارة ترامب بخصوص التهديد النووي الإيراني الذي وصل ذروته في الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من اتفاق فيينا في أيار هذا العام زادت مجددًا التوتر بين واشنطن وطهران. على خلفية تبادل التهديدات بين الدولتين والتقديرات بأن في نية الولايات المتحدة تشجيع خطوات لتغيير النظام الإيراني، مرة أخرى يتم طرح سيناريوهات بشأن حرب إقليمية عتيدة تشرك أيضًا حتى إسرائيل.
خطر ذلك يبدو الآن ضعيفًا، لكن بسبب ذلك، من المهم فحص أحداث بداية هذا العقد، التي هددت فيها حكومة نتنياهو بمهاجمة المواقع النووية في إيران وحثت إدارة أوباما لبدء خطوات قوية من العقوبات الاقتصادية الدولية، التي أدت في النهاية إلى التوقيع على اتفاق فيينا في تموز 2016. د. دانييل سوبلمان الذي يعمل اليوم محاضرًا في قسم العلاقات الدولية في الجامعة العبرية، بحث هذه الفترة في السنوات الأخيرة في عمله في إطار ما بعد الدكتوراة في جامعة هارفارد. في المقال الذي نشر الأسبوع الماضي في مجلة «تكساس ناشيونال ريفيو» عرض سوبلمان (الذي كان في الماضي مراسل الشؤون العربية في هآرتس) استنتاجاته المستندة أيضًا إلى مقابلات مع شخصيات رفيعة إسرائيلية وأمريكية كانت مشاركة في الاتصالات في الشأن الإيراني في تلك السنوات ومنهم وزير الدفاع السابق ليئون بانتا، ووزير الدفاع السابق اهود باراك، ورئيس الموساد السابق تمير بردو.
سوبلمان الذي يركز على السنوات الأولى من العقد (2011 ـ 2012) يستعرض جهود إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة بأنه يتم دراسة هجوم أحادي الجانب بصورة جدية. وبهذه الطريقة تجعل أمريكا تتخذ موقفًا أكثر تصلبًا ضد إيران بصورة تخدم مصالح إسرائيل.
هل صحيح أن إسرائيل كانت تنوي مهاجمة إيران؟ سوبلمان ومثل مراسلين وباحثين طلب منهم الإجابة عن ذلك في السابق (وأحد المشاركين أنفسهم) لا يتوصل إلى استنتاج قاطع. ولكن بعض المشاركين الذين أجرى معهم محادثات اعترفوا بأن الاستعدادات كانت جدية وأن الولايات المتحدة قامت بتتبع استخباري واسع لإسرائيل من أجل الوقوف على حقيقة نواياها.
بنيامين نتنياهو وإيهود باراك، كتب، أثارا بصورة متعمدة فزع الحرب لتحسين قدرة المساومة أمام الأمريكيين الذين خافوا من حرب إقليمية تعرض مصالحهم للخطر.
الاثنان سعيا للحصول على تعهد أمريكي صريح وصادق بمنع إيران من الوصول إلى قدرة على إنتاج سلاح نووي أكثر مما تعهدت به إدارة أوباما حتى ذلك الوقت. رغم تقارب سياسات ومصالح الدولتين إلا أنه لم يكن تطابق بخصوص إيران. في 2011 أجرت الإدارة اتصالات سرية مع إيران بواسطة سلطنة عمان. إسرائيل سربت هذه الاتصالات بهدف التشويش عليها. «عرفنا ما يكفي من المعلومات عن الاتصالات غير المباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين»، قال باراك لسوبلمان. «قلقت جدًا من أن النغمة الأمريكية غير واضحة بما يكفي لجعل الإيرانيين يتخذون قرارًا».

مجال الحصانة

التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وصل ذروته طوال فترة استمرت سنة وانتهت في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني 2012 التي فاز فيها أوباما بولاية ثانية. نتنياهو وباراك تحدثا بصورة صريحة عن احتمال هجوم وباراك عرض نظرية «مجال الحصانة» التي حسبها خلال أقل من سنة تستطيع إيران تحصين منشأة التخصيب النووي في فوردو بصورة تقلل أضرار الهجوم الإسرائيلي.
في واشنطن خشوا من أن إسرائيل تحاول جر الولايات المتحدة إلى حرب. في الصحف الأمريكية اقتبسوا شخصيات كبيرة في الإدارة حذرت من أنه ليس لديهم «رؤية كاملة» بخصوص التحضيرات الإسرائيلية لهجوم، وأنه لم يتم التوصل إلى تفاهم تتعهد فيه إسرائيل بأن لا تقصف إيران دون التنسيق مع الولايات المتحدة. في البيت الأبيض قلقوا بشكل خاص من احتمال هجوم انتقامي إيراني ضد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إذا هاجمت إسرائيل.
الأمريكيون اعتقدوا أن إسرائيل تستطيع التملص من وسائل متابعتهم وأن تضع أمامهم حقائق منتهية. بانتا قال لسولبمان بأنه كانت للأمريكيين مصادر جيدة لمعرفة إذا كانت إسرائيل تستعد لهجوم كهذا، «دولة دقيقة مثل إسرائيل كان يمكنها إيجاد سبل لإخفاء خطوة كهذه، لأنهم كانوا يعرفون عن مصادرنا». دان شبيرو، سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، في حينه صادق: «كنا متأكدين من أنهم إذا لم يعطونا إنذارًا، فلن يكون لدينا إنذار مسبق. الإسرائيليون كانوا يستطيعون مفاجأتنا وإعطاءنا إنذارًا لمدة ساعة أو ساعتين قبل الهجوم»، ثم أضاف بانتا بأنه استنتادًا إلى مهاجمة إسرائيل للمفاعل النووي العراقي في 1981 والمفاعل السوري في 2007 «الجميع أدركوا أن إسرائيل يمكنها العمل وحدها أمام تهديد وجودي».
في زيارة للبلاد في تشرين الأول 2011، طلب بانتا من إسرائيل إنذارًا مسبقًا ـ ورفض. أوباما، وبانتا، وشخصيات كبيرة في الإدارة، حذروا إسرائيل من تداعيات شديدة لهجوم أحادي الجانب. وكالات استخبارات زادت متابعتها لنشاطات إسرائيل. حسب تقارير صحافية أمريكية فإن الإدارة زادت التنصت على محادثات سرية في إسرائيل خلف ما يجري في مكتب رئيس الحكومة، وشخص حالات استعداد في قواعد سلاح الجو وحدد مسبقًا ليالي ليس فيها ضوء قمر تحتمل خطرًا أكبر لهجوم إسرائيلي. خبراء سايبر أمريكيون اخترقوا أنظمة الطائرات القتالية والطائرات بدون طيار الإسرائيلية.
أرسل شبيرو برقية من تل أبيب ليتم نشرها بصورة موسعة في واشنطن، وفيها حذر من أنه لا يستطيع أن يضمن إنذارًا إسرائيليًا مسبقًا بشأن الهجوم. في كانون الأول من تلك السنة، حذر بانتا بشكل علني أن هجومًا إسرائيليًا سيؤدي إلى مواجهة إقليمية «سنندم جميعنا عليه».
في الوقت الذي خشيت فيه أمريكا من الشرك، كتب سوبلمان «إسرائيل خافت من التخلي عنها». لقد حاولت أن تفرض على أوباما تعهدًا بالتصميم أمام الإيرانيين إلى درجة وضع تهديد عسكري حقيقي أمامهم، من خلال تقييد المرونة الأمريكية، وفي البيت الأبيض عارضوا ذلك. عدد من كبار الشخصيات السابقة في إدارة أوباما صادقوا في محادثات مع سوبلمان أنه في الأشهر الأولى من 2012 ساد في واشنطن شعور بأن هجومًا إسرائيليًا ضد إيران قادم.
غاري سايمور من الشخصيات الرفيعة في الإدارة، قال: «باستثناء نائب الرئيس جو بايدن، من اعتقد أن هذه خدعة كبيرة. كل الشخصيات الرفيعة الأخرى ومن ضمنهم أوباما شعروا بضغط إزاء تهديد الهجوم الإسرائيلي». اليوم أيضًا يواصل باراك الحفاظ على الغموض، لقد قال لسوبلمان: «إن جو هجوم مرتقب عكس استعدادات عسكرية حقيقية. الأمريكيون تابعونا، كانوا يشاهدون ما فعلناه»، وقال: «نحن قمنا بالاستعداد»، وحسب أقواله: إسرائيل عملت على فرض أن أمريكا تتابع استعداداتها.
باراك اعترف أنه أعطى أهمية لإبعاد رؤساء الأذرع الأمنية عن معرفة نواياه بخصوص الهجوم. رؤساء الأجهزة الأمنية في إسرائيل عارضوا هجومًا أحادي الجانب، ونتنياهو وباراك عرفا أن جزءًا منهم يتحدث مع نظرائهم الأمريكيين كل يوم. رئيس الحكومة ووزير الدفاع، كتب سوبلمان، حافظا على السرية من أجل زيادة مصداقية التهديد بالهجوم. والمحيطون بهما أيضًا لم يعرفوا ما هي نواياهم الحقيقية. يعقوب مريدور، مستشار الأمن القومي السابق، قال إنه اعتقد بأنهم «جديون ولا يخدعون».
أما تمير بردو، فكانت لديه شكوك طوال الوقت. «لكن عندما يقول رئيس الحكومة لي بأن استعد للعد التنازلي للهجوم، فأنت تعرف أنه لا يلعب، فإن لذلك تداعيات قوية، وهذا ليس أمرًا يمكن القيام به كتمرين».

ولا حتى 24 ساعة

في بداية 2012 أعلنت إسرائيل عن إلغاء مناورة عسكرية مشتركة خُطط للقيام بها مع الأمريكيين. قال باراك لسوبلمان إن بانتا فهم أن إسرائيل جدية وطلب إنذارًا مسبقًا لمدة أسبوعين على الهجوم. قلت له لا أسبوعين ولا حتى 24 ساعة. ولكنني أكدت له أننا سنوفر إنذارًا بحيث لا نعرض حياة جندي أمريكي واحد للخطر في الشرق الأوسط.
تولد لدى سوبلمان انطباع بأن باراك أرسل بصورة متعمدة رسائل مختلفة لجماعات مختلفة. للجمهور الإسرائيلي تم بيع ذريعة بأن المناورة ألغيت بقرار مشترك مع الأمريكيين لاعتبارات مالية. وباراك قال في مقابلة مع صوت الجيش إن هجومًا إسرائيليًا ضد إيران بات احتمالا«بعيدًا جدًا». الأمريكيون في المقابل صدقوا التهديد الإسرائيلي. رئيس الأركان الأمريكي أرسل في زيارة عاجلة لإسرائيل، وبانتا قال في مقابلة مع «واشنطن بوست» بأن هناك احتمالية عالية لهجوم إسرائيلي حتى ربيع 2012.
رئيس الاستخبارات الأمريكية «دي.ان.آي» في عهد أوباما، جيمس كلابر، قال لسوبلمان إنه حلل الخطوات الإسرائيلية كاندماج بين «قلق كبير ورغبة في الضغط علينا.. لقد اعتقدت أن هذا حرب نفسية»، أي حرب نفسية هدفها خداع الإدارة.
الأمريكيون، كتب سوبلمان، لم يكونوا سلبيين في الرد على الضغوط الإسرائيلية. وحسب سايمور: «جزء كبير من استراتيجيتنا في تلك الفترة، كيف نوقف الإسرائيليين عن الهجوم. بدرجة ما هذا تحول إلى هدف فوري أكثر من صد إيران». رئيس الأركان الأمريكي مارتن دامبتسي، قال في حينه إن هجومًا إسرائيليًا على إيران سيضعضع استقرار المنطقة، ومشكوك فيه أن يحقق أهدافه. بعد ذلك أضاف أن هجومًا كهذا «سيعيق، ولكنه لا يدمر المشروع النووي».
السفير شبيرو يقول الآن إن الأمريكيين زادوا من إرسال بعثات رفيعة المستوى إلى إسرائيل من خلال افتراض أن زيارات كهذه تؤجل القرار الإسرائيلي. «هكذا أنت تكسب ثلاثة أسابيع في كل مرة. كان هذا جزءًا من استراتيجيتنا». يشير سوبلمان إلى أن الأمريكيين حاولوا إبراز الخلافات في الرأي في إسرائيل بخصوص الهجوم، وأن الرئيس أوباما شجع الرئيس في حينه شمعون بيرس على أن يظهر ثقة بالوعد الأمريكي وبهذا التحفظ من الهجوم أحادي الجانب.
التهديدات الإسرائيلية بالهجوم تلاشت في أيلول/سبتمبر 2012 عندما اجتمع باراك مع شخصيات كبيرة في الإدارة أثناء زيارة للولايات المتحدة وأعلن بأنه لم يعد يؤيد هجومًا غير منسق. هذه الخطوة لباراك لم يتم تنسيقها مع نتنياهو، لكن رئيس الحكومة نفسه، في خطاب في ذلك الشهر في الجمعية العمومية للامم المتحدة (الذي تم تذكره طويلابالأساس بسبب صورة القنبلة والخط الأحمر)، قال إن أشهرًا بقيت على وقف إيران. وبهذا أشار إلى رفع احتمال الهجوم الفوري عن جدول الأعمال اليومي. في صيف 2013 الولايات المتحدة وإيران أصبحتا مشاركتين في مفاوضات مكثفة قادت إلى التوقيع على الاتفاق المرحلي في تلك السنة. بهذا تم رفع احتمال الهجوم الإسرائيلي عن الأجندة.
حسب سوبلمان، فإن الولايات المتحدة أخذت ما تريد من إسرائيل: سلاح الجو لم يهاجم وأوباما لم يتعهد بأن يهاجم إيران بنفسه. ولكن للضغط الإسرائيلي كان ثمة تأثير مهم آخر: تسريع خطوات العقوبات الاقتصادية الدولية التي قادتها أمريكا وأدت فيما بعد إلى التوقيع على الاتفاق المرحلي، وبعد ذلك التوقيع على الاتفاق النووي النهائي في فيينا بعد سنتين.
دنيس روس، من كبار شخصيات الإدارة، كتب إنه كان لإسرائيل تأثير كبير على المقاربة المصممة للبيت الأبيض تجاه إيران في مجال العقوبات. نائب وزير الخارجية وليام برانس، قال لسوبلمان إن ضغط إسرائيل سرع خطوات أوباما سنة تقريبًا على الأقل. حسب أقواله، فإن أوباما تحرك بوتيرة سريعة أكثر بسبب القلق من هجوم إسرائيلي محتمل». الإدارة نفسها استخدمت التهديد الإسرائيلي من أجل الضغط على روسيا والصين والاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام إلى العقوبات. «التهديد الإسرائيلي بالتأكيد ساعد»، لخص غاري سايمور. سوبلمان لخص: في نهاية 2011 إسرائيل جعلت الولايات المتحدة عمدًا تقدر أن هجومًا إسرائيليًا ضد إيران سيتم القيام به، وهذا سيناريو أقلق الإدارة كثيرًا. واشنطن التي كانت غارقة في حربين في العراق وأفغانستان خافت من التورط في حرب غير ضرورية أخرى. هنا بدأت المساومة الداخلية بين الحليفتين: إسرائيل نجحت في إقناع أمريكا بتبني خطوات متشددة أكثر ضد إيران، ولكن حقيقة أن الهجوم الإسرائيلي لم ينفذ تدل على قدرة المساومة للدولة الأقوى من بين الدولتين.
البحث يقتبس للنهاية: «ليس هناك مثل هجوم عسكري من أجل لفت الانتباه. وهذا (استعداد إسرائيل للهجوم) زاد نشاطنا العسكري والدبلوماسي. لقد كانت تلك جهودًا للضغط على أزرار أخرى من أجل رؤية إذا ما كان هناك حل دبلوماسي للتهديد».

عاموس هرئيل
هآرتس 20/8/2018

هكذا ضلل نتنياهو وباراك الولايات المتحدة حول إيران
طوال سنتين في بداية هذا العقد تابعت واشنطن بقلق زائد ما يجري في إسرائيل
صحف عبرية
- -

1 COMMENT

  1. لن تبقى أمريكا في قمة الهرم ولا أدري ما هي الدولة التي تبني وجودها على مساندة دولة أخرى .
    ما يسمى بإسرائيل ستزول وإن بقائها مرتبط بحماتها من الفاسدين العرب ولو تغير أحدهم فلن تبقى لأن الصراع عقائدي وليس صراع على حدود أو اقتصاد وما هي إلا مسألة وقت وقادة ما يسمى بدولة إسرائيل يدركون ذلك ولن يستطيعوا منع الإنهيار لا هم ولا أمريكا إن جاء أجله .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left