الاعتقال الإداري للفلسطينيين: حرمان الزوجة من زوجها والأب من ابنه

دون تهمة ودون موعد معروف لنهايته

وديع عواودة:

Aug 21, 2018

الناصرة – «القدس العربي» :يكشف تقرير حقوقي إسرائيلي أن الاحتلال يعتقل شهريا نحو 150 فلسطينيا اعتقالا إداريا، وأن هناك مئات منهم محتجزون في سجون إسرائيلية داخل إسرائيل وفي الضفّة الغربية من دون أن تُنسب إليهم أية تهمة، ومن دون إطلاعهم على «الأدلة» ومن دون معرفة متى سيتم إطلاق سراحهم. وتوضح منظمة «بتسيلم» في تقرير جديد أن إسرائيل تسمي عملية الاحتجاز هذه «الاعتقال الإداريّ» وهي ليست ظاهرة جديدة لكنها متصاعدة. ويورد التقرير معطيات رسمية مفادها في هذا الشأن أن سلطات الاحتلال اعتقلت في مايو/ أيار الماضي 440 فلسطينيا اعتقالا إدارياً من بينهم امرأتان وثلاثة قاصرين.
وتمديد الاعتقال الإداريّ مسألة روتينية، فمن بين 440 معتقلاً إدارياً جرى احتجاز 126 معتقلاً لمدة ستة أشهر إلى عام واحد (أي أنه جرى تمديد احتجازهم مرة واحدة على الأقلّ) واحتجز 93 منهم لمدة تزيد عن عام (أي جرى تمديد احتجازهم مرتين على الأقل).وطبقا لـ « بتسيلم « فإنه في الأعوام العشرة الماضية لم يمرّ شهر دون أن تحتجز إسرائيل على الأقل 150 فلسطينياً اعتقالا إداريا.
«بتسيلم» المنظمة الإسرائيلية الناشطة منذ عقدين ونيف من أجل حقوق الإنسان  في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67 تنبه إلى إن صلاحية إصدار أمر بالاعتقال الإداري تُعتبر صلاحيّة جارفة ومتطرفة.  وتؤكد أنه ظاهريّاً يجري فحص أوامر الاعتقال من قِبل المحاكم العسكرية ومحكمة العدل العليا، ومع ذلك فإنّ هذه المحاكم لا تُجري سوى مراجعة قضائيّة شكليّة، تنتهي بالموافقة بشكل روتينيّ على مثل هذه الاعتقالات. ويشمل التقرير إفادات أدلى بها عدد من الفلسطينيين لديهم أقارب رهن الاعتقال الإداري.

الأب معتقل والأم في باريس

ضمن هذه الشهادات إفادة يرويها دنيس الحموري (59 عاما) من الرام التي تحدثت عن اعتقال ابنها، وجاء فيها «ابني صلاح الحموري (33 عاما) رهن الاعتقال الإداريّ منذ تاريخ 23/8/2017 .في البداية اعتقلوه لمدة ستة أشهر ثم مددوها لأربعة أشهر لكن جرى تمديد اعتقاله مرّة أخرى لفترة ثلاثة أشهر حتى 30/9/ 2018 «.
وتشير إلى أن نجلها كان يعمل باحثاً في مؤسسة «الضمير» وهو متزوّج من إليسا، مواطنة فرنسية ولديهما طفل يبلغ من العمر عامين. في أيار 2016 ولدى عودة إليسا من زيارة لها في فرنسا جرى إبعادها من مطار اللد بعد أن احتجزوها لمدّة ليلة كاملة وهي حامل في شهرها السّابع. اضطرّت إليسا للعودة إلى فرنسا، وهناك ولدت ابنهما حسن ولم تعد إلى البلاد منذ ذلك الحين. وقالت «ابني لا يستطيع رؤية ابنه الذي لا يفهم مكان وجود والده إذ يبلغ من العمر عامين فقط». وتتابع «زوجي حسن ( 63 عاماً) لا يستطيع زيارة صلاح لأنه يخشى المرور عبر جهاز الأشعة. لقد خضع لجراحة القلب المفتوح في 2009 وجرى زرع معدن في صدره. من جهة أخرى هو لا يريد أن يتعرض للإهانة والاحتجاز في طريقه إلى السّجن. لكنه على الأقل تمكّن من رؤيته في المحكمة غير أننا لم يكن بمقدورنا التحدث معه أو الاقتراب منه».

رحلة العذاب للنقب

وقالت الأم إنها تزوره مرّة في الشهر، وإن يوم الزيارة يوم صعب، وعن ذلك تقول» يجب أن أستيقظ باكراً، أذهب في السيارة إلى مركز الصليب الأحمر في القدس ومن هناك وفي الساعة الخامسة والنصف صباحاً نتّجه إلى السّجن في حافلة يتمّ تنظيمها من قِبلهم. تستغرق الرحلة ثلاث ساعات ذهاباً وإياباً من القدس إلى سجن النقب. طوال الطريق أفكّر في دوري كأمّ – يجب أن أكون قويّة وأظهر روحاً ايجابيّة لأجل ولدي. عادة يرافقني أحد ولديّ. يُسمح لنا بإحضار خمس صور فقط، نحضر معنا صوراً لابنه لكي يرى كم كبر. أنا أحاول أن أكون قويّة وألّا أبكي أثناء الزيارة كي لا يرى، خاصّة عندما أراه ينظر إلى الصور «. وتوضح أن ولدها صلاح يعلم أنّ إبعاد الإسرائيليين لزوجته وطفلهما هدفه محاولة كسر معنويّاته وإضعافه، وتقول إنه هو أيضاً يحاول أن يُظهر لي أنّه قويّ. وتضيف «أقول له إنه يجب ألّا يقلق وأنّ زوجته وابنه على ما يرام وأن الاعتقال سوف ينتهي قريباً. قبل ثمانية أشهر قمت بزيارة حفيدي في فرنسا. أمسك بصور والده وظل يسألني متى سيراه ومتى سيعود والده إلى البيت. إنه طفل صغير ومن الصعب أن أشرح له أن والده رهن الاعتقال. الأمر صعب على زوجته أيضاً فهي تريد أن تزوره. أمّا أنا فأحاول دعمهما وتقويتهما».
وتخلص الأم الفلسطينية للقول «الأمر صعب عليّ، صلاح لا يستطيع رؤية أبيه ولا زوجته ولا ابنه. من الصعب عليّ أن أتقبّل أن تربّي زوجته طفلهما وحدها. أعاني في صمت. أحاول أن أكون إيجابيّة أمام الجميع ولكن الأمر صعب. وأصعب ما في الأمر رؤية حفيدي حسن، فهو غير مُدرك لما يحدث من حوله».
أما إسراء أبو شهاب (19 عاما) من قلقيلية شمال الضفة الغربية فهي طالبة محاسبة، ومتزوّجة ولها طفل عمره عام واحد، وتورد ضمن التقرير إفادة حول اعتقال زوجها، جاء فيها : في يوم 28/6/2016 تزوّجتُ من محمود أبو شهاب، الذي كان يعمل كعامل بناء في منطقة قلقيلية قبل إرساله إلى الاعتقال الإداريّ في يوم 20/12/2016 .
بعد الزفاف، انتقلنا للعيش مع أمّه في قرية عزّون. توفيت حماتي في شهر يناير/ كانون الثاني، بعد اعتقال زوجي. كنت حاملاً في الشهر الثالث ولهذا قرّرت الانتقال للعيش مع أهلي في قلقيلية كي لا أبقى وحيدة. في 20/12/2016 رافقني زوجي لزيارة الطبيب في قلقيلية وكنت حينئذٍ حاملاً. في طريق العودة أخذنا سيارة أجرة إلى عزّون. عندما وصلنا إلى قرية عزبة الطّيب، أوقف الجنود سيارة الأجرة وأخذوا يفحصون بطاقات هوية الركاب، ثم أنزلوا زوجي من السيارة، وأمروا السائق بمتابعة السفر. أبقوا زوجي معهم وأما أنا فواصلت السفر إلى قرية عزون. بعد يومين أعلمني نادي الأسير الفلسطيني أن السلطات الإسرائيلية أصدرت بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدة ستة أشهر «.

صدمة موجعة

قبل نهاية فترة الاعتقال، جدّدوا أمر الاعتقال لفترة ستة أشهر أخرى ثم طلبوا تمديد الأمر للمرّة الثانية لمدة ستة أشهر إضافيّة. تمكنّا بمساعدة محامي نادي الأسير الفلسطيني من تقليص الفترة إلى أربعة أشهر. وتتابع إسراء استعراض معاناتها وزوجها «لكن بعد مرور الأشهر الأربعة جرى تجديد أمر الاعتقال للمرّة الثالثة لفترة أربعة أشهر إضافيّة. من المقرّر أن تنتهي بعد غد الخميس». وتقول إن الاحتلال لم يوجه تهمة لزوجها وتدّعي الأجهزة أن هناك ملفاً سريّاً وفقط ضابط الأمن العام «الشاباك» يعرف بأمر الملف، أمّا نحن فليس لدينا أيّة فكرة عن سبب استمرار اعتقاله منذ أكثر من عام ونصف .  
وتضيف « جرى اعتقال زوجي ولم تمرّ أربعة أشهر على زواجنا. كان مؤلماً جدّاً بالنسبة لي أن أنجب ابننا في غيابه. لقد مرّت عليّ اللحظات الصعبة واللحظات الجميلة من فترة الحمل وأنا وحدي. لقد آلمني كثيراً أنه لم يستطع أن يشاركني سعادتي عندما سمعت أنه تمّ قبولي لدراسة المحاسبة في الجامعة «.
وتقول إنها حاولت كثيراً زيارته في السجن ولكنها لم تتمكن من الحصول على تصريح دخول إلا بعد مضي خمسة أشهر على اعتقاله. والحديث عن تصريح محدود ويصلح لمدة شهرين يُسمح خلالهما بزيارتين كحدّ أقصى. لكن في نفس فترة التصريح كان المعتقلون الإداريون مضربين عن الطعام وكان أحد الإجراءات العقابية ضدهم سحب تصاريح الزيارة من أفراد العائلة، ولذلك لم تتمكّن إسراء من زيارته. بعد ذلك حصلت على تصريح جديد وتمكنت من زيارة زوجها للمرّة الأولى في يوم 17/9/2017، بعد تسعة أشهر من اعتقاله. وعن ذلك تقول « كانت زيارة مؤلمة. لم يسمحوا لي أن أنقل ابننا، جود، إلى الجانب الآخر من الحاجز الزجاجي لكي يتمكّن والده من احتضانه وتقبيله خاصّة وأنه يراه لأوّل مرة . ثم تمكّنت من زيارته مرّة أخرى في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، وعندها سُمح له بحمل جود. قمت بزيارته مرّة أخرى في 20/12/2017، وكانت تلك الزيارة الأخيرة. أبلغوني أنه تقرر منع تجديد تصريحي لأسباب أمنيّة. لم أره منذ أكثر من نصف عام. أنا أمرّ بفترة صعبة ومؤلمة في حياتي. بينما طوال هذا الوقت لم يوجهوا إليه أيّة تهمة «.
وتنوه « بتسيلم  أن معاناة هاتين السيدتين الفلسطينيتين هي مجرد مثال على ظاهرة واسعة الانتشار، علاوة على آلاف الأسرى المسجونين بعضهم منذ ثلاثة عقود ونصف العقد مثل كريم يونس.

الاعتقال الإداري للفلسطينيين: حرمان الزوجة من زوجها والأب من ابنه
دون تهمة ودون موعد معروف لنهايته
وديع عواودة:
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left