آفاق تلقي النص السردي واستقباله

وشيجة هي العلاقة بين السرد (القصص) والمتلقي، ومنظورنا هنا يتركز على الإجابة عن سؤال مفاده: هل يساهم المتلقي في تكوين السرد؟
هذا السؤال ستتبعه، قضايا عديدة، فلاشك في أن السارد/ المؤلف يمتلك القدرة على الحكي، وفي الوقت نفسه يضع المتلقي، سواء كان تلقيه شفاهيا أو مكتوبا في حسبانه، فتتم صياغة الحكاية في ضوء ما يمكن أن يعيه المتلقي ويتذوقه.
وبعبارة أخرى، فإن المتلقي يساهم في تشكّل السرد، إما بحضوره في وعي المؤلف/ السارد/ الراوي، أو في مناقشاته في ما سمعه أو قرأه، أو من خلال تذوقه لأشكال سردية بعينها.
وبالنظر إلى علاقة التلقي بنظرية النوع الأدبي (الأشكال الأدبية المختلفة)، فإن هناك وجهة نظر ترى، أن نظريات الأنواع الأدبية جعلت المتلقي مستهّلكا سلبيا، توجهه كما تشاء، لأنها لا تهدف إلى إرهاف حاسة التلقي لديه، وتدريبها وتطويرها لتلقي أي تغيير جزئي، أو كلي، يطرأ على النوع الأدبي، ويظل العقد المبرم بين الكاتب والقارئ مقدسا، لا يجوز الطعن فيه، وإنما تهدف إلى إمتاعه وتسليته، وجعله مضطجعا لا يرهق عقله في التفكر في ما يقرأ، كي يصدر حكما موضوعيا. وذلك وجه آخر لأزمة نظريات النوع الأدبي، حيث ينحصر التلقي ضمن أطر محددة، فلن يحفل القارئ كثيرا بما يخالف هذه الأطر، وسيكون تلقيه سلبيا لها، بمعنى أنه يرفض إدراجها ضمن ما يعرفه عن نوع ما، ولو تمعنا قليلا في هذا البعد، سنجد أن نظريات الأنواع الأدبية، جعلت القارئ سلبيا بدرجة ما، وليس على الإطلاق كما تقدّم، فسلبيته محصورة في الوعي المتلَقَّى عن الشكل الأدبي المقدم والمؤصل من قبل النظرية، ولكنه يمارس تلقيا إيجابيا على أصعدة أخرى، وضمن الشكلانية المقيدة نفسها، كأن يقرأها ضمن النقد الاجتماعي أو النفسي أو الأسلوبي أو البنيوي.
وهي نفسها وجهة النظر التي يشير إليها جيرار جينيت، وإن كانت بشكل مختلف، لا يرتبط بالنوعية، وإنما بالسارد في النص، ويطلق عليها «الإمبريالية النظرية»، حيث يشير إلى أن هناك وظائف للسارد/ القاص في النص القصصي (غير السردية)، حيث يقوم السارد بتوجيه القارئ، لفهم الحكاية وتنظيمها، عبر إعلانات وتذكيرات في المتن السردي، وإشارات إلى المصدر، وشهادات تذكيرية. أي أن السارد يحتكر تقريبا كثيرا من الرؤى السردية، ولا أحد ينازع السارد التعليق الأيديولوجي، وهو ما يسمى المؤلف السلطوي، وإن شاركته شخصيات وأحداث أخرى في ما يسمى الوظيفة الأيديولوجية في النص، ما يجعل دور المرسل إليه (المتلقي) سلبيا تماما هنا، أي أنه ينحصر في تلقي رسالة في السرد، عليه أن يقبلها أو يرفضها، وفي أن يستهلك عملا أدبيا أنجز بعيدا عنه ومن دونه.
ولاشك في أن وجهة النظر الثانية هنا في محلها، لأن السارد بالفعل يملك الكثير مما يمكن بثه في النص المسرود، سواء كان قصا أو تاريخا أو أي شكل من أشكال السرد الشفاهي أو التحريري، خصوصا إذا كان المستقبِل خالي الذهن من القضية المبثوثة. وأرى أن لا داعي لتحميل المؤلف (بوصفه المرسل الأساسي للنص) كل هذا العنت والاتهام، فهذا من حقوقه في التأليف، أن يحمّل النص ما يشاء من أفكار، ويختزن في سرده ما يرغب فيه من إشارات وتخومات ثقافية وأيديولوجية، لأن سلطته على القارئ في النهاية سلطة اختيارية، بمعنى أن من حق القارئ ألا يقتنع بما قرأ، وأن يرد على المؤلف بأي شكل، فالقارئ ليس سلبيا تماما، ولكنه سلبي إذا أراد أن يكون سلبيا، ويكون إيجابيا إذا توافرت له الإرادة في القبول والرفض والرد والتعقيب والمناقشة وكتابة الدراسة والمقال والتعليق.

الشكل السردي ناتج عن البيئة التي أنتج فيها النص السردي، والتي عبّر النص بدوره عن شخصياتها وأحداثها ومعالمها الطبيعية، والوجدان الجمعي السائد فيها.

وقد تطرقت نظريات السرد الحديثة إلى قضية التلقي، خصوصا القائمة على نموذج التواصل، فالعمل الأدبي بوصفه شكلا بلاغيا ينقل المعنى من مؤلف ضمني إلى قارئ، أو تدرس التقاليد الأدبية والثقافية التي تشكّل الملاحظة الأدبية كما يفعل البنيويون والسيميولوجيون.
كذلك فإن الدراسة تتعمق عبر التحليل الوظيفي الذي يندمج في التحليل البنيوي ويحل محله، ويستغرق العلاقات بين النص ومعناه من جهة، والحقيقة الواقعة خارج النص من جهة أخرى، إنه يتعلق بالسياقات التي لا مناص من وقوع كل النصوص الأدبية فيها، وبكيفية دخول هذه النصوص في علاقة متبادلة مع بيئتها.
إنها رؤية وظيفية، تتعامل بالتحليل مع النص الأدبي، والسرد، بالطبع، ذو صلة مباشرة به، فمنظور التلقي في ضوء المدرسة البنيوية ينظر إلى ثلاثة: الحقيقة الواقعة خارج النص، وسياقات النصوص، والعلاقة مع بيئتها.
أما الحقيقة فهي تتصل بالمعنى المعبر عنه، سواء كان يسرد أحداثا واقعية أم خيالية، فلاشك في أنها ستكون على صلة مباشرة بإدراك من يتلقاها، فالحقيقة هنا تتصل بالإدراك ذاته. وأما السياقات، فهي أمر مهم، فمهما حاولنا دراسة بناء النص وجمالياته، فلا يمكن عزله عن سياق التلقي الذي نشأ فيه، وهو سياق لغوي، يتصل بطبيعة اللغة السائدة في هذا العصر، وما يتصل بها من تراكيب لغوية ومفردات وجمل وبناء للفقرات، فمثلا فن المقامة، فن سردي عربي أصيل، يمكن دراسة تكوينه وجمالياته، ولكن يظل السؤال: ماذا عن تلقيه؟ والإجابة عن ذلك السؤال تحمل ذائقة المتلقي وقتئذ التي جعلته يُقبِل على هذا الشكل السردي.
أما العلاقة مع بيئتها، فهـــــي علاقة تعبيرية، فالشكل السردي ناتج عن البيئة التي أنتج فيها النص السردي، والتي عبّر النص بدوره عن شخصياتها وأحداثها ومعالمها الطبيعية، والوجدان الجمعي السائد فيها.
وقد كان هذا البعد حاضرا في فكر بارت، فهو يستخدم عنوان «الإيصال السردي»، مؤكدا على بعد التلقي، ومن ثم يشير إلى مفهوم التبادل، وهو موزع بين المعطي والمستفيد، في داخل القصة نفسها، فالقصة ـ بشكل تماثلي ـ تكون رهانا للإيصال من حيث هي موضوع، فهناك مرسل وهناك مستقبل، يفترض الواحد منهما وجود الآخر، فلا يمكن افتراض قصة من غير راو أو من غير سامع، ومن ثم يركّز على وصف النظام الذي يكون فيه الراوي والقارئ معنى على طول القصة نفسها. وأن المؤلف يتصرف بالإشارات (السيميولوجيا) التي يغرسها في كتابه، فالقصة في النهاية نظام من الإشارات والرموز.
وهذا يجرنا إلى دراسة البنيات الاجتماعية والتاريخية، في ما يسمى النظر إلى الإنتاج السردي بوصفه نشاطا، حيث يتضمن عناصر تقع خارج أي غرض يعيه المؤلف، ولكنها بلاشك تمنح المؤلف شرعيتها في الحصول على معنى أو تأثير بعينه، أو التي تحدد بصورة عامة شكل الأعمال الأدبية ومحتواها، والتلقي يشكل الجانب المقابل في عملية الاتصال، فقراءة النص الأدبي وفهمه، شأنهما شأن إنتاجه، يُعدّان كذلك لونين من النشاط الاجتماعي، فإذا كان النص مرتبطا بالبنية الاجتماعية والتاريخية المعيشة، التي تساهم بلاشك في إنتاجه، فإن تلقيه عملية اجتماعية، بمعنى أن النص السردي يتم استقباله اجتماعيا، أي بذائقة اجتماعية متقاربة، لأنه يعبر عن فكر ونفسية المجتمع، وفي الوقت نفسه يساهم جماليا في رقي تلقيه الجمعي والفردي.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية