أبطال محمد السيف: شاب مكسيكي وتاجر أقمشة ودبلوماسي محكوم بالإعدام

أبدى الباحث السعودي محمد السيف، خلال التسعينيات، ولعاً بقراءة السير الذاتية للزعماء وللسياسيين، بدءاً من سيرة كمال جنبلاط، مروراً بسيرة بورقيبة ومانديلا، وعشرات، إن لم نقل مئات الأسماء الأخرى؛ مُطّلِعاً على تكّون شخصياتها والتواريخ المحلية التي عاشت خلالها. كان كثير من أصحاب هذه المذكرات والسير، قد نالوا شهرة واسعة، بينما غاب بعضهم عن المشهد لاحقاً. ومع تكّون تراكم معرفي لديه في هذا الحقل، اتجه السيف إلى بدء تجربته في كتابة السيرة الذاتية السعودية.
في سياق قراءته لتاريخ السيرة السعودية، لاحظ الأكاديمي عبد الله الحيدري، أنّ مسار هذه السيرة ظل فقيراً حتى السبعينيات تقريباً. إذ اقتصر على بضع نصوص مثل تراجم محمد سرور الصبان (1922)، و46 يوماً في المستشفى لمحمد عمر التوفيق. لتظهر لاحقاً، في الثمانينيات وما بعدها، عدة أعمال أخرى؛ مثل |ذكريات طفل» لوديع عبد العزيز الربيع و»ترجمة حياة» لمحسن حسين الفقي. وربما سيكون حظ «سوانح الذكريات» لحمد الجاسر و«حياة في الإدارة» لغازي القصيبي، أفضل حالاً عربياً، بحكم شهرة الرجلين.
في هذه الأجواء، خطا السيف بداياته الأولى. كان قد لاحظ وجود نخب سعودية عديدة لعبت دوراً خلال المئة سنة الماضية. لكنها في المقابل لم تترك لنا أي مذكرات مدوّنة أو نصوص حول حياتها، ما جعل من هؤلاء الأشخاص أحياناً أناساً منسيين لجيل آخر من السعوديين والعرب عموماً. بدأ تمارينه الأولى في إعادة اكتشاف أبطال سيره مع عبد الله القصيمي، وسرعان ما ستقذف به مغامرات هذا العالم أمام منزل الوزير السابق عبد الله الطريقي في ضاحية المعادي في القاهرة. كان الطريقي قد غدا أول وزير للنفط في السعودية في فترة الستينيات، وقد شغلت تصريحاته آنذاك الصحف العربية والعالمية. في تلك الفترة بدا أنّ بلدان الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وافريقيا، تطالب بالاستقلال الذاتي وتأميم الموارد الوطنية. حاول محمد مصدق في الخمسينيات تأميم النفط في إيران، وجاء لاحقا جمال عبد الناصر ليثوِّر من فكرة حماية المصالح القومية، وربما بدا الطريقي العروبي آنذاك قريباً في تصريحاته من هذه الأجواء. وإن كان ما ميزه أنه ظل يتحدث في عالم النفط الذي درسه بشكل جيد في أمريكا. وهذه من المفارقات الغريبة، فالعديد من ضمن تيار مواجهة الغرب ونفوذه درسوا وما يزالون يتلقّون تعليمهم في تلك البلدان.
غادر الطريقي الحياة السياسية في الستينيات وعاش بعيدا عن السعودية لقرابة عقدين تقريباً، وخلالها بقي نشيطاً، لكن شمسه أيضا كانت تغيب شيئا فشيئا عن عالم الأجيال الجديدة. مع ذلك ظلت القصص الشفوية حول الطريقي ويومياته تتكرر باستمرار في منزل السيف، بحكم قرابة والدته من هذا الرجل القادم من بلدة الزلفي النجدية. كان السيف وهو يستمع لشهادات أصدقائه وزوجته من آل جنبلاط، تتشكّل لديه رؤية أخرى للسيرة. فهي ليست مجرد عرض ودراسة للوقائع أو الكلام الذي كُتِب في الصحف والأوراق، بل هي شكل من أشكال السرد. كما أنّها لا بد أن تحتوي على بعد شفهي، ورواية الذكريات وشهادات الشهود والأوراق الخاصة والرسائل. وبعد هذا اللقاء الأول بعائلة الطريقي بثلاث سنوات، سيصدر كتابه الأول عن الطريقي «صخور النفط ورمال السياسة» 2007. وقد قرّر السيف، في هذه السيرة، إعادة تقميش سيرة بطله من خلال اتباع تكتيك سردي. فكلما وجد نفسه أمام غياب وثيقة أو شهادة شفوية، ذهب إلى التواريخ اليومية والسياسية التي تحيط به آنذاك (وهو أسلوب سيتطور أكثر في كتاباته اللاحقة). كان الطريقي قد وجد نفسه في طفولته على ظهر سفينة تشقّ طريقها نحو مومباي الهندية. وأخذ يتكلم الإنكليزية، وانتقل لاحقاً للدراسة في القاهرة وأمريكا.

الوزير السعودي السابق عبدالله الطريقي

درس الطريقي في مدينة أوستن في الأربعينيات، وفي صوره المنشورة يظهر وسيماً، شديد السمرة، تسريحة شعره على طرف، بما يذكّر بتسريحة بطل فيلم العراب (آل باتشينو)، وجه طويل، مع بروز واضح للحنك. كل هذه الأوصاف، جعلت الناس يظنون أنه مكسيكي وتعاملوا معه وفقاً لذلك، مما عرضه أحيانا للاستبعاد من دخول بعض المرافق.
بعد سيرة الطريقي، قرّر السيف الخوض في تجربة عالم النشر، من خلال تأسيسه، برفقه الطبيب يوسف الصمعان، دار جداول للنشر في بيروت. وبالتدريج، أخذت الدار تركّز على نشر أوراق ومذكرات وسير شخصية سعودية بالأخص، وخليجية عموماً. ولن نبالغ إن قلنا إنّه مع هذا النشاط، أصبح القارئ الخليجي والعربي عموماً أمام انفجار في عالم السير الذاتية السعودية. لاحق السيف الأطباء مطالبا إياهم بكتابة سيرهم ورحلاتهم الذاتية. وهذا ما سنراه مع الطبيب المفرح، الذي أوفد لدراسة الطب في ألمانيا خلال الستينيات، وهناك أخذ يلتقط عادات الألمان وثقافتهم. فكان أن خصّص فصولا من ذاكرته حول تاريخ البطاطا في ألمانيا! وفي سير أخرى، نتعرف على سيرة خليل الرواف، الذي مثّل في هوليوود في دور صغير عام 1935.
وخلال هذه الفترة، كان السيف يجمع سيرا أخرى، كتبها لتصدر في كتاب آخر «سيرتهم». تناول فيه سيرة عدة شخصيات، ومن أطرفها سيرة التاجر عبد اللطيف العيسى، الذي بدأ بتجارة الأقمشة الهندية في الثلاثينيات، وبعيد الحرب العالمية الثانية بزغ نجمه في بيع السيارات بعد قدوم شركة أرامكو، فبدأ يستورد سيارات (جنرال موتورز)، ولاحقاً (جي أم سي). الأهم في جمع هذه السير، أننا نتعرف على تواريخ محلية واجتماعية عديدة في السعودية، وعن بدايات تشكّل الحواضر الجديدة في الستينيات، وهي التي حفظها لنا القاضي محمد بن دخيل، الذي جمع السيف مقالاته أيضا عن الرياض ونشرها مؤخراً.

ما تمتاز به سير السيف، أنها تكشف عن حيوات شخصيات سعودية لعبت أدواراً كبيرة ومهمة في تاريخها، قبل أن تغادر المشهد. وهذا ما ينطبق على كتابه الأخير الصادر حديثا عن الدبلوماسي السعودي حمزة بن غوث/دار جداول. وهو دبلوماسي خاض تجربة سياسية طويلة، دون أن تُدوَّن.

دبلوماسي حُكِم عليه بالإعدام ثلاث مرات:

 ما تمتاز به سير السيف، أنها تكشف عن حيوات شخصيات سعودية لعبت أدواراً كبيرة ومهمة في تاريخها، قبل أن تغادر المشهد. وهذا ما ينطبق على كتابه الأخير الصادر حديثا عن الدبلوماسي السعودي حمزة بن غوث/دار جداول. وهو دبلوماسي خاض تجربة سياسية طويلة، دون أن تُدوَّن. ولعل المصادفة ستقوده أيضا للوقوف أمام مكتبة منزل آل غوث في المدينة المنورة. كان الراحل قد غادر دنيانا تاركا مجموعة من المراسلات والأوراق وشهادات شفوية له دوّنها أحد أبنائه. وكما فعل السيف مع الطريقي، أخذ يرسم بهدوء لوحة عن ابن المدينة المنورة، وقد بدت هذه المرة أكثر غنى من لوحة الطريقي. إذ نكتشف أننا أمام سيرة مفعمة بالحياة والتجارب، تتردّد أنفاسها في كل صفحة. كما أنها ستكشف عن تكتيكات سردية جديدة للسيف، وهذا ما نراه في نزوعه أكثر من السابق نحو السرد الروائي، وأيضاً في التقاطه لبعض التفاصيل الصغيرة في حياة بطله (مثل شكل عقاله).
وُلِج هذا البطل بدايات القرن العشرين في المدينة المنورة لأسرة تعمل في مهنة المطوفين. في هذه الفترة، نعثر على عدة أصدقاء يستمعون لأغنية محمد عبد الوهاب «علموه، كيف يجفو فجفا»، فإذا الشيخ إبراهيم بري يدخل عليهم فأسرعوا لإغلاقه، وعندما جلس قال أعيدوا ما كنتم فيه، لقد سمعت شيئا أعجبني. وعندما أعادوا الأغنية قال: «إنه أحمد شوقي.. إنه محمد عبد الوهاب». في عام 1916، كان لورنس الأحيمر يرافق الأمير فيصل ودراويشه في ثورتهم على العثمانيين. هنا سيقرر حمزة الانضمام والوقوف إلى جانب حركة الاتحاد والترقي، التي أسّسا فرعها في المدينة بتوجيه من شكيب أرسلان. فرض قادة هذه الحركة اللغة العثمانية على الولايات كافة، وهو تصرف حاول المؤرخ التركي حسن كايالي تبريره بكونه يعكس تأثراً بالرؤية المركزية للدولة، إلا أنّ غوث والنخب العربية ظلت تعترض على هذه السياسة. مع مرور سنوات الحرب العالمية الأولى، قرّر غوث القبول بتهجيره إلى دمشق. وهذا ما فعله فخري باشا مع الكثير من أهالي المدينة، في ما عُرِف بالسفر برلك. أخذ يتردد في دمشق على حي الميدان، الذي عاش فيه تجار العقيلات. لكن الأقدار كانت تدفعه للهروب مرة أخرى، بعد دخول فيصل لدمشق. قرّر السفر إلى تركيا، والقتال إلى جانب جبهة الجهاد الإسلامي.

كان عبد العزيز قد عُرِف بطاقم مستشاريه الجيد، مثل حافظ وهبة المصري ويوسف ياسين السوري وفؤاد حمزة اللبناني. أصبح غوث جزءاً من مشروع الدولة السعودية الجديدة، التي ستنمو لاحقاً مع السيطرة على المدينة ومكة وجدة.

سمع كمال أتاتورك عن هذا الشاب، وأرسل برقية يطلب فيها قدومه من أورفا إلى أنقرة. في الطريق لأنقرة، كان غوث يفكر في ما سيقوله لأتاتورك، وظن أنّ الدرب سيكون أخضر، فهو الشاب البطل الذي سمع عنه الغازي الأكبر. كانت أنقرة آنذاك، بلدة يسودها الظلام في الليل، عند وصوله، بدا أنّ الهدف من دعوته هي معرفة طبيعة علاقته بولي عهد السلطان محمد الخامس المتوفى سنة 1918. ولذلك تشكّلت محكمة عسكرية وحُوكِم بالإعدام. توسّط له رجل كردي عرفه أيام المدينة، ووافق أتاتورك على إطلاق سراحه مقابل خروجه من تركيا. اكتشف غوث حينها أنّ عالم العثمانية قد ولّى من دون رجعة. وأنّ الرهان على الأتراك رهان خاسر، واتجه من يومها إلى الواقعية السياسية في مسار حياته.
بعد هزيمة آل الرشيد أمام ابن سعود، صدر قرار أيضا بإعدام ابن غوث الذي وقف مع حائل. مع ذلك، قرّر المضي نحو الرياض، والتقى بالملك الذي عفا عنه وعينه مستشارا له. كان عبد العزيز قد عُرِف بطاقم مستشاريه الجيد، مثل حافظ وهبة المصري ويوسف ياسين السوري وفؤاد حمزة اللبناني. أصبح غوث جزءاً من مشروع الدولة السعودية الجديدة، التي ستنمو لاحقاً مع السيطرة على المدينة ومكة وجدة. في هذه الفترة، يكشف لنا السيف عن رسائل عديدة كان حمزة غوث يتبادلها مع الملك عبد العزيز، لكن ربما ما يلفت النظر في هذه الرسائل نقطتان؛ اللغة المستخدمة، وتبدّل أسلوب الرسائل باختلاف المراحل الزمنية، وفيما اللغة المُستخدمة، نرى أنّ اللغة المعتمدة هي لغة تجمع بين العامية والفصحى. وليت السيف هنا عمل أحيانا على توضيح بعض الكلمات للقارئ غير الملّم بالعامية النجدية. في المقابل، نرى أنّ الرسائل بين المستشارين كانت بلغة فصحى، ويبدو أنّ هذا نتيجة المشارب المختلفة للمستشارين (سوري/مصري/سعودي)، ما جعل من اللغة الفصحى اللغة المثلى للمراسلات، بخلاف الرسائل بين الملك وحمزة. ويبدو أنّ اعتماد اللغة الفصحى جاءت كتعبير عن ظهور لغة موحدة للدولة وتطورها.

حمزة غوث مع مرافقه الخربوطلي في تركيا

النقطة الأهم من ذلك، مضمون الرسائل. فخلال توسّع الملك عبد العزيز، يظهرُ مسهباً في رسائله لمستشاريه. لكن مع استقرار الدولة، نرى أنّ الرسائل تصبح مختصرة وتركّز على تنفيذ مطالب معينة. وهذا أمر مفهوم، لأنّ تطور الأجهزة الإدارية واستقرارها عادة ما ينعكس على لغة الخطابات، لتصبح أكثر مباشرة. وهناك أيضا تفسير آخر لتغير أسلوب الكتابة، وهو الاعتماد على التلغراف بدلا من الرسائل الورقية. سيلاحظ الأنثروبولوجي نادر سراج في قراءته لبعض رسائل عائلته البيروتية خلال الحرب العالمية الأولى، أنّ ظهور التلغراف أدى إلى اختصار الرسائل، وظهور أساليب أخرى في الكتابة المباشرة دون مقدمات أحياناً. وربما نشهد هذا في بعض رسائل الملك عبد العزيز، التي جاءت على صيغة برقية عاجلة، إذ تبدو مختصرة ومباشرة، ربما لاعتمادها على تقنية التلغراف الجديدة آنذاك.

عقال مقصّب:

سيلعب غوث في الثلاثينيات وحتى الستينيات أدوارا عديدة، وأهمها تولي منصب سفير السعودية في العراق، ولاحقاً في طهران، التي شهدت في الأيام الماضية عودة للدبلوماسيين السعوديين، لكن اللافت في هذه السيرة كذلك، الصور التي نشرها السيف في بحر الكتاب. ففيها نرى غوث مرتدياً في شبابه لباسا حجازيا، وعند وصوله لتركيا نراه في صورة منشورة في المقال مرتديا طربوشاً وبدلة رسمية. سيعود بعد ذلك لارتداء عباءة وعقال مزركش، وهو ثوب لن يتنازل عنه في طهران أو في أي زيارات أخرى. وهذا ما نراه لدى كل النخب التي كانت تحيط بالملك عبد العزيز، بمن فيهم المصريون والسوريون. واللافت هنا، أنّ العقال المقصب سيبقى حصرا على الملك وولي العهد، بينما سيرتدي الآخرون العقال الأسود. ويبدو أنّ تمسك النخب آنذاك بهذا الرداء يعكس طبيعة الدولة الجديدة الناشئة، التي تبحث أيضا عن رداء قومي يميزها عن المحيط. وهذا ما نراه في تركيا الأتاتوركية (خلع الطربوش) والعراق الفيصلي (ارتداء الفيصلية). لكن بعيد الخمسينيات، كان هناك تمدّد أوسع للدولة تجاه العالم، وأيضا ظهور نخب وتوجهات جديدة، ما انعكس على الرداء نفسه، ولذلك نرى الطريقي العروبي، مرتديا بدلة رسمية (خلافا للعباءة والعقال) في مناسبات عديدة، وإن كان سيعود لارتدائها في آخر أيامه. وفي سيرة أبطال محمد السيف قصص وحكايا، ومهارات في السرد، تستحق الاهتمام والتوقف عندها، ليس لدى الخليجيين فقط، بل على الصعيد العربي.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    قصص من التأريخ القريب !!
    و لا حول و لا قوة الا بالله

  2. يقول فاروق عيتاني:

    تابعت معظم من عرضوا لكتاب محمد السيف عن حمزة غوث، وكلهم توفوا الموضوع حقه كما يقال، ولكنني هنا مع الاستاذ محمد تركي الربيعة ارى اشياء شدتني بقوة. رايت راو يكتب عن راو ورأيت محيطا بأدب السير و تطورها لغة وأساليبا ورأيت متابعا مهتما لتطور الزي ودلالاته. فلاشك أن سيرة غوث وهذا العرض الشيق لها سيضع اداب السير التي قرأتها في العربية ،سيضعها امام فتح جديد.

اشترك في قائمتنا البريدية