أعراس الطيب صالح: من عرس الزين إلى عرس الجائزة

قبل حوالي تسع عشرة سنة كنت عائدا من حفل توقيع ديواني الأول «اشتباكات على حافة جرح قديم» في جامعة شعيب الدكالي في الجديدة، فقررت التوقف في الرباط عاصمة المملكة، للتزود لإقامتي الطويلة في مدينة الرشيدية البعيدة، بما يكفي لسد حاجة قارئ شغوف اعتاد، من مرحلة الثانوية، أن يقرأ كتابا كل أسبوع. كان الأصدقاء قد حدثوني عن مكتبة منخفضة التكلفة وغنية بحصاد المطابع العربية، تقابل بناية البرلمان المغربي، فعرجت عليها. خرجت من المكتبة العامرة بغلة وفيرة ضمت أربعة عناوين لعبقري الكتابة السردية العربية الطيب صالح: «عرس الزين، موسم الهجرة إلى الشمال، دومة ود حامد، ومريود». أذكر جيدا أنني كنت ساعتها قد قرأت عن هذا الكاتب الفذ الكثير من الدراسات، التي أجمعت على تمجيد تجربته الرائدة بدون أن أتمكن من قراءة أي من أعماله. في تلك الليلة اخترت، بإيعاز من التعب، أن أتوقف في مدينة صغيرة تدعى تيفلت، تنبت أحياؤها المهملة مثل ثآليل على خصر الرباط المكتنز، دخلت نزلا «رخيصا» في شارع هامشي، ولما حاصرتني كآبة المكان قررت أن أزرع عيني بين دفتي كتاب، وقع الاختيار على «عرس الزين»، بعد بضع صفحات اقتلعني جو الرواية الساحر من عالمي الجاف وطار بي إلى ريف السودان الغني بتربته المخصبة بفيوض النيل المعطاء، المتناغمة مع فيوض نهر لا يقل خصبا وحياة، رغم أنه اختار أن لا تؤطر مساره ضفاف، وألا يطفئ لوعة مائه الهادر في بحر مالح: إنه نهر الطيب صالح الذي حمل إلينا عادات الناس المغرقة في النقاء الروحي لشرق افتقدنا إطلالته، في منابر هجينة أضاعت بوصلة أصالتها في مضامير الاستلاب. لم أشعر بمرور الوقت، ولا بتقدم سيري بين دفتي الكتاب الشيق، وفي تمام الرابعة صباحا كنت قد عشت كل مراسيم عرس الزين، وكل بركات أهل الريف النيلي الطيبين والبسطاء. التهمت الكتاب دفعة واحدة، وعشت لحظتها سعادة غامرة ما أزال أتذوق طعمها القوي كلما ذكرت أجواءه الساحرة.
لما أنهيت قراءة العمل الروائي الجميل، وجدت النوم قد جافاني وطار بعيد فاستعنت على قضاء ما تبقى من ليلتي بهجاء طفيف لمدينة الرباط، التي لا أنكر أنها كانت تقززني بمظهرها الكئيب، رغم محاولات نهر أبي رقراق المتكررة لغسل ساقيها الغارقتين في وحل البداوة، واستدعيت لمأدبة السباب الخفيفة باقي العواصم التقليدية لمغرب كبير لا يريد أن يتوحد معاكسا إرادة أبنائه الطيبين، جاء مطلع القصيدة كالآتي:
مثل غانية تتهادى الرباط الأميرة مطعونة بفحولة رقراق
والحرس الساهرين وراء الجدار السميكْ.
والجزائر محروقة الفخذين،
تطارد خيبتها في دم الشهداء،
وفي جبة الجنرال تنام..
لتونس نجمان:
نجم يواري غوايته في زوايا البهاء
ونجم يضيء التفاصيل في دهشة الماء
أما الجياع ففوق رصيف طرابلس
يمضون بالهتك صوب مساقطه.

لم يكتف الرجل بكتابة القصص وحسب، بل كان يحشر كينونة متكاملة بأقوامها وأرزاقهم ومعاركهم اليومية، في ساحات الكسب والفكر واللذة، بين دفتي كتاب.

منذ ذلك الحين أقبلت على مؤلفات الطيب صالح، كان سرده الانسيابي يأخذني بعيدا: لم يكتف الرجل بكتابة القصص وحسب، بل كان يحشر كينونة متكاملة بأقوامها وأرزاقهم ومعاركهم اليومية، في ساحات الكسب والفكر واللذة، بين دفتي كتاب. لكنني سرعان ما غادرت فترة التأثر هذه إلى آفاق أخرى بعدما أتيت على مؤلفات الرجل. أثَرُ عبقري الرواية العربية سيعود إلى حياتي بعد اكتشافي متأخرا أن مجلس الأمناء جعل الشعر من محاور جائزته العالمية للإبداع الكتابي، ربما في الدورة الخامسة، كان الحلم ساعتها زيارة السودان، والعبور قريبا من العوالم التي نقشتها سرديات الرجل في وجداني المتيم بالبداوة الأصيلة. لكن الشعر غاب عن الجائزة في باقي الدورات وبقي ديواني «سماء توشك أن تقع» حبيس الرفوف، ولم يستطع التحليق بي صوب الخرطوم. فقررت أن ألبس عباءة السارد؛ كتبت مجموعتي القصصية البكر «أضغاث ربيع» في أقل من شهر قضيته في ركن منعزل في مقهى المساء في مدينة خريبكة التي تنزف فوسفاتا منذ قرن؛ ليبقى المغرب الحالم على سكة الحياة، وأرسلتها للمسابقة. لا أنكر أنني كنت قارئا جيدا للمتون السردية الغنية بانفتاحها وإخلاصها العميق لروحانية المكان العربي والإفريقي، لكنني كنت مترددا في الإيمان بقدرتي على الإبداع القصصي. الأمر الذي جعلني أنسى متابعة مشاركتي في الجائزة إلى أن جاء ذاك الصباح الديسمبري: جلست حزينا في مقهى مقابل لمستشفى ابن سينا للأطفال الذي يرقد فيه ابني عاجزا عن الحركة، مرة أخرى شكلت الرباط فضاء الخيبة والانكسار؛ المدينة التي ازداد حنقي عليها لأنني لم أجد فيها دواء لمرض ابني، ولم أجد في مستشفاها الجامعي أطباء يشرّفون البدلة المقدسة ويصلحون لحمل وسم الإنسانية. برؤية مشوشة من أثر الدموع المنهمرة لمحت في بريدي الإلكتروني رسالة من مرسل يبدأ بحرفي أي وآس باللاتيني، وهما الحرفان الأولان لبريد جائزة الطيب صالح فتحتها بقلب يرفرف، لأكتشف أن مجموعتي «أضغاث ربيع» دخلت القائمة القصيرة، أجلت الفرح وقصدت الغرفة التي يرقد فيها الصغير، وجدته باكيا من فرط الألم الذي يفتك بمقدمة رأسه، لما قلت له إن القصص التي كنت أخفيها عنه في الصيف كي لا يقرأها ويحرجني بأسئلته الماكرة حول بعض مشاهدها الجريئة نوعا ما، ستفوز بجائزة كبرى ابتسم ابتسامة طويلة: كان هذا عرسي، اللحظة التي زرعت الأمل في دربي بعد وقت عصيب. لا أذكر أن ابني ابتسم بعدها إلا عندما أخبرته أن النتائج أعلنت وأنني حللت ثانيا وسأتمكن من زيارة السودان والمشي جوار نيلها، وأنني أتمنى أن يكون شريكي في ذلك، خصوصا بعدما تلقى عناية طبية في المستشفى العسكري على يد أطباء يؤمنون بشرف المهنة ويقيّمون عاليا ثمن حياة الناس.
لا أستطيع أن أكون سعيدا لأن ابني لا يزال أسير علته التي لم تشخص بعد، ومنظومة الصحة في بلدي مريضة ومعطوبة ومتعفنة. لكنني لا أنكر أن جائزة الطيب صالح كانت زغرودة فرح في ليل نواحي الطويل، ذكرتني بعرس الزين الذي أعدت إحياءه ذات قراءة قبل ما يقارب العقدين من الزمن، كما أنها منحتني تأشيرة مفتوحة لأتواصل مع قراء العربية من البوابة الواسعة للسرد، فشكرا لمن أطلقها، وشكرا لرعاتها، وأبعد الله عن سودان العروبة ريح اليباب، وأعاد الصحة والعافية لصغيري إلياس كي تصالحني الحياة.

٭ كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبد الإله تنافعت:

    هنيئا لك صديقي الأستاذ سليلي ودعواتنا الصادقة بالشفاء العاجل لابنكم

  2. يقول وصال محمد احمد:

    لا فض فوك

اشترك في قائمتنا البريدية