ألم‭ ‬يعد‭ ‬التضامن‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬فلسطين‭ ‬فرض‭ ‬عين؟

11 - سبتمبر - 2018

0
حجم الخط

‭ ‬كان‭ ‬أمراً‭ ‬طبيعياً‭ ‬أن‭ ‬ترحب‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بقرار‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬إغلاق‭ ‬بعثة‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬وأن‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬مكتب‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بيان‭ ‬يطري‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويتهم‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بالسير‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفض‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬ومع‭ ‬أمريكا،‭ ‬وتقديم‭ ‬إحالة‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬ضد‭ ‬الاستيطان‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

وكان‭ ‬طبيعياً‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬تسوق‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬سلسلة‭ ‬ذرائع‭ ‬تبرر‭ ‬خطوة‭ ‬إغلاق‭ ‬البعثة،‭ ‬كالقول‭ ‬بأن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬رفضوا‭ ‬خطة‭ ‬السلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬مضمونها،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬‮«‬قلق‮»‬‭ ‬الإدارة‭ ‬والكونغرس‭ ‬إزاء‭ ‬توجّه‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬لفتح‭ ‬تحقيق‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لم‭ ‬تتخذ‭ ‬أي‭ ‬خطوات‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬‮«‬مفاوضات‭ ‬مباشرة‭ ‬وذات‭ ‬مغزى‮»‬‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭. ‬

من‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ثالثاً،‭ ‬ألا‭ ‬تشهد‭ ‬عواصم‭ ‬العالم‭ ‬الكبرى،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وحدها‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬والصين‭ ‬واليابان،‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬ملموسة‭ ‬رافضة‭ ‬لهذا‭ ‬الإجراء‭ ‬الزجري‭ ‬الأمريكي،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التمسك‭ ‬بما‭ ‬أنجزه‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬عملية‭ ‬السلام‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ـ‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وحفاظاً‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬الدنيا‭ ‬من‭ ‬منطوق‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو‭ ‬التي‭ ‬تمرّ‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬الذكرى‭ ‬الخامسة‭ ‬والعشرون‭ ‬على‭ ‬إبرامها‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬مسمى‭ ‬‮«‬المجتمع‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬ذاته‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬نظر‭ ‬جذرية،‭ ‬وإلى‭ ‬تدقيق‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬الدولية‭ ‬والفعل‭ ‬فيها‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬فكيف‭ ‬إذا‭ ‬اتصل‭ ‬الموضوع‭ ‬بكيان‭ ‬مدلل‭ ‬مثل‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬اعتادت‭ ‬على‭ ‬انتهاك‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والقرارات‭ ‬الأممية‭ ‬دون‭ ‬رادع‭.‬

من‭ ‬غير‭ ‬الطبيعي،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الصمت‭ ‬الرسمي‭ ‬هو‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬الأكثر‭ ‬شيوعاً‭ ‬في‭ ‬غالبية‭ ‬العواصم‭ ‬العربية،‭ ‬وكأن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إجمالاً،‭ ‬وعن‭ ‬منجزات‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬السياسية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬خصوصاً،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحظى‭ ‬لدى‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬حتى‭ ‬بالدرجة‭ ‬الدنيا‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬التنافخ‭ ‬الكاذب‭ ‬والنفاق‭ ‬الإعلامي‭. ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تبعية‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬للإرادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وانخراطها‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬تسوية‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬صفقة‭ ‬القرن‮»‬،‭ ‬تستهدف‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إضعاف‭ ‬الحق‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أو‭ ‬تصفية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مشروعية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬مما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬تلك‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬إدامة‭ ‬سلطاتها‭ ‬وقهر‭ ‬شعوبها‭ ‬والتمرغ‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬أوحال‭ ‬سياسات‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬المعادية‭ ‬لطموحات‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬التحرر‭ ‬والكرامة‭ ‬والديمقراطية‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬السلطة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬قد‭ ‬ارتكبت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬في‭ ‬مراهناتها‭ ‬الفاشلة‭ ‬على‭ ‬الراعي‭ ‬الأمريكي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬وتسبب‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬خيبة‭ ‬أمل‭ ‬لدى‭ ‬شرائح‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الجماهير‭ ‬العربية،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يبرر‭ ‬عزوف‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬العربي‭ ‬والشارع‭ ‬الشعبي‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬الفصائل‭ ‬أو‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭. ‬فالعواصم‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬يمتلك‭ ‬مواطنوها‭ ‬هامشاً‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬التظاهر‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬حراكاً‭ ‬احتجاجياً‭ ‬ضد‭ ‬الخطوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وكأنّ‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فرض‭ ‬عين‭ ‬تسيد‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الدوام‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬سبب‭ ‬إضافي‭ ‬كي‭ ‬تمعن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬خطوات‭ ‬إضعاف‭ ‬القضية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تصفيتها‭. ‬

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية