أمجد ناصر في رحلاته إلى المغرب: استهوته صورة البلد وعلائم ثقافته المتعددة

سحر الصورة

يستحضر الشاعر الأردني أمجد ناصر في رحلته المعنونة بـ»رحلة إلى الدار البيضاء: مجيء الزمن المغربي«، صورة غامضة عن المغرب كان قد تلقّاها هو وأبناء جيله في طفولتهم من كتاب التاريخ المدرسي، عبر رسمة مُتخيّلة لعقبة بن نافع على حصانه في مسيره غربا لفتح بلاد شمال افريقيا: «كانت صورة عقبة يقحم حصانه مياه البحر المحيط واصلا إلى أقصى نقطة يمكن أن تبلغها أنفاسه اللاهثة هي أول صورة تحتفظ بها ذاكرتي للمغرب» يقول أمجد. وإذن، فالصورة ترجع إلى ماضٍ بعيد؛ إلى زمن الفتوحات الإسلامية، وتكتنفها هالة غامضة وشبه أسطورية ساهمت في صوغها الأدبيات السياسية والجغرافية بدرجة خاصة. فالمغرب منظورٌ إليه «كمكان قصيّ تغرب وراءه الشمس وتنتهي عنده الأرض ليبدأ بعدها المجهول» غير أنّ نهاية الوجود العربي والإسلامي على الضفة الغربية من البحر الأبيض المتوسط بعد سقوط غرناطة، سوف يُقرّب المكان ويؤنسنه لأنّه «آخر أرض تسكنها العربية ويتردد في جنباتها الأذان». لكن الصورة في ذهن الرحّالة بقيت غامضة، وحتى محيطه القريب لم يساعده على تكوين صور أخرى لها علاقة بالحاضر الذي يحياه، سوى أنّه «مملكة عربية إسلامية» أو ما تلقّفه من أبيه عن الصيت الطيب لمحمد الخامس، أو ما سمعه من طروحات اليسار المغربي الراديكالية، كانشغال ثقافي بالنسبة إليه، قبل أن تتعرض الصورة للتعديل أثناء رحلته الأولى للمغرب عام 1991. ولهذا كانت المقصدية التي وجّهتْ رحلةَ أمجد في كل مرة، هي اكتشاف المغرب وبناء صورة عنه يستقي عناصرها ومفاصلها من عين المكان، أو يستنجد بكتب التاريخ إذا اقتضى الأمر ذلك، فتكون هذه الصورة بديلة عما يعرفه هذا أو ذاك من معلومات شحيحة وغامضة؛ إذ «ظلّتْ جهة المغرب – كما يقول ـ صامتة» بالنسبة إليه وإلى أبناء جيله، على المستوى الثقافي تحديدا.

الحالة الثقافية

بعد رحلته الأولى إلى المغرب عام 1991، والثانية بمناسبة انعقاد مؤتمر اتحاد الأدباء العرب في الدار البيضاء عام 1995، تأتي رحلة أمجد ناصر الثالثة متحفّزا ليعرف أكثر عن مغرب ثقافي بدأت بعض الجهات (اتحاد كتاب العرب) والمجلات الثقافية «الثقافة الجديدة» «اليوم السابع» «الكرمل».. أو حتى جريدة «القدس العربي» الذي عمل محرّرا ثقافيّا فيها، تُعرّفه به وتقيم جسورا معه؛ مغرب ثقافي وجد أنّه «يبلور أسئلة معرفية سيأتي الوقت الذي تُفاجئ وتُحرج فيه المركز المنشغل بحطام الوصف وصخب الأيديولوجيا». كان الشاعر الأردني مدعوّا للمشاركة في فعاليات معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب، وقد تزامنت مع صعود الاشتراكيين إلى سدة الحكم ضمن ما عُرف بـ(حكومة التناوب) ومنذ حلوله، كان أمجد يستجمع أطراف صورته عن أحوال المغرب السياسية والسوسيوثقافية والروحية والعمرانية من مصادر متنوعة؛ سواء من مرافقه محمد الموظف الحكومي البسيط الذي حمله من مطار محمد الخامس وأفضى إليه في الطريق بمشاكل طبقته الاجتماعية الكادحة، أو ممن التقاهُمْ من أصدقائه الكتاب، محمد بنيس، الطاهر الطويل، سعيد الكفراوي، أو من مطالعاته للصحافة المغربية، أو من خلال الرجوع إلى مؤرخين وإخباريين مغاربة وأجانب، مارمول، مصطفى شويكي، فيسغربر، القاضي هاشم المعروفي.. وقد سمح له ذلك أن يحيط بأحوال البلد المرتحل إليه، التي ورثها من سالف العهود، تديّن المغاربة ارتباطا بآل البيت أو بالزوايا الصوفية، احتفالهم بليلة المولد النبوي، ولعهم بالطقوس والشعائر، الفوارق الاجتماعية والطبقية، اندحار الطبقة الوسطى إلى أسفل السلّم الاجتماعي، أصالة المدينة القديمة وقيم الحميمية والتكافل والتعايش عند ساكنتها مسلمين ويهودا، تأثير التمدين الكولونيالي الأوروبي في الجانب الحديث منها، تأثير المهاجرين الأندلسيين في المطبخ المغربي من حيث وصفاته وطرائق إعداده، حكاية اسم الدار البيضاء، أو يرصدها بنفسه في زمن الرحلة، مخالفات موظّفي المطار الذين يميزون بين السياح أو يطلبون «بقشيشا» أو «هدية» استخدام قوات الشرطة لفضّ احتجاجات العاطلين عن العمل من حملة الشهادات الجامعية العليا، غلاء المعيشة الذي لا يناسب دخل الفرد، الرثاثة العامة التي تطبع المكان واحتشاده بالمهن والمصالح المتضاربة، التفاوت المجالي بين حي وآخر داخل مدينة الدار البيضاء بوصفها «وجه الحداثة المغربية المؤلم» سحر مسجد الحسن الثاني إلى حد الإعجاز من حيث هندسته وأشكاله الزخرفية ومقامه على الماء.

بوصفه قادما من الأردن أحد أطراف المركز، بل عاني بدوره من عقدته إبان عمله في بيروت، يتضامن أمجد مع «صيحة» محمد بنيس في وجه تعالي هذا المركز، ويرى أنها كانت ضرورية للفت نظر كثيرين في المشرق إلى الحساسية التي أخذت تنشأ بين المثقفين المغاربة حيال الموقع الهامشي الذي يجدون أنفسهم فيه داخل الثقافة العربية المعاصرة.

وبما أنه كان مدفوعُا بحافز الاكتشاف، لا يصدر أمجد أحكاما مسبقة أثناء رصده لِمُـؤثّثات الفضاء الرحلي، لكن يبنيها على أساس المشاهدة الحية التي تتدفق في متواليات الوصف الأصيل والبديع، أو وفق مبدأ المقارنة بين مغربي أصيل وكولونيالي مُهجّن، التفاوتات الطبقية والعمرانية بين المدينة القديمة والمدينة الحديثة، وبين مغربي ومشرقي، ظاهرة السقّائين، أداة الأذان الخالي من الطلاوة والتنغيم كما عند المشارقة: «صوت صلد، فيه من النذير أكثر مما فيه من التذكير» اختلاف شكل المئذنة بين الجامع المشرقي ونظيره المغربي، أمن اليهود المغاربة بخلاف ما تعرّضوا له من عسف وإيذاء في بعض البلاد العربية، تميّز المطبخ المغربي عن نظيره المشرقي في بعض موادّه وأذواقه المُنكّهة، البسطيلة نموذجا. وأحيانا، يتعرّض حكم الرحالة للتعديل كما حصل بالنسبة إلى رأيه في بناء مسجد الحسن الثاني؛ حين ادّعى بأنّ المبلغ الذي أُنْفق عليه يجب أن يُدّخر لمشاريع اقتصادية واجتماعية، قبل أن يقتنع بقوله: «لكن الأعجوبة الجمالية التي اجترحها لا تُقدّر بمال. ليس هناك مال في العالم يمكن أن يكافئ صنيع هذه الأيادي التي استلّت الرقة والرهافة من الخشب والجبص والحجر والطين. لست أقابل بين الجمال ورغيف الخبز، بين شغف الفن إلى الخلود وعيش اللحظة الراهنة».
بيد أنّ الرحالة كان معنيّا أكثر برصد الحالة الثقافية، ولهذا يسوق نماذج حيّة تكشف عن تحول حياة المغاربة في هذا المستوى؛ مثل التأثير الغربي في الشباب المغربي، تسريحات الشعر، ارتداء الملابس الفضفاضة، سماع موسيقى «الهيب هوب» و»الراب».. وتحرير الغناء الأمازيغي في الفضاء العام جنبا إلى جنب أغاني «الراي» الجزائري وغناء «الشيخات» و»الأجواق» وفلكرة بعض الظواهر الثقافية مثل السقائين الذين ارتبطوا بقوة التقليد ورواج السياحة.

تشظي المركز

يشيد أمجد ناصر بالتحول الثقافي الذي عرفه المغرب، إلا أنه يربطه ضمن إشكالية مشرق- مغرب، أو ثنائية المركز والمحيط. تأخذ هذه الإشكالية في تحليله شكل مرافعة، نظرا إلى ما تستدعيه من رؤى متقاطعة وحجج متدافعة لا تخفت نبرتها إلا لتحتدم من جديد، وبالنتيجة إلى فهم بصير بها، يمكن أن يتجاوز دعاوى المركزية المشرقية التي لا تفكر إلا بنفسها، ويفتح جسورا ممكنة بين ضفتي الثقافة العربية المعاصرة. ولهذا، يلتقي ثلاثة أجيال متعاقبة من المثقفين المغاربة لهم اهتمام واضح وموقف شبه جذري من المسألة، يريد أن يسمع آراءهم ويساجلها؛ هم: محمد بنيس، وحسن نجمي وهشام فهمي. يعتقد أمجد ناصر -مسبقا- بهذا الرأي، بل إنّه يحمله معه من هناك: «هناك في المشرق العربي، على كل حال، رأي قوي يقول، منذ وقت، بتشظي المركز، وهناك من يتطرف إلى حد القول بـ»موت المركز». هذا الاعتقاد بناه على ما شهدته الحياة العربية من خلخلة وتحوّل في الأعوام العشرين التي سبقت رحلته، وما صاحبها من تصدّعات أضعفت جاذبية المركز المشرقي وبنيته التحتية الخاصة بالإنتاج الثقافي وحرية التعبير، وقدرته على العطاء والتأثير، أو الاستقبال والاستيعاب. من هنا، سيتغيّر مفهوم المركز نفسه، وتتغير طبيعة وظائفه، مقابل صعود المحيط أو الهوامش في بلدان المغرب أو الخليج العربي، بسبب ما تمتلكه من خبرات معرفية مؤثرة أو وزن مالي كبير يتحكم في وسائل الاتصال والطباعة والنشر. ومن خلال سجاله مع هؤلاء الثلاثة تباعا، يريد أن يختبر هذا الاعتقاد الذي يحمله معه، ويُقيّمه في ضوء معطيات قد تتوافر له في عقر بلد أساسي من بلدان المحيط، التي شهدت تحوّلا ثقافيّا.

كان لفرضية محمد بنيس (المركز والمحيط) مُبرّرها في ظل الأوضاع المركبة والمتباعدة شرقا وغربا، فيما هي تُنبّه إلى ضرورة التفاهم والتقريب بينهما داخل شرط التعدد الثقافي وخارج فرض سلطة نموذج ما كما كان سابقا؛ عندما كانت كتب الأدب العربي لا تذكر اسم المغرب حتى جاء عبد الله كنون ورافع من أجله وضدّا على تهميشه من خلال كتابه الشهير «النبوغ المغربي في الأدب العربي» الذي يتردّد ذكره عند الثلاثة في سياق وآخر.

بوصفه قادما من الأردن أحد أطراف المركز، بل عاني بدوره من عقدته إبان عمله في بيروت، يتضامن أمجد مع «صيحة» محمد بنيس في وجه تعالي هذا المركز، ويرى أنها كانت ضرورية للفت نظر كثيرين في المشرق إلى الحساسية التي أخذت تنشأ بين المثقفين المغاربة حيال الموقع الهامشي الذي يجدون أنفسهم فيه داخل الثقافة العربية المعاصرة. وبفضل نشاطيّتهم بوّأوا الثقافة المغربية موقعا متقدّما، بحيث صارت تمتلك إشعاعا ثقافيّا وتساهم بدورها في إنتاج نموذج مغاير، بل «نموذج مضادّ» لنموذج المركز المشرقي، بغداد، القاهرة، بيروت، وهو ما أوجد – في نظره- مراكز نسبية، أو أكد على نسبية المركز من خلال بروز أدوار عواصم أخرى. لكن مشكلة هذه الثقافة تكمن في ضعف قدرتها على التوصيل من خلال شبكة توزيع مؤثرة، دور نشر، مجلات، وسائل إعلام.. ومن جملة المراكز الجديدة، يذكر أمجد «المهجر» العربي الثقافي في الغرب ويصفه بأنه عابر للحدود الوطنية، ومحايد لأنّه خليط من المغرب والمشرق ويحاول أن يقدم مشهد الحياة الثقافية العربية بتحيُّز أقل؛ بل إن الثقافة المغربية استفادت منه لأسباب موضوعية أو انحيازات أيديولوجية، يسارية وقومية، للتأثير في بلاغة الجمهور المغربي.
ولئن كان بنيس يطرح إشكالية العلاقة بين المشرق والمغرب في فرضية المركز والمحيط، فإنّ هناك آخرين يطرحون هذه الإشكالية من وجهات نظر مختلفة، ويستعيد أمجد من جملتهم المفكر محمد عابد الجابري، الذي عاد بالإشكالية مع المشرق إلى متون التراث الكثيرة، ابتداء من كتابه (نحن والتراث) وتَركّزت أطروحته على وجود فارق معرفي كبير بين المشرق الغنوصي والعرفاني والمغرب/ الغرب الإسلامي العقلاني والبرهاني، وكذلك المفكر سالم يفوت الذي يتحدث عن القطيعة بين الفكرين المشرقي والمغربي تاريخيّا، كما في كتابه ابن حزم والفكر الفلسفي .بيد أنّه يجد في هذا المقابلة تعميما مبالغا به، لأن كان بين مفكرين فردين أو اتجاهين فكريين، وليس بين جناحي العالم العربي الإسلامي، بل إنّه ينفي – مستدلا برأي مغاربي للمفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي- أن يكون هناك صراع بين المشرق والمغرب، «فكلاهما – في نظره- يمثل وجها من الذات العربية الإسلامية ومن الوعي بها انفصل عن الوجه الآخر لأسباب تاريخية» وينفي وصف اللاعقلانية عن المشرق لأنه وصم نتج عن رد فعل إزاء تعالي المركز وتجاهله لثقافة شعب، ووصل هذا الرد إلى حدّ القول بمقاطعة المشرق ثقافيّا من طرف كتاب تقدّميين وحديثين.
كان لفرضية محمد بنيس (المركز والمحيط) مُبرّرها في ظل الأوضاع المركبة والمتباعدة شرقا وغربا، فيما هي تُنبّه إلى ضرورة التفاهم والتقريب بينهما داخل شرط التعدد الثقافي وخارج فرض سلطة نموذج ما كما كان سابقا؛ عندما كانت كتب الأدب العربي لا تذكر اسم المغرب حتى جاء عبد الله كنون ورافع من أجله وضدّا على تهميشه من خلال كتابه الشهير «النبوغ المغربي في الأدب العربي» الذي يتردّد ذكره عند الثلاثة في سياق وآخر. لكن أمجد يزعجه اتّهام بنيس حين يحشره في زمرة من يصدرون عن «متخيل» تبخيسي لحقوق المغرب: «فليست هذه الرحلة في المكان والثقافة المغربيين سوى محاولة من مشرقي لمعرفة المغرب الذي استهللت كتابتي هذه بالاعتراف، المخجل، بجهلنا به» وزاد» .. آملا أن تتكفل مقاصد هذه الرحلة بهذه المهمة».
هكذا تتحوّل إشكالية مشرق- مغرب، التي أثارها أمجد ناصر، إلى استراتيجية للفهم وتبادل الرأي، بل تحولت أكثر من ذلك إلى استبطان مظاهر اللاوعي الثقافي والسياسي الذي يحكم جناحي العالم العربي الإسلامي، ويلقي ظلاله الكثيفة على لغة التواصل المعطوبة، وأشكال الخطاب والترميز التي تتبادل التُّهم الصريحة والألاعيب الخفية. وفي قلب هذا السجال الثقافي والإعلامي، لا نتلقّى صورة المغرب الثقافي «المظلوم» وحسب، بل كذلك صورة المشرق «المتعالي» بعيون مثقفي المغرب وشعرائه.

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية