أمريكا‭ ‬وفلسطين‭: ‬أما‭ ‬آن‭ ‬أوان‭ ‬تشييع‭ ‬الأوهام‭ ‬إلى‭ ‬مدافنها؟

10 - سبتمبر - 2018

0
حجم الخط

اختار‭ ‬جون‭ ‬بولتون‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬المؤسسة‭ ‬الفيدرالية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مؤسسات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬النزوعات‭ ‬والقوانين‭ ‬المحافظة،‭ ‬هي‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬أول‭ ‬خطاب‭ ‬متشدد‭ ‬يلقيه‭ ‬حول‭ ‬سياسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تجاه‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭. ‬كما‭ ‬اغتنم‭ ‬الفرصة‭ ‬وخصص‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬خطابه‭ ‬لإعلان‭ ‬قرار‭ ‬الإدارة‭ ‬بإغلاق‭ ‬بعثة‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬السلطة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬ماضية‭ ‬قدماً‭ ‬في‭ ‬دعوة‭ ‬المحكمة‭ ‬للتحقيق‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الاستيطان‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وأعمال‭ ‬العنف‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

واعتبر‭ ‬بولتون‭ ‬أن‭ ‬المحكمة‭ ‬غير‭ ‬شرعية‭ ‬أصلاً،‭ ‬وأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬ليستا‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬الموقعين‭ ‬على‭ ‬ميثاق‭ ‬روما‭ ‬الذي‭ ‬أنشأ‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2002،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ليست‭ ‬دولة‭ ‬رسمية‭ ‬بعد‭. ‬وهدد‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬بمقاضاة‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬المحاكم‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وتجميد‭ ‬معاملاتها‭ ‬المالية،‭ ‬وحظر‭ ‬دخول‭ ‬قضاتها،‭ ‬وكذلك‭ ‬استصدار‭ ‬قرارات‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬صلاحياتها‭. ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬وسواه،‭ ‬بسبب‭ ‬اعتزام‭ ‬المحكمة‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬منسوبة‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وإلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة،‭ ‬تتصل‭ ‬بجرائم‭ ‬الحرب‭ ‬والإبادة‭ ‬وانتهاك‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬السلبي‭ ‬تجاه‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬ليس‭ ‬جديداً،‭ ‬بل‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬تأسيسها‭ ‬وإلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬جديد‭ ‬فيه‭ ‬عملياً‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬بولتون‭ ‬يعلن‭ ‬اليوم‭ ‬سياسة‭ ‬أكثر‭ ‬وعيداً‭ ‬وتهديداً،‭ ‬وعلى‭ ‬نحو‭ ‬يليق‭ ‬حقاً‭ ‬بذهنية‭ ‬فريق‭ ‬الصقور‭ ‬الذي‭ ‬انتمى‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬الدوام‭. ‬ولا‭ ‬جديد،‭ ‬أيضاً،‭ ‬في‭ ‬أحدث‭ ‬خطوة‭ ‬عدائية‭ ‬تجاه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬مؤسسة‭ ‬السلطة‭ ‬الوطنية‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الإجهاز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬رمزية‭ ‬اكتسبتها‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬النطاق‭ ‬المحلي‭ ‬والعربي‭ ‬والدولي‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬إغلاق‭ ‬مكتب‭ ‬المنظمة‭ ‬يقطع‭ ‬شوطاً‭ ‬إضافياً‭ ‬في‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬اختطته‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬والذي‭ ‬ابتدأ‭ ‬من‭ ‬تشجيع‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬على‭ ‬الاستهانة‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وتوسيع‭ ‬الاستيطان‭ ‬ومصادرة‭ ‬الأراضي‭ ‬والتنكيل‭ ‬اليومي‭ ‬بالمواطن‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وانتقلت‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالقدس‭ ‬المحتلة‭ ‬عاصمة‭ ‬لدولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬خلافاً‭ ‬للقرارات‭ ‬الأممية‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬التزمت‭ ‬بها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ذاتها‭. ‬وكان‭ ‬طبيعياً‭ ‬أن‭ ‬تتمثل‭ ‬الخطوات‭ ‬اللاحقة‭ ‬بوقف‭ ‬المساهمة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬لغوث‭ ‬اللاجئين،‭ ‬ثم‭ ‬قطع‭ ‬المساعدات‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬مشافي‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة،‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬تلويح‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه‭ ‬يربط‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬الزجرية‭ ‬بموافقة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬‮«‬صفقة‭ ‬القرن‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يواصل‭ ‬المقايضة‭ ‬بها‭ ‬جاريد‭ ‬كوشنر،‭ ‬مستشار‭ ‬الرئيس‭ ‬وصهره‭.‬

ولعل‭ ‬أبرز‭ ‬الدروس،‭ ‬التي‭ ‬يتوجب‭ ‬أن‭ ‬تستمدها‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العدائية‭ ‬الفاضحة‭ ‬لدى‭ ‬ترامب‭ ‬وفريقه،‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬الاجتهادات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬ارتأت‭ ‬وضع‭ ‬كل‭ ‬البيض‭ ‬في‭ ‬سلال‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬وحده،‭ ‬والمراجعة‭ ‬الجذرية‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬اقترن‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬خيارات‭ ‬قاصرة‭ ‬وخاطئة،‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬أرقى‭ ‬من‭ ‬المقاومة‭ ‬والصمود‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وعلى‭ ‬نحو‭ ‬أكثر‭ ‬جدية‭ ‬وإخلاصاً‭ ‬وفاعلية‭. ‬لقد‭ ‬سقطت‭ ‬الأوهام‭ ‬مراراً،‭ ‬وآن‭ ‬أوان‭ ‬تشييعها‭ ‬نحو‭ ‬مدافنها،‭ ‬مرة‭ ‬وإلى‭ ‬الأبد‭.‬

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية