أنت وأمك في النار !

حجم الخط
9

أعتقد أنني كنت في الثامنة من العمر! …كنتِ صغيرة يا حياة …. طبعا كنتُ صغيرة … لكنها “الله لايسامحها ” كان لها رأي آخر .
قالت : “يا ستي كنت لساتني لابسة الحجاب وشايفة حالي رابعة العدوية” كنت متأثرة بجارتنا نجوى، شابة في مقتبل العمر تدرس تخصص صيدلة، كانت حسناء زمانها سمراء بعيون واسعة وشعر أسود قصير فيه كل فوضى وجمال وشباب جيلها.
كل يوم أنتظر خروجها من البيت كي ألتقي بها وألقي عليها التحية، لتعانقني وأشم عطرها ، وأشاهد ملابسها الشبابية أوائل الثمانينات.
أذهب الى المدرسة وكل أحلامي أن أصبح نجوى المتعلمة الفاتنة، وأتحدث انكليزي وفرنسي مثلها يوما ما ، عندما أعود الى البيت أنهي كل واجباتي ، وأفتعل ألف قصة وقصة كي أجد سببا للذهاب الى جارتنا خالة زينب أم نجوى …
إذا لم أفهم مسألة في أي مادة أو موضوع أقول لأمي سأذهب إلى نجوى كي تدرسني ..أحيانا أنجح وأحيانا تفشل خططي…
وفي أحد أيام الخريف الأولى، وبعد دخولنا المدرسي خرجت من البيت صباحا برفقة ماما كعادة أول أيام الدخول المدرسي ، وإذا بامرأة تخرج من بيت خالة زينب تلبس لباسا غريبا شغلتني تفاصيله قبل أن أتعرف على الوجه جيدا، أو قبل أن تنطق بـ “السلام عليكم ”
ردّت أمي السلام بعفوية ممزوجة بتعجب ! : صباح النور نجوى ، نظرت لأمي وكأني أتأكد من أن المرأة التي أمامي هي نجوى ! انحنت نجوى نحوي وقبلتني وكأني ارتبكت من شكلها الجديد الذي لم أر مثله من قبل !
انشغلت أياما بشكل نجوى وتساءلت كثيرا ، واستمعت لاحاديث وَالِدَيَّ ، وكذلك حديث الخالة زينب لأمي، وشبه استنكارهم أو حسرتهم !
خمار أبيض عريض يصل أسفل بطنها عباءة عريضة الأكمام وفضفاضة، مع زاويتين محددتين جنبي غطاء رأسها لم أفهم كيف استطاعت تشكيله.
نجوى لبست الحجاب. ماهو الحجاب لماذا تلبسه نجوى؟
لماذا لم أره من قبل؟ لماذا لا تلبسه أمي ؟ أسئلة لها أول وليس لها آخر ؟
لمست تغيرا في طريقة كلامها وهدوء عام، سواء كان على مستوى صوتها وحديثها ومشيتها التي بات فيها تذلل طفيف.
ذهبت في أحد الأيام وبعد أن باتت نجوى حديث العمارة وساكنيها ، كان في مجمله رافضا وغير متقبل ! ذهبت لأبي بشكل مباشر وبدون تردد .. بابا أريد أن ألبس الحجاب ؟ وضع الجريدة جانبا وقال لي: نعم ؟ ماذا تلبسين؟ قلت له : أريد أن ألبس الحجاب . لا أنسى نظرة الخوف الممزوجة بالرأفة. قال : أنتِ طفلة صغيرة وهذه الأمور لا تعنيكِ لا من قريب ولا من بعيد ، عليكِ بمدرستك. ولأني وكما يعلم “أذن من طين وأخرى من عجين” ! لبسته وأنا بعمر الثامنة.
لم يكن مثل حجاب نجوى ؛ لكن لبست قطعة خمار ومئزري الذي كان إجباريا في المدرسة بكل الأحوال !.
كنت إحدى الظواهر التي يتعجب لها المارة والمدرسون والتلاميذ على حد سواء ، وأظنني كنت أقرب لظاهرة البرق والرعد أكثر من ظاهرتي الكسوف أو الخسوف !! لا يمكنني القول إني تعرضت للتنمر لأن ظاهرة الحجاب كانت حديثة، ولم تصنف بعد في حينها تحت أي مسمى .
“وبعدين” ؟ “بعدين يا ستي” أصبحت الناطق الرسمي باسم الحجاب بل والإسلام !
و في أحد المرات سألتني إحدى زميلاتي لماذا تلبسين هكذا؟ أجبتها أنه لباس المرأة المسلمة “كنت أردد كل ما أسمعه من نجوى وكل من يدافع عن نجوى وخيارها، وأذكر أني أوظّف كلمات لا أفهم معناها فقط أعلم أنها تستعمل في هذا الموضع أو ذاك ” فقالت لي أن أمها أخبرتها أن هذا لباس ( حركة إسلامية بعينها ) وهو لباس سياسي لا علاقة له بالدين ….قلت لها كلام أمك غير صحيح ؛ جداتنا كنّ يلبسنه؛ فقط بشكل مختلف، وإلى اليوم هن يحافظن عليه ! فردّت : أمي تفهم في هذه الأمور أحسن منكِ … قلت : أمي أيضا تفهم أحسن منكِ وسمحت لي بلبس الحجاب. قالت : أصلا أمكِ أخطأت عندما سمحت لكٍ بلبس الحجاب ؛ وأردفت قائلة بتأفف وكأنها تشم رائحة المازوت تنبعث من ثيابي : على أي حال .. أنا لن ألبس لباسك هذا !وأضافت أمي قالت أموت ولا أضعه على رأسي . فرددت قائلة “أنت وأمك في النار” ! .
انتشرت كلماتي كالنار في الهشيم ..وجاءت من توعداتها البارحة بالويل والثبور ؛ ذهبت للمديرة مباشرة …ونادتني المعلمة دون أن تسألني أو حتى تتأكد من شيء، صرخت في وجهي ، وأنزلت عليّ وابلا من التوبيخ وصل حد الشتم من سبيل … كيف تقولين كلاما كهذا … سأطردك من المدرسة … أنت سيئة …. وأنت لم تتلقي التربية المناسبة ؛ فقلت لها أنا تربيت أحسن تربية ؛ تلوّن وجهها ولبستها كل عفاريت الأرض ، خبطت رأسي على السبورة فساح الدم من جفني العلوي . أفقت في المستشفى على صوت شهيق أمي ! الطبيب يقطب جفني ؛ ووجه أبي عابس وحزين …وأنا بين الوعي والاغماء . نعم ؛ أصبت بعاهة مستديمة وكما ترين عيني اليمنى أضيق من اليسرى .
كانت الحادثة درسي الأوّل في مفهوم التشدد وكيف يولّد تشدداً في المقابل؛ كنت شاهدة عيان على معنى الجهل بالعواقب، والتصرف والحكم في حالات الغضب والصدمة.
عينة بسيطة في مجتمع صغير، وكأنها بذرة نمت وتجذّرت، وباتت قانونا يوظفه صاحب أي سلطة من أعلى الهرم في المجتمع أو السلطة الى أسفله حسب موقفه من الآخر ، ويمكنك قلب كل المواقف بكل الاتجاهات والنتيجة تظل نفسها .
وكأن البشر مرعوبون بالفطرة من الآخر أيا كان، وتحت أي مسمى ، وفي أي مكان وفي أي زمان .
بعد الحادثة ببضعة أشهر على ما أذكر هلّ عيد الفطر السعيد ؛ طللت من النافذة واذا بالأطفال والأصدقاء والجيران كلهم بالشارع يلعبون ويمرحون…نظرت لملابسي الجميلة واشتقت للعب والفرح مع أصدقائي .
نزلت بدون غطاء رأس ودخلت مع أصدقائي في موجة فرح وضحك وزهو أنستني ألم عيني وشكلها الحزين .

كاتبة جزائرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول المصطفى لحبيب:

    والله إن من الإبداع لسحرا، جميلة هذه القصة وكم أتمنى من أعماق أعماق قلبي أن تكون حقيقية، لأني وأنا الميال للشك، أكبر ما يؤرق ضميري، أن نكون من الذين يهدمون بيوتهم بأيديهم.
    سلمت عين أديبتنا من كل سوء، وفقط للتذكير، لم يكن الحجاب يوما غريبا عن مجتمعاتنا العربية، بل عندنا في المغرب، كانت بعض أمهاتنا يلبسن على وجوههن قماشا أسودا أو أبيضا، وكان البعض الآخر سافرات الوجوه، ولم يثبت عندنا أن ضربت أستاذة تلميذة، لتقليدها جارة رأت فيها القدوة.
    عظيمة أنت يا جزائر، كل الحب والتقدير لأحبابي في تلك الربوع من وطننا العربي المجيد.

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    أنا لم أجبر بناتي على الحجاب أو الصلاة أو الصيام !
    أنا شجتعهم على الحجاب والصلاة والصيام !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    قالت لي المعلمة النرويجية أن الصيام شاق على الأطفال !
    فأجبتها بأن الأطفال غير مفروض عليهم الصيام حتى يبلغوا , لكني أشجعهم عليه فقط , وأطالبهم بالإفطار عند المشقة ,
    والدليل هو بأنه يوجد بشنطتهم الدراسية أكل وفاكهة , فلو جاعوا بالمدرسة أكلوها !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. يقول الكروي داود النرويج:

    ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور/31
    قال القرطبي: سبب نزول هذه الآية: أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمر وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر، فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بِلَيِّ الخمار على الجيوب (فتحة الصدر)..

  5. يقول اول همسة:

    سرد جميل تحياتي

  6. يقول عبد الكريم البيضاوي:

    شكرا للأخت الكريمة على إشراكنا أدوار هذه القصة الجميلة و المعبرة في آن. معلومة فقط : في الدول التي تحترم فيه حقوق الأطفال وحقوق الإنسان عامة يمنع منعا كليا إجبار الطفل ممارسة أي دين كيفما كان نوعه إلى حين سن البلوغ عندها يختيار الشاب أو الشابة بكل حرية وبمحض الإرادة إن كان سيتدين أو لا؟ وهنا له الحق في اختيار أي دين ولو عبادة الشمس والقمر. ذاك شأنه وأمره وحريته الشخصية المقدسة.

  7. يقول اثير الشيخلي - العراق:

    كل التحايا اختي الفاضلة منى بعد هذه الغيبة الطويلة و عود حميد و مظفر.
    السرد مشوق كالعادة و لكن دعيني اختلف بشدة معك هذه المرة!
    ففرق كبير بين القول و العمل سواء من الناحية الشرعية و من الناحية القانونية
    فلو قال أحدهم لآخر اني ساقتلك بلسانه و لم يفعل، لن يحاسب عليه قانوناً الا اذا تقدم الاخر بدعوى تهديد و قذف ضده و غالبا تمر هذه الكلمات رغم خطورتها مرور الكرام
    و لكن لو فعل و نفذ مقالته، فإن الأمر يختلف جذرياً و يصبح قاتل يستحق الإعدام او المؤبد في اخف الحالات في الدنيا و الوعيد الالهي الشديد في الآخرة!
    و يكون الأمر اخف بكثير حين يكون المقال صادر عن طفل (أو طفلة) خارج سن التكليف و غالبا يعتبر صادر عن جهل و لا ادراك.
    و الأمر كذلك في التشدد و التطرف، فالمقال غير الفعل
    و يزداد الفارق شسوعاً حين يكون التشدد عبارة عن قول صادر من طفل لا يعي ما يقول، عن فعل متشدد صادر عن بالغ متعلم يعي ما يفعل!
    لذلك المثال الذي ورد في القصة المشوقة التي ارادت إيصال فكرة بعينها و التعليق عليه من أن التشدد يولد تشدد مقابل لم يكن موفقاً برأيي بالمرة
    فكيف يمكن أن نقارن تشدد لمقولة صادرة عن طفلة لا تعي ما تقول برد فعل إجرامي صادر عن معلمة مربية كما يفترض ضد مخلوقة ضعيفة انتهى باعاقة دائمة؟!
    تحياتي.

  8. يقول نجم الدراجي - العراق:

    سردية جديدة رائعة بقلم الاخت والصديقة الاستاذة منى مقراني .. من جماليات المقال تقديمه للقارئ باسلوب قصصي شيق لامس حاله شديدة الحساسية ، ونجحت في طرح الموضوع أدبياً واجتماعياً ، واستطاعت الاستاذة منى مقراني الامساك باطراف خيوط الموضوع ، وكذلك تماسك النصوص ، وتوظيف الفكرة بالرمزية …
    من المؤسف أن تلجأ بعض الانظمة السياسية لفرض الوصاية الدينية على الشعوب ، وأجبار الناس على ارتداء زي معين برمزية دينية ، وأغلب تلك الانظمة بعيدة عن روح الدين لكنها تستغل قوة الدين سلبياً وتوجيهها لصالحها … وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي قام أحد تلك الانظمة الديكتاتورية بالترويج للحجاب وأحيانا فرضه في المدارس والجامعات ، وتطرف في الدفاع عنه ، وعنل على ترسيخه وكأنه عرف اجتماعي من خلال مشروع سمي في حينه ب( الحملة الايمانية ) …
    المعتقد قناعة في اعماق الانسان قد تتأثر أو تتغير ، ولكن من الصعب على أي ديكتاتور تأطير العقيدة ، وكمل يحصل اليوم في افغانستان حين منع ( الخليفة ) النساء من ممارسة الحياة اليومية من دون حجاب ، ومنعهن من التعليم الاكاديمي وممارسة العمل أو عقوبة الجلد والغرامة لمن تخلف عن اداء الصلاة .
    تحياتي
    نجم الدراجي – بغداد

  9. يقول أفانين كبة - كندا:

    اساليب خاطئة في نقل الرسالة السماوية يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل وتركت آثارا سلبية على فئة من المجتمع ، ألا وهو التخويف والرعب من العقاب الإلهي ، لذا الكثير يرفض النقاش والجدل في الأمور الدينية ولا يتقبل أية تغيير في ما تعوٌد عليه من ممارسات دينية . وشئ طبيعي أن ينتقل هذا الخوف والرعب الى الأطفال الذين عندهم البراءة والفطرة السليمة و التفكير المحدود ، و يُنفذوا ما يصل اليهم من أوامر من البيت أو المدرسة ومن غير أية نقاش أو إعتراض ، وهذا طبعاً خطأ لإن الله أعطانا العقل لنستعمله .
    موضوع جديد ومهم من الأخت منى مقراني مشكورة عليه ، وننتظر المزيد !

اشترك في قائمتنا البريدية