رواية «أوتار القلب» للمغربية نرجس العطار: تأملات فلسفية لشخصيات من ورق

تعد رواية «أوتار القلب» للروائية المغربية نرجس العطار، الصادرة عن منشورات التوحيدي سنة 2018 من الأعمال الأدبية المميزة. تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات تربطها علاقة الحب والموسيقى والفن والفلسفة والانتظار. يمكن تأويلها من منظورين مختلفين: منظور أدبي سردي يتعلق بالشخصيات، الزمان والمكان، الأحداث والرسائل التي تحاول الكاتبة إيصالها ما بين الأسطر وعبر الخطاب السردي، ومنظور فلسفي حيث التأمل والتساؤل والشك في تداخل مستمر. ولعل هذه الخصائص أحد أبرز سمات هذه الرواية التي تمكنها من الانفراد بطابعها، ويصعب على المتلقي تصنيفها في مجال معين. ما يهمنا كقراء بالدرجة الأولى، هو الأسلوب الحديث المعتمد في الكتابة. فالرواية عبارة عن نص على شكل شذرات وفصول تتخللها نوتات موسيقية. سيلاحظ القارئ حضور الموسيقى بشكل لافت للنظر ويدعو للتساؤل عن سبب إدراجها كعنصر مهم في تشكيل نسق الرواية.
من الناحية الشكلية، تتميز الرواية بطابعها الحديث، المتمثل أساسا في اللغة الشعرية وتداخل الأجناس والتداخل النصي. ليس غريبا وجود هذا البعد الفلسفي، نظرا لأن الكاتبة هي في الأصل أستاذة لمادة الفلسفة وتلقت تكوينا فلسفيا وموسيقيا محضا.
من اللحظة الأولى التي سيقرأ فيها القارئ عنوان هذه الرواية، سيتبادر إلى ذهنه فكرة وجود عالمين مختلفين، لكن يتقاطعان بشكل مستمر ويتكاملان في بعض الأحيان. «أوتار القلب» عنوان شهي جدا، فهو يحمل في طياته عالم الموسيقى والأدب بطريقة ذكية، التي لا نظنها محض مصادفة. فالموسيقى حاضرة في العنوان من خلال كلمة «أوتار» التي ترمز لمجموعة من الآلات الموسيقية من قبيل الكمان، الغيتار، العود، القانون وغيرها. أما الأدب فقد تمت الإشارة إليه من خلال كلمة «القلب». هذه الكلمة قد تبدو بسيطة وعادية، ولكنها في الحقيقة ذات إيحاءات متعددة ومعان عديدة. فالأدب قبل أن يكون نتاجا لمخيلة خصبة وتجارب معاشة، هو في الحقيقة نتاج للعاطفة المدمرة والحس القوي الذي يتمتع به الكتاب والشعراء. بطريقة أخرى، القلب أساس أي إبداع فني، كيفما كان نوعه أو شكله. لذا، فالكلمتان تعكسان تزاوج وارتباط الموسيقى بالأدب في النص، قبل البدء في قراءته. تجدر الإشارة هنا، إلى أن الموسيقى من المواضيع النادرة التي يتناولها الأدباء المغاربة، فقط القلة القليلة من يستحضرونها في أعمالهم، نظرا لتعلقهم الشخصي بها، أو لأنهم يمارسونها، وبالتالي تصعب عليهم الكتابة خارجها.
نرجس العطار، ربما الوحيدة من الكتاب المغاربة الذين مزجوا بين الموسيقى والأدب في نسق أدبي واحد. فقراءة رواية «أوتار القلب»، ذكرتنا برواية «الرباعية» للكاتب الهندي فيكرام سيث، الذي دمج فيها بين الموسيقى والأدب. بهذه الطريقة، تتجاوز الكاتبة الأدب التقليدي نحو أدب فني بامتياز، أو ما سماه تيوفيل غوتيي بالفن من أجل الفن. فالرواية تعطي للقارئ انطباعا على أنه أمام نص تتداخل فيه الأجناس والفنون باستمرار. يتولد لديه شعور بأنه يعرف الشخصيات حق المعرفة، أو يشاطرها بعضا مما تشعر به. فقد اعتاد القارئ وجود شخصيات محددة ومألوفة الملامح والصفات، يتصرف كل منها بشكل عقلاني أو متناسق مع خلفياتها النفسية والاجتماعية والفكرية والسياسية. شخصيات تتفاعل مع محيطها وتعكس صورة من صوره الباهتة. نجد في رواية نرجس العطار، شخصيات من ورق، كما تصرح بذلك الكاتبة في مدخل الرواية: «يوما ما سيقرأ شهاب قصة نيزك، وسيعلم في الأخير أنه كان بطلا على ورق».

نرجس العطار، ربما الوحيدة من الكتاب المغاربة الذين مزجوا بين الموسيقى والأدب في نسق أدبي واحد. فقراءة رواية «أوتار القلب»، ذكرتنا برواية «الرباعية» للكاتب الهندي فيكرام سيث، الذي دمج فيها بين الموسيقى والأدب.

من خلال هذه الجملة نتعرف على الشخصيات البطلة لرواية «أوتار القلب». شخصيات لها أسماء كواكب ونجوم، غير واضحة ومتحركة في فضاء يتداخل فيه الشعر والنثر. لا تترك الروائية فرصة للقارئ لمعرفة ما إذا كانت هذه الشخصيات مستمدة من الواقع. فهي مجرد أبطال على ورق، أي أنها شخصيات من محض الخيال ولا تربطها أي علاقة بالكاتبة. تجمع بين شهاب ونيزك علاقات عاطفية، موسيقية وشعرية، على الرغم من أنها شخصيات ورقية، إلا أن الكاتبة نفخت فيها روحا، حتى أصبحت ملامحها وعواطفها ظاهرة للقارئ. تتميز هذه الشخصيات بنوع من الغموض، تظهر في الواقع بطابعها الواقعي من خلال استحضار الذكريات وبعض الأحداث المتعلقة بالعائلة والدراسة والسفر، لكن سرعان ما تدخلنا في دوامة من الغموض، خاصة عندما يتعلق الأمر بالرؤى والأحلام والأوهام. قول إنها شخصيات من ورق، هو في الحقيقة مراوغة ذكية من كاتبة ذكية، لتفادي النبش في سيرتها الذاتية ومقارنتها بمصير وأسرار شخصياتها. بهذه الطريقة تتبرأ نرجس العطار من أي تأويل قد يجمع بين الواقعي (حياتها) والمتخيل (قصة شخصياتها).
إذا كانت شخصيات نرجس العطار من الورق وتتميز بصفات كونية، فالمواضيع التي تتناولها الرواية مختلفة ومتعددة. تحاول الكاتبة تشكيل أفكارها والمواضيع التي كانت ترهق تفكيرها بطريقة فريدة. يجد القارئ نفسه أمام سيل جارف من التساؤلات، فالشخصيات البطلة لا تتوقف عن طرح الأسئلة ومحاولة تعريف كل ما يحيط بها. لا تقدم رواية نرجس العطار معاني جاهزة يمكن للقارئ أن يتناولها بيسر وطمأنينة، بل تضعه في نوع من المتاهة التي يتطلب اجتيازها الكثير من الدقة والوعي والتركيز في القراءة. فالرواية وإن كانت تعالج بعض المواضيع من قبيل: الحب، الموسيقى، الحنين، الألم والمعاناة، التفكير الدائم في العالم والأشياء، الوهم، الدراسة، الأدب، النسيان… فهي غير مبنية على أفكار محددة أو طرح معين، فالكاتبة تترك للقارئ فرصة الإجابة عن أسئلة شخصياتها، أي أنها تشرك القارئ بطريقة تفاعلية في البحث عن إجابة للأسئلة المطروحة.
تظهر الرواية كنوع من الألعاب التركيبية التي يتطلب من القارئ جمع أجزائها المبعثرة، ليعطيها الشكل المناسب. فالذكريات التي ترويها الكاتبة على لسان شخصياتها مبعثرة، ولم يتم سردها بطريقة متسلسلة، وبالتالي يجب على القارئ إعادة دمجها كي يكتمل المعنى وتتضح الرؤية. فـ»أوتار القلب»، نص بخيوط متعددة، تلتقي كلها في الماضي عن طريق الذكريات. قد تبدو قصة الحب التي ترويها الكاتبة وما نتج عنها من معاناة وألم موضوعا مستهلكا في الأدب، لكن الطريقة التي تم بها سرد هذه القصة تجعلها فريدة من نوعها، وتدخل ضمن الأدب الحديث، الذي يجعل من القارئ عنصرا مهما في بناء الأحداث مع الشخصيات وملء الفراغات المتروكة بين وخلف الكلمات.
فإذا كانت هناك تقطعات وغياب للسرد المتسلسل في الرواية، يمكن أن نقول إنه قد أثر أيضا على اختيار الزمان والمكان. فالرواية تعود بنا الى الماضي، فقد ركزت الكاتبة بشكل كبير على الماضي، ويتجلى ذلك من خلال الجزء الكبير الذي سخرته لسرد القصة، خاصة الفترة المتعلقة بالدراسة، لذلك، فالرواية هي إعادة تشكيل للحظات الفارقة في حياة الشخصيات البطلة: ذكريات الطفولة، فترة الدراسة، فترة السفر ولحظات شرب القهوة… تعتمد نرجس العطار تقنية تقريب ومجاورة الأزمنة والأماكن، وذلك ما يضع القارئ في جو متواقت ومتعدد الأماكن من قبيل: المدرسة، المعهد الموسيقي، إسبانيا، محطة التاكسي، السوربون، تطوان… فتعدد الأزمنة (الطبيعية، الثقافية) والأماكن (الواقعية، الخيالية) يجعل عملية الانتقال الفوري من منطقة أو لحظة لأخرى، من الواقع إلى الخيال، أو من موضوع لآخر تتم غالبا بدون مقدمات وبدون استعمال أي من التعابير الظرفية الممهدة لذلك.

تضع هذه الرواية المتلقي أمام عالم متحرك، تجعله يعيش لحظة بلحظة ألم العشق القاسي، من خلال تسارع المشاهد والأحداث التي قد تؤثر فيه بشكل مباشر.

تدرك نرجس العطار عمق الروابط بين الكتابة والموسيقى، أو بالأحرى بين أن تكون كاتبا وعازفا في آنٍ. إذا كان كل عمل روائي، أو شعري، أو مسرحي، يحرص منذ القدم على الاشتغال على الموسيقى كجزء مهم للتركيبة الداخلية والخارجية للنص، فالكاتبة جعلت من روايتها نقطة حوار بين الأدب والموسيقى. وأول ما يلفت النظر بهذا الخصوص، هو كون عناوين الفصول عبارة عن نوتات موسيقية، بحيث أن الروائية جعلت من الحقل الدلالي الخاص بالموسيقى مرجعها الرئيسي في كتابة هذه الرواية. كما أن التعابير التي استعملت في السرد تنتمي في غالبيتها إلى مفردات الموسيقى. وهذه العبارات لم ترد بالمصادفة، وإنما بالتقاء الفنيين، بل أكثر من ذلك، تستحضر الكاتبة أسماء لامعة في عالم الغناء والموسيقى مثل: أم كلثوم، جاو دسان وآخرون. وجود الموسيقى كثيمة وعنصر أساسي في متن الرواية، يجعل منها نصا شعريا غنائيا، حيث المساحة الأكبر للعواطف والأحاسيس الجياشة. فالكتابة بحس فني موسيقي يجعل من الأحاسيس تتحرك وكأن الكلمات عبارة عن أوتار كلما لمستها الكاتبة خلقت حركية إيجابية تختلط في كثير من الأحيان بذكريات قاسية، كالفراق والحرمان والحنين والشعور بالتمزق والوحدة.
تضع هذه الرواية المتلقي أمام عالم متحرك، تجعله يعيش لحظة بلحظة ألم العشق القاسي، من خلال تسارع المشاهد والأحداث التي قد تؤثر فيه بشكل مباشر. تحاول الروائية جعل آذاننا وأحاسيسنا واعيننا تَأْلَفُ اشتراك عناصر قد تبدو متباعدة، بل متنافرة، للوهلة الأولى، في أداء عمل روائي واحد. وكما قال آلبيريس في كتابه «تحولات الرواية»: «الموسيقى تحفز مجرى النص، وتهيئ وتشكل ذلك المدى الذي يحدث فيه ويتحدد من خلاله شيئا فشيئا»، لذلك، رواية نرجس العطار، تستمد قوتها وأصالتها من الموسيقى.
يمكن القول أيضا، إن رواية «أوتار القلب»، هي في الأساس رواية شعرية. تعرض لنا لحظات من العشق والحنين بين الروائية الشاعرة والكلمات، وحالة الوجد التي تعيشها وهي تتوغل في أعماق اللغة، ثم النشوة أو اللذة التي تمنحها للقارئ من خلال اختيارها للكلمات بعناية فائقة. لا نعتقد أن الهدف من الكتابة هو سرد للأحداث، بل تعبير عن الحاجة إلى الإفصاح عن ما هو متجذر في كيان الشاعرة، من قلق وتردد واضطراب ولذة وعطاء. هي رواية شعرية لأنها تعتمد بنى الشعر وأنغامه وروحيته، حتى لو لم تكن تروي سوى عملية تشكل النص. فالشعر حاضر شكلا ولغة وحسا. شكلا من خلال إدراج مجموعة من القصائد ذات الطابع الحر داخل نسق نثر شعري من الناحية اللغوية والحسية. فالكاتبة تحكي قصة نيزك وشهاب عن طريق الشعر، والرواية تتحول إلى أشبه بقصيدة نثرية، هذا الشكل يذكرنا بأعمال ناتالي ساروت، ثم فيليب سولر وجان – بيار فاي، لأنه يهدف إلى أبعد بكثير من نرجسية الكاتب، ليشمل نرجسية الشخصيات. بهذه الطريقة الفريدة، تتحول اللغة المستعملة في «أوتار القلب» إلى وسيلة للخلاص وتجسيد للوجود.
قراءة هذه الرواية، هي في الحقيقة قراءة لقصيدة عشق تنبسط فيها الكلمات ويشتد الخيط الذي يخترقها الى إن تصل إلى قلب القارئ، وكأن ما وقع لشهاب ونيزك ملحمة أو أسطورة نقشت بعناية كبيرة. فالكلمات تولد إيقاعات موسيقية تتماشى مع العاطفة والمخيلة الخصبة للكاتبة. فقد كتبت بعبارات استخرجت من أعماق اللغة، ثم هندستها وفق أنغام تتجاوب وتتكامل مع أحاسيس الشخصيات، لتؤلف لنا سمفونية الكلمة واللحن والصورة….

٭ باحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية