أوجاع الذاكرة في رواية «الغار» للجزائرية جميلة طلباوي

حجم الخط
0

تطوف بنا الروائية الجزائرية جميلة طلباوي في أجواء صحراوية، من خلال عملها السردي الموسوم بـ«الغار» تغريدة القندوسي، الصادر عن دار خيال للنشر والترجمة، في برج بوعريريج ـ الجزائر 2021، وقد حمل السرد في جل مفاصله صياغة تعبيرية مباشرة، اتخذت في حركته الإنتاجية وأشكاله الخطابية على مستوى الرؤية والكتابة، عدة تقنيات تراوحت بين الارتجاعات والاستباقات والمحمولات الرمزية والاستعارية، وهذه المرة تحط الكاتبة رحالها في مدينة القنادسة الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري، حيث تبعد عن الجزائر العاصمة حوالي 1020 كم، والحقيقة التاريخية تقول إن القنادسة هي أول مدينة جزائرية اشتعل فيها أول مصباح في افريقيا بفضل الفحم الحجري، إذن فقد بات من الضروري الإشارة في هذا السياق، ونحن نفكك شيفرات النص عبر عمليتي الاستنطاق والإنصات، إلى كينونة العمل الفني، أن أول شيء يتبادر إلى أذهاننا ما هو السر الكامن الذي جعل من الروائية جميلة طلباوي تتعلق بمنطقة الصحراء إلى حد الهوس؟ وهل للمكان كل ذلك الحضور القوي بحيث تستجيب الذات لنداءاته؟ وما حقيقة هذه العلاقة التي تنصب نفسها كنموذج حاكم على الكائن البشري؟ وما مدى التناغم الحاصل على مستوى الانتماء؟

رمزية الغار/ الجسد المقموع

تظل الكاتبة ككل مرة مشدودة في كتابتها بالحديث عن الصحراء، وما تحمله من أسئلة أنطولوجية من خلال مساءلة الواقع المعيش، والحال هذه، تتجلى في إظهار نوعية العلاقة في تواشجها، وهنا، نستطيع القول: إن الأمكنة تجسد أحد أهم التجليات في إشراقاتها النابعة من عمق الكينونة، من خلال تلك العلاقة الحميمية التي عكست كل أواصر المحبة المرتوية بتربة الأرض والمسكونة بهاجس المكان، هذا الاندماج يستنطق الأماكن الصامتة التي لفها غبار النسيان ردحا من الزمن، والعنونة أي الغار إذا ما وضعناها في إطار المجالات التداولية سواء الشفهية أو الكتابية في سياقات التلفظ؛ أمدتنا بمجموعة من الإحالات والإشارات الدالة، وبناء على ذلك، فلفظة الغار من حيث السياق والموقف بطبقاته المظلمة المتراكمة يشكل علامة لسانية، تجسد عبر قصدية التواصل كل أنواع المأساة والصدمات النفسية المغلفة بنيران الألم والقهر والحيف والخوف، ويتعلق الأمر، بعمال المنجم الذين قضوا نحبهم في ظل الاحتلال الفرنسي الغاشم، والأمراض الفتاكة التي تمكنت من الأحياء، كما هو الحال مع شخصية سالم، يأتي في مقدمتها سرطان الرئة أو السيليكوز، فقد كان عام 1908 هو العام الذي تم فيه اكتشاف التراب الأسود اللامع أو الفحم الحجري، كما جاء في أحاديث والد سالم، الذي ما زال يستحضرها إلى حد اليوم.
اللافت أن هذا الاكتشاف كان بمثابة العرس بالنسبة لإدارة الاحتلال الفرنسي، الباحث عن الممكن المزيل للعقبات، إذ من شأن هذه الخطوة أن يتحقق من جرائها المشروع الحضاري، لكن على أكتاف وظهور وعرق ودماء أبناء مدينة القنادسة البسطاء، الذين يسيرون على هامش الحياة، فكان تاريخ 1917، كما أشارت الكاتبة داخل المتن الحكائي، بالنسبة لعمال المنجم التاريخ المظلم في حياتهم ونذير شؤم، فأضحى يولد كل لحظة داخل الكينونة الممتثلة لترسبات الذاكرة، وعلى طرف نقيض الشرارة الأولى على النتائج الإيجابية التي انعكست على الإدارة الفرنسية، وما يفند هذا الكلام قولها الآتي «فهو التاريخ الذي استخرجت فيه أول كمية من الفحم، والضريبة دفعها العمال البسطاء الذين انهار عليهم المنجم وقضوا في يوم لبست فيه القنادسة وشاح الحزن».

تمظهرات العقل الأداتي أو جراحات الذات والذاكرة

يتضح مما تقدم، أن تجربة الحياة المعاشة وما خلفته من آثار سيكولوجية على مستوى الذوات، جعل من شخصية سالم يعيش رهابا كبيرا، إلى درجة وصلت به إلى عدم التفكير في ولوج الغار مرة أخرى، حفاظا على نفسه بتجنب المصير الذي لحق بأترابه، الذين قضوا نحبهم تحت الأنقاض بعد انهيار المنجم، ومن نجا منهم كما جاء في مضمون النص، أصيب في رئتيه بمرض السيليكوز، حتى أنه كتب أعلى مدخل الغار (الداخل إليه ميت والخارج منه ميت) بهذا المعنى، يتمثل الحدث أمامنا في أفق التجربة الإنسانية مزحزحا للإمكانات الواعدة؛ باتباع منطق الانغلاق والتصلب في غائيته التاريخية، المفارق لسلم القيم وخطابات الحداثة، هذه الإزاحة ضمن صروح الوقائع عبّرت عنها التساؤلات التي خاطب بها أحمد العطار ذات مرة سالم، قبل أن يتمكن منه المرض قائلا «كيف لفرنسا المستعمرة أن تنير هذا العالم، في حين تزجّ بأبناء بلدتهم في ظلمات الغار، هل يمكن لفرنسا أن تقدم عملا يحمل خيرا لأهل البلدة، وهي منذ حل بها عساكرها انقلب نهارها إلى ليل دامس من الفقر والجوع والمعاناة، خاصة أن الأهالي كانوا ما يزالون تحت صدمة فاجعة احتراق أبنائهم في قلب غار الفحم في 4 و9 مايو/أيار 1948 في الجزء التاسع من المنجم».

وبالتالي، فإن هذه الممارسات تكشف في حقيقة الأمر عن الوجه الخفي للآخر «الاحتلال الفرنسي» المتسلح بالعقل الأداتي على حساب العقل التواصلي، هذا المشروع الذي يستمد مشروعيته من الجوانب النفعية بالاعتماد على التقنية، بالمعنى الذي يدلل على منحى عملي يختزل في أنماط تفكيره الأطر التي انبنى عليها العقل التنويري الغربي، إذ ساهم بشكل أو بآخر في خلق أسطورة من نوع آخر، كما ذهب إلى ذلك أقطاب مدرسة فرانكفورت أمثال، أدورنو وهوكهايمر، فانتقلت البشرية من أبعادها الإنسانية إلى مرحلة من مراحل التشيؤ والضيم والاستعباد، عبر نسق قسري تسلل داخل مفاصل المجتمع ومجالات الحياة، نتيجة الفعل الاستراتيجي، الذي لم يمنح الأبعاد الإنسانية سماتها الإيتيقية ضمن خياراته الواعية. وتبعا لذلك، فطروحات هذا الوعي في امتداده الطبيعي المتوتر والمشوه، تؤكده الأوضاع الاجتماعية المزرية، وما يتصل بها من خروقات وتجاوزات؛ أبانت عن طبيعة العلاقة بين الإنسان القندوسي والمؤسسة بأنظمتها السياسية، وهنا تجدر الإشارة إلى شخصية خويرة، التي تحول بيتها إلى جحيم؛ بفعل القوى المسيطرة التي تنزع نحو استغلال الشعوب، غير آبهة بالمخلفات والآثار السلبية التي قد تنجم عنها، تقول الساردة في هذا السياق «تذكر خويرة بأنها أعادت الكرة لعدة سنوات دون جدوى، لم تتحقق المعجزة كي تقف «رحمة» على قدميها من جديد، بل حلت لعنة تراب العفاريت بالعائلة، وأصيب سالم كأغلب الرجال العاملين في المنجم في رئتيه. يسعل سالم سعالا شديدا، يدس البصاق المختلط بالدم في وعاء حديدي ملأه ترابا. وخويرة تبكي حظها التعيس» بحيث يطالعنا المنطوق السردي في هذا السياق كطاقة مفجرة تكشف عن ثنائية التمثيل والممارسة، وفي نهاية المطاف هي عملية حفرية تتجاوز المعنى السطحي الظاهر للمقطع السردي، والروائية جميلة طلباوي تحاول من كل هذا الحكي تعرية وفضح الخلفية التي يتكئ عليها الآخر، ويتعلق الأمر، في كونه يستند إلى لغة الحياة الواقعية، بمعنى، التعامل المادي المحض في أنظمته التجريبية.
ويتمظهر هذا الإخفاق في عرقلة الفعالية الإنسانية المنتجة، بحيث يبقى العقل الأداتي مشدودا في أهدافه داخل مظلة تحكمها عملية النجاح والربح والسيطرة، ومما لا شك فيه، أن هذا الأنموذج في رؤيته للعالم ظل مجافيا لبنية التفاعل البشري في تعاملاته الشرسة، حيث حفر خطوطا عميقة في وجدان المجتمع القندوسي، ونخص بالذكر، شخصية خويرة زوجة سالم، والمجتمع القندوسي والجزائري بأسره على وجه العموم، وتتلخص مسيرة هذه الأحداث الشاقة والمرة والأليمة في السرد التالي «وعلى شاشة التلفزيون تظهر خويرة جالسة على كرسي متحرك، وقد غيرت التجاعيد ملامح وجهها، لكنها لم تغير من نظراتها التي تقول الألم والقهر، تروي للصحافي الشاب ما عاشوه في ظل الاحتلال الفرنسي، تروي له بطولات حفيدها خالد، تبكي مرارة الفراق فبعد أن استشهد حفيدها خالد المدعو حمصة توفي زوجها سالم وتوفيت ابنتها رحمة».

كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية