إرهاب الشعر الأفغاني: القصيدة بصيغة المؤنث

جل الكتابات الأفغانية رأت النور في المنفى، بعيدا عن تربة أفغانستان وشوارعها. يعتقد البعض أنه لا وجود لآداب وفنون أفغانية، وأن أفغانستان مجرد أرض قاحلة لا مكان فيها للكتابة والإبداع والفن. وقد حاولت وسائل الإعلام الدولية، التركيز أكثر على الإرهاب والعنف، مستغلة هذه العوامل لنشر صورة سوداء حول بلد عريق يمتد تاريخه لآلاف السنين. هذا الظلم جعلنا ننكب على دراسة الأعمال الأدبية والفنية المتنوعة، خاصة الأعمال الحديثة والمعاصرة، لمبدعين ومبدعات من بلاد البشتون والطاجيك والهزارة.
يَظل الشعر أهم ما يميز ثقافة هذا البلد، خاصة شعر النساء المُحرم. إن كانت الشاعرات في مختلف دول العالم يكتبن في ظروف مواتية، ويعرضن أشعارهن على القارئ بشكل علني، بدون أي مشاكل، فإن الشعر لا تكتبه النساء في أفغانستان إلا سرا أو خارج حدود البلد. بمجرد أن تكتب المرأة الأفغانية الشعر فهي تلطخ سمعة عائلتها، وقد يكون الموت عقابا لها، لذلك فشعر النساء الأفغانيات بقدر ما هو محرم، متحرر بشكل لا يمكن وصفه:
أعطني يدك
يا حبيبي
ولنرحل إلى الحقول
لكي نتبادل الحب
او نتهاوى معا
تحت الطعنات. (شعر اللاندي)
فالحرمان الذي عانت منه المرأة بسبب قسوة العيش، والتأويل المتعصب للشريعة، وعنف الأسرة، ونظرة المجتمع الدونية لها، أحد العوامل الرئيسية التي دفعت بمجموعة من النساء الأفغانيات إلى الإفصاح عن مشاعرهن والتطرق لكل المواضيع المحرمة كالجنس والشهوة والحب، سواء عبر قصائد اللاندي، أو عبر الشعر الحديث المكتوب باللغات الفارسية (الأردية، البشتونية) أو اللغات الأجنبية. تنتصر المرأة الشاعرة لروحها ولحريتها، وتختار الكتابة كوسيلة للتحرر من قيود الماضي، وقساوة الحاضر المرّ، كاشفة عن أسرارها وأسرار باقي النساء الأفغانيات. ليست كتابة الشعر إذن مجرد ممارسة أدبية، بل هي ردة فعل واعية لذات ممزقة تحاول جمع شتاتها وإعادة بناء هويتها. لذلك، فهذه الموضوعات التي ذكرناها ممنوعة تمامًا. تتجنب الشاعرات الأفغانيات كتابة الشعر الرومانسي لأن المجتمع لا يشجع النساء على التعبير عن الحب، حتى في شكل شعر. تم تعذيب بعض الشاعرات بسبب كتابة الشعر الرومانسي. عندما تكتب النساء الأفغانيات عن الحب، غالبًا ما يتم اتهامهن بالزنا، والمساس بشرف العائلة بأكملها. في عام 2005، قُتلت الشاعرة الأفغانية نادية أنجومان على يد زوجها، بعد نشر كتاب شعرها الرومانسي. ذكرى وفاتها لا تزال تثير الخوف بين النساء، لكنها لم تمنعهن من وضع حبر أحاسيسهن على الورق :
« يا حبيبي
إسرع واقتحم الغارة
لقد تراهنتُ عليك
مع بنات القرية» (شعر اللاندي)
نجيبة باكتياني شاعرة من مدينة جلال آباد الشرقية، تصف الشعر بأنه ترياق لصعوبات الحياة، تقول: «كانت حياتي في حالة اضطراب، مليئة بالحزن. حاولت التعبير عن حزني من خلال الشعر، هكذا بدأت». لطالما كان الشعر جزءًا مهمًا من ثقافة البشتون، وغالبًا ما كان يتم تمريره من قبل النساء من خلال الأغاني التي تغنى للأطفال، وفي حفلات الزفاف. لكن منذ عهد طالبان، تم منع كتابة الشعر عن النساء، ما أحبط العديد من الشاعرات. فحتى عندما يتمكن من الكتابة، يتم الحكم عليهن بقسوة، بينما يحظى الشعراء الذكور باحترام كبير.
إلى جانب الشعر، تعتبر خطيئة كبيرة أن ترغب النساء في التعليم، أو يرغبن في اتخاذ قرارات لأنفسهن. هناك العديد من الكاتبات والشاعرات المتحمسات في أفغانستان، لكن يكتبن سرا خوفا من أسرهن، فانعدام الأمن، والعنف القائم على نوع الجنس، وقتل النساء – تلك هي المواضيع الرئيسية التي تستكشفها الشاعرات الأفغانيات.


يركز شعر النساء الأفغانيات على قضايا المرأة، لأن هذه الأخيرة تواجه العديد من التحديات، ونادراً ما يتم الاعتراف بحقوقها، لذا تحاول كل شاعرة أن تكون صوتا لمن لا صوت لها. دفعت هذه القيود القمعية النساء إلى التعبير عن آرائهن وتصوراتهن بشكل صريح حول الجنس والشهوة، والرجال والقمع والمعاناة. أصبح الشعر نافذة قوية لعواطفهن وغضبهن :
« بين ذراعيك
لا تسحقني
إن براعم نهديّ
من ألم ناعم ترتعش» (شعر اللاندي)
فالشعر ليس المجال الوحيد للرجال في أفغانستان، أشهر شاعرة في البلاد هي ربيعة بلخي، امرأة عاشت في القرن العاشر، وكتبت قصائد فارسية قوية عن الحب. تم سجن ربيعة بلخي وقتلها من قبل شقيقها بسبب الوقوع في حب العبد. يُعتقد بشكل عام أنها كتبت قصيدتها الأخيرة على جدار الغرفة التي سُجنت فيها، باستخدام دمها. إن تاريخ نضال المرأة الأفغانية من أجل الاعتراف الاجتماعي والمساواة، بدأ مباشرة بعد الدمار الثقافي لأفغانستان. بعد الغزو السوفييتي (1979- 1989)، والحرب الأهلية الأفغانية (1994- 1996)، والغزو الأمريكي (2001)، كان وصول النساء إلى التعليم والأمن والوظائف ضئيلاً. واليوم في عصر ما بعد طالبان، يفرض كل من «التحرير» الغربي، والأصولية الإسلامية قيمهما الخاصة على المجتمع الأفغاني كنماذج سياسية. لا يراعي التغريب، في ما يتعلق بالمساواة بين الجنسين، المفهوم التقليدي للأسرة في الثقافة الإسلامية، أو الأفغانية، ويميل إلى التفاوض بشأن حقوق المرأة الأفغانية، خارج مجتمعها وأسرتها.
من ناحية أخرى، فإن القراءات المتعصبة للقرآن والشريعة، تحرم النساء من أبسط حقوقهن، ولا تعتبر الأيديولوجية أساسية في الحياة اليومية، وتطلعات المرأة الأفغانية؛ يروي نضالهن اليومي آمالهن في أفغانستان ديمقراطية وعادلة، والرؤية الاجتماعية، والمشاركة في إعادة بناء وطنهن. كان الشعر من بين الطرق التي طالبت من خلالها النساء الأفغانيات بتغيير وضعيتهن.
كتابة الشعر من أكثر مكونات الفن والثقافة شهرة في أفغانستان المعاصرة، على الرغم من أن المرأة مهمشة في الساحة الأدبية، إلا أنها ليست معفاة من هذا التقليد القديم، النساء الأفغانيات، اللواتي لديهن الوسائل المالية والمادية للكتابة، أو «غرفة خاصة بهن» على حد تعبير فيرجينيا وولف، أو من عائلات تقدمية وغنية، يكشفن عن مشاعرهن من خلال الشعر، ويحصلن على الاعتراف الاجتماعي، خاصة في ريف أفغانستان. فنادية أنجومان كانت شاعرة شابة من هرات، نشرت مجموعتها الأولى في سن الخامسة والعشرين، كانت معروفة في كل من أفغانستان وإيران، لكنها قُتلت. يعتقد العديد من الأفغان أن زوجها قتلها بسبب ظهورها الاجتماعي وشهرتها، فعلى الرغم من القيود، فإن عددًا لا يحصى من النساء يكتبن ويتبادلن شعرهن في الاجتماعات العامة والخاصة. ومع ذلك، يتم إنتاج معظم الأدب الأفغاني في المنفى، حيث يوجد الأمن والحرية والاستقرار الاقتصادي، وكل موارد الكتابة متاحة.
يعبّر شعر النساء الأفغانيات عن آمال الشاعرة ومخاوفها وتطلعاتها، الأهم من ذلك كله، أنها تضيف في قصائدها ألوانًا جديدة منعشة إلى اللون الأزرق أحادي البعد لتشداري (البرقع)، الذي أصبح مرادفا للمرأة الأفغانية و «الوجه» الوحيد للنساء الأفغانيات في العالم. إن شعر النساء الأفغانيات، يساعد المرأة الأفغانية على التحرر من كل القيود ولو رمزيا، ويوسع عقلها، ويميزها، ويجعلها إنسانة قبل كل شيء. يشفي الشعر وطنها المنكوب بالحرب، ويعبّر عن الوطنية العميقة، ويكشف عن الاستياء من العقيدة، والنفاق الديني، وكراهية النساء، ويضفي الطابع الرومانسي على أفغانستان ومناظرها الطبيعية المذهلة. تُحيي المرأة من خلال الشعر ذكرى الأصوات التي فقدتها في شبابها وآمالها وحياتها لعدة عقود، بسبب الحرب والتطرف الديني، سواء أكانت الكتابة بالفارسية (الداري) أو الباشتو أو الإنكليزية، فإن كلمات المرأة الأفغانية تعكس توقها إلى السلام، وأن تحمل صورها وهويتها في جميع أنحاء العالم كسفيرة للحياة.
ولعل لينا روزبه حيدري واحدة من أبرز سفيرات الشعر الأفغاني المعاصر في الولايات المتحدة الأمريكية، اشتغلت حيدري محررة في التلفزيون والراديو في صوت أمريكا، بدأت حياتها المهنية مذيعة راديو في عام 2003 قبل أن تنتقل للعمل في التلفزيون في عام 2006. كما كانت عضوا في اللجنة حول قضايا أفغانستان، وقد أجريت معها العديد من المقابلات التلفزيونية من قبل وسائل الإعلام الأفغانية والدولية، بما في ذلك «بي بي سي»، «صوت أمريكا»، راديو «أوروبا الحرة»، «واشنطن بريزم» وغيرها. حصلت على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة كونكورديا، ودرجة ثانية في الاتصالات والإعلام والسينما من كلية فانير في مونتريال كندا.
نشرت حيدري مجموعتها الشعرية «وعد الجنة» سنة 2015. تتضمن أزيد من 140 قصيدة، تروي المؤلفة من خلالها عقودا من المعاناة التي خلفتها الصراعات المفروضة على شعب أفغانستان. تتطرق المجموعة الشعرية إلى كل المصاعب الحياتية التي عانتها المؤلفة، لاجئة أفغانية في إيران وباكستان، تكشف عن الحياة المأساوية التي عاشها الشعب الأفغاني، خاصة النساء والفتيات الأفغانيات. تتفاعل كل قصيدة في هذه المجموعة، وتستجيب لحدث مؤسف في أفغانستان، تصور مشاهد معاناة غير مسبوقة للأفغان ضحايا الإرهاب، والفقر المدقع، وثقافة الإفلات من العقاب. تسرد التاريخ الحديث لأفغانستان، الذي تخلله العديد من المآسي الإنسانية بسبب الحرب المستمرة وسياساتها اللاإنسانية.

٭ كاتب وباحث مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية