إعادة اختراع المؤلف

تخيل الكاتب والشاعر الألماني هاينرش هاينه في رائعته الشعرية (آتا ترول Atta Troll-) التي سخر فيها من الأوضاع الألمانية في عام 1844، أن الخالق سوف يتجلى للدببة بمظهر دببيَّ بفرو ناصع وأبيض كالثلج، وفي فكرة قالها ألبيرتو مانغول حول أن الكاتب كسينوفون الكولوفوني، جادل بأنهُ لو كانت للأبقار والخيول والأسود أصابع واستطاعت أن ترسم وتنحت كالبشر لخلقت الأبقار الآلهة على هيئة بقر، ولخلقت الخيول آلهةً على هيئة خيول. في ذلك إشارة منه إلى أننا نتخيل آلهتنا مثلما نتخيل مؤلّفينا.
الكتاب والشعراء لديهم هذه الإعادة الدائمة للتأليف، إعادة تأليفنا نحن في اليومي والشخصي والعام، وإعادة تأليف الواقع والخيال، ليأخذ شكله الممكن والقابل دائمًا لإعادة الهدم والبناء، أما المؤلف فمهما بدا واضحًا أو غامضًا سيبقى انعكاسًا للكثير من الوجوه، وجوه مهما تبدلت ستبقى تشبهنا، والشبه يقترب كلما زادت الكتب التي تسمح لنا بالعيش فيها، الأمر الذي يحول الخيال من هشاشته لضرورة مثل التنفس والأكل.
لف الغموض حياة الشاعر وضاح اليمن، أحد شعراء الغزل في العصر الأموي، غموض وقصائد، نتف حكايات عن الرجل وقصائد تضفي عليه بعض الملامح، عدم وضوح المؤلف وغيابه يوجب على القارئ تأليف المؤلف وتخيله، ثم قراءة التجربة الشعرية لتصير قراءتها ممكنة، لا تتم القراءة في المجهول، عتمة المؤلف تحجب عن القصائد خيالها الشخصي، فيجب أن نصدق أن هناك من روى بالنيابة عنا وهو مثلنا، يجب على مؤلفنا أن يشبهنا لكي تتجلى تجربتنا، ولنكتشف الكلمات المختبئة في داخلنا، غياب المؤلف يعني إعادة خلقه، وهذه الإعادة تتم بخط متوازٍ مع الزمن، لا تبدأ ولا تنتهي، بل تأخذ شكل الماء، ماء يملأ الوقت ويسابقه مع كل إعادة قراءة، ومع كل دراسة نقدية، يدخل الخيال بالواقعي والمحكي بما وارته الأيام، فلا تثبت الأسطورة ولا تكذب، بل تأخذ شكل مؤلفها الذي توارت به أشكالنا، ونحن نبحث عن ذواتنا، فتصير الأسطورة جزءًا من النص ومن مؤلفه وقارئه، ولا تهم نسبة الحقيقة بقدر ما يهم الإمتاع والمؤانسة، كما كتب أبو حيان التوحيدي.
كلمات مثل الإمتاع والحقيقة، خاصة في إعادة تأليف المؤلف، تذكرنا بتجربة الأديب طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» الصادر في سنة 1926 الذي تعامل فيه مع الشعر الجاهلي بمنظور الشك، وأنهُ شعر منحول لا ينتمي لقائله، وشكك من خلال الكتاب بوجود امرئ القيس كشاعر واعتبره أسطورة.
بحث طويل قام به طه حسين في اللهجات والتواريخ وقواعد اللغة وتطورها، كتاب يعمل على نقيض ما نبحث عنه، فهو صلب يتعامل مع اللغة بمفهوم الحقائق والشك فيها والعمل الطويل في إثباتها، بينما يمكن أن يكون الأدب أبسط من ذلك، فالأدب هو الإمتاع باللغة والمؤانسة بها من جهة، والشك والبحث الطويل والمتعب لإثبات حقيقة المؤلف من جهة أخرى.
في «موت وضاح اليمن» ما يجمع التأليف بالواقع، شعرية تجمع الحقيقي بالمتخيل، تأليف يعيد بناء القارئ ويعطي المؤلف صفاته الشخصية، تقول الرواية إنه عندما أبلغ أحد العبيد الخليفة الوليد بن عبد الملك أنه رأى وضاح في غرفة زوجته أم البنين، التي يحبها وضاح اليمن وهي تحبه وتخبئه في صندوقها، لم يكن من الخليفة سوى أنه أخذ الصندوق ودفنه، واختفى وضاح اليمن، وضاح لم يمت، بل ابتلعه الصمت داخل الصندوق، ذاته الصمت الذي يغني القصيدة ويجعل من الشعر أداة لإعادة تشكيل الصمت.
آلهتنا تشبهنا طالما هي من ألفتنا، هذا أقل تقدير، ولا يهم الآن نسبة الخطأ في هذا التأليف أو مدى واقعيته، ولكن غياب المؤلف عن كتبنا يضعنا أمام كتب مهما اختلفت سوف تبدو في الحجم والشكل ذاتهما ومهما  كان المؤلف غامضًا ستبقى إعادة تأليف المؤلف تدخل دوائرها وتحوم بها حتى تأخذ شكلها الكامل للتجربة، وتعيدنا إلى ذواتنا في النص.
هذه القدرة على التأليف تختلف عن نسب النصوص، كلمة نَسَبَ في اللغة مغلفة قليلًا تستخدم لإلحاق الشي بصاحبه والنَّسب يعني القرابة، الاثنان يقربان ويعيدان الشيء إلى من يشبهه ويتبعه، أما هنا في نسب النصوص تبدو مثل السكين الحادة التي تقطع جبلًا من التصورات التي يشكلها القارئ.

٭ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية