إقفال‭ ‬باب‭ ‬الاجتهادين‭ ‬الديموغرافي‭ ‬والدستوريّ‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬اللبنانية

9 - سبتمبر - 2018

0
حجم الخط

‭ ‬تستند‭ ‬العمارة‭ ‬السياسية‭ ‬اللبنانية‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬مقولات‭ ‬محاكية‭ ‬لفكرة‭ ‬‮«‬إقفال‭ ‬باب‭ ‬الاجتهاد‮»‬‭ (‬التي‭ ‬لا‭ ‬أصل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفقه،‭ ‬وإنّما‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬معيارية‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬الفقه‭). ‬

ليست‭ ‬أقلّ‭ ‬هذه‭ ‬المقولات‭ ‬غرائبية‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬أوقفنا‭ ‬العدّ‮»‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬إقفال‭ ‬باب‭ ‬تأثير‭ ‬العامل‭ ‬الديموغرافي‭ ‬على‭ ‬التناسبات‭ ‬والحسابات‭ ‬والتوازنات‭ ‬بين‭ ‬الطوائف‭ ‬الدينية‭ ‬ـ‭ ‬السياسيّة‭. ‬

على‭ ‬الجانب‭ ‬الإسلامي‭ ‬لهذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬الإفتراض‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬المسلمون‭ ‬بغضّ‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬عدد‭ ‬المسيحيين‭ ‬بالنسبة‭ ‬اليهم،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يبادروا‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬طمأنة‮»‬‭ ‬المسيحيين‭ ‬بأن‭ ‬تراجع‭ ‬نسبتهم‭ ‬الديموغرافية‭ ‬‮«‬لن‭ ‬يُرى‮»‬‭ ‬وسيجري‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنّه‭ ‬غير‭ ‬قائم‭. ‬

وهكذا،‭ ‬الحاجة‭ ‬اليومية‭ ‬للتذكير‭ ‬بأنّه‭ ‬‮«‬أوقفنا‭ ‬العدّ‮»‬‭ ‬ستعني‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬المسيحي‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬هاجس‭ ‬العدّ‭ ‬مع‭ ‬وقف‭ ‬التنفيذ‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬العدّ‭ ‬مع‭ ‬تخفيضات‮»‬‭ ‬يزداد‭ ‬ضراوة‭ ‬كلما‭ ‬تواصلت‭ ‬عملية‭ ‬تأكيده‭ ‬بنفيه‭ ‬‮«‬على‭ ‬سبيل‭ ‬الطمأنة‮»‬‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬عندما‭ ‬ينطلق‭ ‬المسيحيون‭ ‬من‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬إيقاف‭ ‬العدّ‮»‬‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬فكرتهم،‭ ‬يعملون‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬إيقاف‭ ‬‮«‬العدّ‭ ‬من‭ ‬تحت‮»‬‭ (‬نسبة‭ ‬المسيحيين‭ ‬إلى‭ ‬مجموع‭ ‬اللبنانيين‭) ‬وبين‭ ‬الحؤول‭ ‬دون‭ ‬الإكتفاء‭ ‬بـ«العدّ‭ ‬من‭ ‬فوق‮»‬‭ (‬نسب‭ ‬المسيحيين‭ ‬المكرّسة‭ ‬بالدستور‭ ‬المكتوب‭ ‬بنصف‭ ‬أعضاء‭ ‬البرلمان‭ ‬والحكومة‭ ‬وبالعرف‭ ‬الدستوري‭ ‬الشفوي‭ ‬في‭ ‬الرئاسة‭ ‬المارونية‭ ‬للجمهورية‭). ‬

فالعدّ‭ ‬من‭ ‬فوق،‭ ‬مقطوعاً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬كل‭ ‬تحت‮»‬،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬ملء‭ ‬حصة‭ ‬المسيحيين‭ ‬‮«‬في‭ ‬الدولة‮»‬‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬أحجام‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬ضمن‭ ‬المسيحيين‭. ‬أما‭ ‬العدّ‭ ‬من‭ ‬تحت،‭ ‬مقطوعاً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬كل‭ ‬فوق‮»‬،‭ ‬فمن‭ ‬شأنه‭ ‬التعريض‭ ‬بما‭ ‬للمسيحيين‭ ‬‮«‬في‭ ‬الدولة‮»‬‭ ‬نسبة‭ ‬لما‭ ‬للمسلمين‭ ‬فيها‭. ‬

وهكذا‭ ‬يتحول‭ ‬‮«‬إيقاف‭ ‬العدّ‮»‬‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬المسيحية‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬عدّ‭ ‬معلّق‭ ‬بين‭ ‬التحت‭ ‬والفوق‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬هو‭ ‬‮«‬عدّ‭ ‬التحت‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬‮«‬عدّ‭ ‬الفوق‮»‬،‭ ‬فيصير‭ ‬مطلوباً‭ ‬إهمال‭ ‬كل‭ ‬معيار‭ ‬عند‭ ‬وزن‭ ‬نسبة‭ ‬المسيحيين‭ ‬إلى‭ ‬المسلمين،‭ ‬وإستخدام‭ ‬مثقال‭ ‬ذرة‭ ‬دقيق‭ ‬عند‭ ‬وزن‭ ‬درجة‭ ‬تمثيلية‭ ‬النواب‭ ‬والوزراء‭ ‬والرؤساء‭ ‬المسيحيين‭ ‬إلى‭ ‬عموم‭ ‬المسيحيين‭. ‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬تطوير‭ ‬صيغة‭ ‬دستورية‭ ‬وسياسية‭ ‬ذات‭ ‬حيوية‭ ‬وقوام‭ ‬وقدر‭ ‬من‭ ‬المناعة‭ ‬والمنعة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬متعدّد‭ ‬‮«‬جماعاتياً‮»‬‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬طمس‭ ‬هذه‭ ‬الجماعاتية‭ ‬أو‭ ‬المكابرة‭ ‬عليها‭ ‬أو‭ ‬إنكارها‭ ‬أو‭ ‬ردّها‭ ‬إلى‭ ‬مجرّد‭ ‬حشرجة‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬أو‭ ‬تلفيق‭ ‬كولونيالي‭ ‬أو‭ ‬عطب‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التحديث‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬‮«‬الجماعاتي‮»‬‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬إيقاف‭ ‬العدّ‮»‬،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنّ‭ ‬‮«‬إيقاف‭ ‬العدّ‮»‬‭ ‬سيتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عدّ‭ ‬مع‭ ‬إيقاف‭ ‬التنفيذ‮»‬‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وإلى‭ ‬‮«‬عد‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬عددنا‭ ‬الفعلي‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬عددنا‭ ‬الآن‮»‬‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬المسيحية‭. ‬الأشكال‭ ‬الجماعاتية‭ ‬من‭ ‬التماسك‭ ‬والتعبئة‭ ‬والممارسة‭ ‬والهوية‭ ‬والوعي‭ ‬ليست‭ ‬ثابتة،‭ ‬وليست‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬المكابرة‭ ‬العددية‮»‬،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنّ‭ ‬هذه‭ ‬المكابرة‭ ‬العددية‭ ‬هي‭ ‬الشكل‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬للصراع‭ ‬الديموغرافي‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬ترفع‭ ‬فيها‭ ‬راية‭ ‬البراء‭ ‬من‭ ‬الديموغرافيا‭ ‬وهواجسها‭ ‬وشهواتها‭. ‬

منحى‭ ‬آخر‭ ‬لـ«إقفال‭ ‬باب‭ ‬الاجتهاد‮»‬‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬يتّصل‭ ‬بالصيغة‭ ‬الدستورية‭ ‬القائمة‭ ‬منذ‭ ‬إتفاق‭ ‬الطائف،‭ ‬وبالضبط‭ ‬منذ‭ ‬إدخال‭ ‬القسم‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬التعديلات‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬بمقتضى‭ ‬الإتفاق،‭ ‬وإهمال‭ ‬أو‭ ‬تحوير‭ ‬قسم‭ ‬آخر‭. ‬

لا‭ ‬يبنى‭ ‬إقفال‭ ‬باب‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الدستوري‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬فضائل‭ ‬الصيغة‭ ‬الحالية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الإحتراس‭ ‬من‭ ‬المجهول،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬التوازنات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأهلية‭ ‬الحالية،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬تغلبية‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يفتح‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬تقويض‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للصيغة‭ ‬الدستورية‭ ‬الراهنة،‭ ‬بل‭ ‬للصيغة‭ ‬الكيانية‭ ‬اللبنانية‭ ‬ككل‭. ‬

ليس‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬بتهويم،‭ ‬فالحزب‭ ‬فعلاً‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬الصيغة‭ ‬اللبنانية‭ ‬لتشبهه‭ ‬أكثر،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تركّز‭ ‬الرهان‭ ‬لعقود‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتشبه‭ ‬هو‭ ‬بهذه‭ ‬الصيغة‭. ‬لكن‭ ‬هاجس‭ ‬تغلبيته‭ ‬وشموليته‭ ‬كحزب‭ ‬خميني‭ ‬غير‭ ‬كاف‭ ‬لإلغاء‭ ‬واقع‭ ‬حال‭ ‬الصيغة‭ ‬الدستورية‭ ‬القائمة،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تجميلها‭. ‬

يقوم‭ ‬صلاح‭ ‬هذه‭ ‬الصيغة،‭ ‬على‭ ‬درء‭ ‬الخلافات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تنظيمها،‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬كخلافات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تجاوزها‭ ‬تدريجياً،‭ ‬أو‭ ‬تباعاً‭. ‬

الدساتير‭ ‬لا‭ ‬تنبني‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ضمانات‭ ‬تعطى‭ ‬لكل‭ ‬مؤسسة‭ ‬وموقع‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬مروحة‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬المتبادلة،‭ ‬ومن‭ ‬الأوراق‭ ‬المتقابلة،‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬للعبة‭ ‬المؤسساتية‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬مجراها،‭ ‬وأن‭ ‬تتفادى‭ ‬التعطيل‭. ‬أما‭ ‬الصيغة‭ ‬القائمة‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬لبنانياً‭ ‬فيظهر‭ ‬أنها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬تماماً‭: ‬تكريس‭ ‬الضمانات،‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬تنحية‭ ‬أو‭ ‬شلّ‭ ‬الضغوط‭ ‬المتبادلة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬وبالتالي‭ ‬عدم‭ ‬إيجاد‭ ‬إطار‭ ‬يسمح‭ ‬بأن‭ ‬تأخذ‭ ‬اللعبة‭ ‬المؤسساتية‭ ‬مجراها‭. ‬

‭: ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬اللبنانية‭ ‬أصبح‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬المتوازيات‮»‬‭ ‬تعرقل‭ ‬بعضها‭ ‬البعض

فبدلاً‭ ‬من‭ ‬تفادي‭ ‬التعطيل‭ ‬يجري‭ ‬تفادي‭ ‬اللعبة‭ ‬المؤسساتية‭ ‬نفسها،‭ ‬ويصير‭ ‬تجاوز‭ ‬التعطيل‭ ‬والفراغ‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدستورية،‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬منعطف،‭ ‬إنجازاً‭ ‬بذاته،‭ ‬يتحقّق‭ ‬بشقّ‭ ‬النفس،‭ ‬وبعد‭ ‬طول‭ ‬إنتظار‭ ‬ورجاء‭ ‬وقنوط،‭ ‬فينظم‭ ‬إستحقاق‭ ‬إنتخابي‭ ‬تشريعي‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬موعده‭ ‬الدستوري،‭ ‬وينتخب‭ ‬رئيس‭ ‬للجمهورية‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭ ‬ونصف‭ ‬من‭ ‬شغور‭ ‬المنصب،‭ ‬ولا‭ ‬تقوم‭ ‬حكومة‭ ‬ولو‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬‮«‬مكابدات‭ ‬التشكيل‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬عقدة‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬إنفراج‭ ‬قريب‭. ‬

الفصل‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬اللبنانية‭ ‬أصبح‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬المتوازيات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬بدلاً‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬دستورياً‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متبادلة،‭ ‬تعرقل‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬لمجرد‭ ‬أنها‭ ‬متوازيات،‭ ‬وقصور‭ ‬متوازية‭. ‬فالحكومة‭ ‬لا‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬أكثرية‭ ‬برلمانية‭ ‬تعارضها‭ ‬أقلية‭ ‬برلمانية،‭ ‬إنّما‭ ‬الحكومة‭ ‬توازي‭ ‬البرلمان،‭ ‬وبالتالي‭ ‬نسب‭ ‬الكتل‭ ‬البرلمانية‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬توازيها‭ ‬النسب‭ ‬الوزارية‭ ‬لهذه‭ ‬الكتل‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭. ‬رئاسة‭ ‬البرلمان‭ ‬تؤسس‭ ‬لشرعية‭ ‬موازية،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬رئاستي‭ ‬الجمهورية‭ ‬والحكومة‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬متوازيين‮»‬‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬أبداً‭ ‬من‭ ‬خروج‭ ‬على‭ ‬الصيغة‭ ‬الدستورية‭ ‬القائمة‭. ‬بالعكس،‭ ‬هي‭ ‬تطبيقية‭ ‬بامتياز‭. ‬فهذه‭ ‬الصيغة‭ ‬تتيح‭ ‬لرئيس‭ ‬مجلس‭ ‬نيابي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬المنصب‭ ‬مدى‭ ‬الحياة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يمكن‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يتبدل‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬عالمثالثي‭ ‬إنما‭ ‬يندر‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يتبدّل‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭. ‬ويحق‭ ‬للمجلس‭ ‬النيابي‭ ‬أن‭ ‬يمدّد‭ ‬لنفسه‭ ‬بدل‭ ‬المرة‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات،‭ ‬بدل‭ ‬الإنتخاب،‭ ‬ولعذر‭ ‬أقبح‭ ‬من‭ ‬ذنب،‭ ‬هو‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يتمكّن‭ ‬من‭ ‬الإتفاق‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬جديد‭ ‬للإنتخابات‭. ‬ويحق‭ ‬لرئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬المكلف‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مكلفاً‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمّى،‭ ‬ولرئيس‭ ‬الجهورية‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬يوقع‭ ‬على‭ ‬التشكيلة‭ ‬الحكومية‭ ‬المطروحة‭ ‬عليه‭ ‬أيضا‭ ‬الى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمى‭. ‬في‭ ‬وضع‭ ‬مشابه‭ ‬للعقدة‭ ‬الحالية،‭ ‬يفترض‭ ‬في‭ ‬الديمقراطية‭ ‬البرلمانية‭ ‬اتاحة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬إنتخابات‭ ‬نيابية‭ ‬مبكرة،‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬لبنانياً‭. ‬

أما‭ ‬المجلس‭ ‬الدستوري،‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬له‭ ‬الطائف‭ ‬صلاحية‭ ‬تفسير‭ ‬الدستور،‭ ‬فهذه‭ ‬سلبت‭ ‬منه‭ ‬عند‭ ‬ادخال‭ ‬البنود‭ ‬المتعلقة‭ ‬به‭ ‬كمجلس‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الدستور‭ ‬بعد‭ ‬الطائف،‭ ‬وحصر‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬بالطعون‭ ‬الإنتخابية‭ ‬ومراقبة‭ ‬دستورية‭ ‬القوانين‭. ‬وبالتجربة،‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬حائلاً‭ ‬دون‭ ‬تمديد‭ ‬البرلمان‭ ‬لنفسه‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات،‭ ‬بذريعة‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬الإتفاق‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬إنتخابي‭ ‬جديد،‭ ‬أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الطعون،‭ ‬فهو‭ ‬المجلس‭ ‬الذي‭ ‬أبطل‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬نيابة‭ ‬فائز‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬الإنتخابات‭ ‬نفسها‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬المقعد‭ ‬للخاسر‭ ‬الأول،‭ ‬بل‭ ‬اختار‭ ‬الخاسر‭ ‬الأضعف‭ ‬لتوليته‭ ‬عليه‭. ‬

سيقال‭ ‬أنّ‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬سيئاته‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقي‭ ‬على‭ ‬‮«‬إقفال‭ ‬باب‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الدستوري‮»‬‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية‭ ‬هذا‭ ‬يفيد‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬صحيح‭ ‬وخاطىء‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭. ‬أولاً‭ ‬لأنّ‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الدستوريّ‭ ‬لا‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬شيء‮»‬‭.‬فأن‭ ‬تضع‭ ‬نفسك‭ ‬مدافعاً‭ ‬عن‭ ‬صيغة‭ ‬عجيبة‭ ‬بدعوى‭ ‬أنّها‭ ‬متراس‭ ‬دون‭ ‬تمكّن‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬تتوهّم‭ ‬الطابع‭ ‬‮«‬الثوري‮»‬‭ ‬لهذا‭ ‬الحزب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنّه‭ ‬يخفي‭ ‬في‭ ‬جعبته‭ ‬صيغة‭ ‬بديلة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّه‭ ‬كحزب‭ ‬يحسن‭ ‬التوظيف‭ ‬في‭ ‬أصناف‭ ‬التعطيل‭ ‬والتفريغ‭ ‬التي‭ ‬تتيحها‭ ‬الصيغة‭ ‬الدستورية‭ ‬الحالية،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬لبناني

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية