احتجاجات الجامعات: صناعة رأي عام رافض للجرائم الصهيونية

مظاهرات طلاب الجامعات الأمريكية المؤيدة للشعب الفلسطيني؛ بما تعرض ويتعرض له من إبادة، والمطالبة بوقف هذا النزيف الدموي، تتواصل منذ أيام، وهي في توسع مستمر، ليس في الجامعات الأمريكية فقط، بل في جل الجامعات الغربية. إنها تعكس تحولا مهما في نظرة جيل الشباب من الأمريكيين، ومن مختلف الأعراق؛ إلى قضية الشعب الفلسطيني أولا، وإلى كل قضايا شعوب العالم الثالث، التي تتعرض الآن لظلم وعنجهية الغول الأمريكي، هذا التطور بالإضافة إلى أنه يؤشر إلى حقيقة مهمة وهي الرفض الشعبي الأمريكي، خاصة جيل الشباب، لممارسات الكيان الصهيوني الحالية في قطاع غزة، ولكل الممارسات الأمريكية ضد الدول الضعيفة وتعديها على حقوق شعوبها، وسيادتها وأمنها واستقرارها.

المستقبل؛ ليس في صالح دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلا إذا التزمت بالقانون الدولي والشرعية الدولية، التي تقضي؛ بأن تكون للفلسطينيين دولة معترف بها دوليا وذات سيادة كاملة

اللوبي الصهيوني لم يزل هو المهيمن والمسيطر على السياسة الأمريكية، لكن هذا لن يستمر طويلا؛ لأن عالم الغد، لن يكون هو ذاته عالم الأمس القريب، وجزئيا عالم اليوم. هناك تغيرات وتحولات كبيرة في العالم، ستجعل منه عالما مختلفا. كما أن أمريكا الأمس وأمريكا اليوم، لن تكون هي أمريكا الغد وما بعد الغد، اضافة وهذا هو الاهم؛ ان الزمن العربي الرديء هذا، لن يستمر طويلا؛ لأن الظلم الذي تتعرض له الشعوب العربية، أصبح مرئيا وواضحا بالصورة والصوت والدلائل، بما لزما ستنتج عنه، ومن النخب قيادات وقوى وطنية، تكشف للناس هذا الظلم ومسبباته، كما أنها ستقودهم على طريق القضاء على مواطن السوء في الجسد العربي.
إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ما عادت كما كانت قبل عقود، وحتى قبل عقدين من الآن؛ فقد صار أي فعل، أو أي جريمة أو حرب عدوانية، وما يرتكب فيها من جرائم تنتقل بالثواني إلى كل ركن من أركان المعمورة؛ لتطلع كل شعوب الأرض عليها، ما يؤدي حكما إلى تكوين رأي رافض؛ ينتج عنه؛ موقف شعبي مضاد لهذه الجرائم ورافض لها، وبالذات من قبل شعوب دولة العدوان والجرائم (أمريكا) أو الأدق توصيفا؛ الدولة الداعمة والمشاركة لدولة الجريمة (دولة الاحتلال الإسرائيلي)، مهما حاولت الدولتان تغطية، أو حجب هذه الجرائم، فلن تستطيعا أبدا؛ إذ يكفي التقاط صورة حية وناطقة وإرسالها بالثانية ليطلع عليها كل العالم.. الأكيد سوف ينتفض من يشاهد كل هذه الجرائم، شاجبا لها. وبالتراكم الكمي وبالتتابع الزمني؛ سوف يُصنع رأي عام وموقف ضاغط على صانع القرار في غرف صناعته الملحقة بالبيت الأبيض، كما هو حاصل حاليا لما يجري في غزة. كما ان دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ لم تعد كما كانت قبل عقود من الآن، فقد تغيرت هي الأخرى تغيرا طال كل نواحي وجودها، الذي يكتنفه الضعف والانقسام في داخلها. إن طوفان الأقصى كشف بصورة جلية وواضحة هذا الضعف والانقسام، فقد اهتزت صورتها أو تصور المنطقة والعالم عنها، من أنها دولة تمتع بقوة ردع عسكري قادرة على إلحاق الهزيمة بكل من يتجرأ على التحرش بها، أو مهاجمتها، إضافة، وهذا هو الأهم والأخطر؛ إلى أن أسطورة السابع من أكتوبر؛ كشفت للعالم الكم الهائل من العنصرية، والقدرة الكبيرة جدا على ممارسة الجرائم بحق الفلسطينيين المدنيين، وممارسة أبشع أنواع هذه العنصرية؛ من جريمة الإبادة، إلى الحصار، وتعريض المدنيين من مختلف الأعمار للجوع والعطش والأمراض. كان من نتيجة كل هذه الجرائم البشعة هو عزل دولة الاحتلال الإسرائيلي دوليا وإقليميا، حتى إن أصواتا من داخل الكونغرس الأمريكي؛ بدأت تندد بالممارسات الإسرائيلية، مع أنها أصوات خجولة لا ترتفع إلى مستوى التنديد الشديد بالجرائم الصهيونية في القطاع. هذا يعني أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تحولت إلى عبء ثقيل على أمريكا، بدل أن تظل منفذة بالإنابة عن أجندة وخطط أمريكا في المنطقة العربية، سواء بالحرب، أو بالأعمال المخابراتية.
مظاهرات طلبة الجامعات الأمريكية الداعمة للفلسطينيين، والداعية إلى وقف جريمة الإبادة في القطاع؛ سوف تشكل بداية لتحول الرأي العام الأمريكي في المستقبل، حتى يكون أداة ضغط على الإدارة الأمريكية، وعلى غرف صناعة السياسة الأمريكية وقراراتها، في ظل عالم خاضع الآن الى تحولات كبرى. المستقبل؛ ليس في صالح دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلا إذا نزلت من برجها العاجي على السلالم التي تنتهي بمنبسط الحق والقانون الدولي والشرعية الدولية، التي تقضي حكما؛ بأن تكون للفلسطينيين دولة معترف بها دوليا وذات سيادة كاملة وقابلة للحياة. من الصعوبة أن تستمر أمريكا مستقبلا في دعم هذا الكيان الصهيوني، مشاركة له في كل جرائمه من خلال السلاح والذخيرة والمال، وما إلى ذلك من دعم غير محدود؛ لأنها في هذه الحالة ستواجه رفضا شعبيا من داخلها أولا، وثانيا عزلة دولية في العالم المتعدد الأقطاب المفترض والمقبل كضرورة لما يجري الآن في العالم من تغيرات وتحولات أساسها ومنطلقها؛ الحرب في أوكرانيا الجارية بين أمريكا بالإنابة عنها، وروسيا، وربما مستقبلا بين أمريكا بالإنابة عنها تايوان، أو الفلبين، أو الاثنتين معا والصين. إن الضغط المستقبلي على صانع القرار الأمريكي وعلى الإدارة الأمريكية أيا كان رئيسها، سواء من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري؛ سيكون متعدد المنشأ والمصلحة؛ من الداخل الأمريكي ومن المحيط الدولي، ومن المحيط الإقليمي والعربي؛ سيؤدي إلى تغير في الموقف الأمريكي من الكيان الصهيوني، تماشيا وتلبية للمصالح الأمريكية، سواء في العالم ككل، أو في المنطقة العربية. الحق الفلسطيني في دولة ذات سيادة يستند أولا إلى القانون الدولي، وثانيا إلى القرارات الدولية ذات الصلة، التي تؤكد حق الفلسطينيين في ارض الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. إن هذا يمنح المقاومة الفلسطينية شرعية الجهاد من أجل حقها المشروع في مواجهة التعنت الإسرائيلي والعنصرية الاسرائيلية. استمرار المواجهة بين الفلسطينيين، ومن خلفهم ومن بين صفوفهم شعوب العرب من جهة، والصهاينة من جهة ثانية، وفي ظل الجرائم التي ترتكبها على مرأى من كل العالم، بما في ذلك الرأي العام الأمريكي، وبالذات جيل الشباب سواء في الجامعات أو في غيرها من ساحات تبلور الرأي الذي ينتج المواقف، بمفاعيل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ سوف يقود إلى تكوين رأي وموقف أمريكي ودولي واقليمي وعربي داعم ومساند لجهاد الفلسطينيين، ما يشكل عوامل ضغط قوية ومنتجة للمواقف على صانع القرار الأمريكي، وعلى الإدارة الأمريكية؛ ينتج عنه ضغط أمريكي على دولة الاحتلال الإسرائيلي بالرضوخ الى حل الدولتين. حتى اللوبي الصهيوني سوف يكون مجبرا على تغيير موقفه، لجهة دعم حل الدولتين؛ كطريق وحيد ولا طريق غيره، حفاظا على وجود دولة الاحتلال الإسرائيلي كدولة في قلب المنطقة العربية، لكن من الجانب الثاني هناك خطورة تكمن في الانقسام الفلسطيني، وتعاون السلطة الفلسطينية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، والنظام العربي المطبع مع الكيان الصهيوني. استثمار كل من إسرائيل وأمريكا كل ذلك سيكون على طريق تمييع القضية الفلسطينية؛ واختصارها بحكم ذاتي تحت مسمى الدولة.
في الختام أن الشق الثاني، أي تمييع القضية الفلسطينية؛ لن يكون مصيره النجاح، بل مصيره الفشل. إن الشق الأول هو الذي سيتسيد الموقف سواء في فلسطين أو في المنطقة العربية أو في العالم. وفي رأيي أن الشعب العربي الفلسطيني؛ لا يقبل، إلا بما كان يريد سابقا وبما هو كائن حاليا، وناضل وجاهد وكافح ولم يزل على طريق ما يريد..
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    هذا يسمى وعي الضمير الإنساني العالمي الذي لا يفرق بين جنس أو لون أو دين يا أبو العينين ✌️🇵🇸😎☝️🚀🐒🚀🐒🚀

اشترك في قائمتنا البريدية