احتفالا بلحظة وصول المنتحرة إلى الأرض؟!

حجم الخط
0

تمهّد الألمانية سيمونة لابرت لروايتها بما يشبه المقدّمة، تصف فيها ما تشاهده وما تحسّه المرأة المنتحرة، في لحظات سقوطها نحو الأرض. هي لحظات قليلة بالطبع ما دام المبنى القرميدي قديم الطراز، لكن مع ذلك أطلقت لابرت خيالها لكل التفاصيل المتعلّقة بما يراه المنتحر، وما يسمعه، وما يحسّه ويفكّر فيه، من لحظة دفعه بقدمه عن الحافة، حتى ارتطام الجسد بالأرض. يجري ذلك عبر الكتابة المتمهّلة والمبطئة، على غرار ما يجري في التصوير السينمائي البطيء. كتابة تلك السطور لابد أنها كانت ممتعة لكاتبتها وهي، لمن سيتابع قراءة ما يلي من الصفحات، ذروة الرواية، رغم أنها بدايتها أو مقدّمتها، أو على الأصح افتتاحيّتها.
ونحن نقلّب الصفحات التي تلي، من رواية سيمونة لابرت «القفزة» التي نقلها عن الألمانية إلى العربية سمير غريس، وطبعتها دار الكرمة في 320 صفحة سنة 2024، نظل منتظرين حدوث ذلك الانتحار.. أعني أن يعاد ربطنا به.. بمأساويته وقوّته وما يتصل به من معان نفسية ووجودية. لكن الرواية تذهب في اتجاهات أخرى، فتتوزّع قصصا متفرّقة أبطالها شخصيات كثيرة، إلى حدّ يصعب على القارئ تمييز بعضها عن بعض. كما إنها شخصيات مزدوجة، ثنائيات تحضر معا، مثل فِنّ ومانو، فيليكي ومونيك، تيريز وفرنر …إلخ. وهذه الـ»كوبلات» متشكّلة إما من زوج وزوجته، أو من رجل وعشيقته، أو صديقة وصديقتها، أو أخت وأختها غير الشقيقة، كمثل المرأة الساعية للعمل في السياسة وأختها المقبلة على الانتحار.
أما الزمن فيمكن أن يكون الآن وحالا، إن حسبنا أن ترنم هؤلاء الأشخاص بأغنيات الستينيات والسبعينيات، يرجع إلى تأخرهم عن اللحاق بالحياة المتجدّدة، رغم أنهم جميعا يتواصلون بالهواتف النقالة، وأدوات التواصل الأخرى. وهم إلى ذلك حالمون بأن يكونوا في أماكن أخرى، لكنهم يظلّون مع ذلك حيث هم، ودائما تُحبط أحلامهم. إحداهن ظلّت متكبرة على إغراءات الشاب المشهور والثري، لكنها حين قرّرت أخيرا أن تستجيب.. بدا أن الشاب المنتظَر عصيّ نواله. وكذا هو حال الرجل الذي كان قد رضي بإقفال محله، حين أتيحت له فرصة الشهرة، بسبب قبّعة، لكن الشهرة تحقٌّقت له وهو في كهولته. ثم ذاك الثنائي المقبل على إقفال محلّه، بعد أن افُتتحت سوبرماركت في مكان مجاور. وإذ بدا أن دولاب الحظ انقلب دورانه لصالحهما فليس لأكثر من نهار واحد. كان ذلك من الآثار الجانبية لتجمّع الناس في الساحة ناظرين إلى المرأة، التي قد تلقي بنفسها من الحافة، في أية لحظة. وهم في انتظارهم ذاك اشتروا كل ما توافر على رفوف الدكان وخزائنه. وحظّ النهار الواحد ذاك انقلب دورانه بقوة صادمة، صبيحة النهار التالي، إذ وجدت المرأة شريكها ميتا في فراشه.
يوم الانتحار ذاك، أو يوم انتظار إلقاء المرأة نفسها، كان أشبه بيوم استثنائي، إذ بدا كما لو أن الجميع وصلوا، أو اقتربوا من الوصول، إلى ما كانوا يرغبون فيه أو يخافون منه. أو هو يوم خروج تلك البلدة من روتين عيشها الممل، لتشهد ما لا يمرّ عليها في العادة. وقد أطالت المنتحرة فترة استعدادها للقيام بقفزتها، إلى حد أن الشرطة، بعد أن بدّلت دوريتها، تركت المكان، وذهب قائد مجموعتها لينام في بيته. والمتجمهرون للمشاهدة تفرّقوا وانصرفوا، بعد أن لم تُلقِ المنتحرة بالا لدعوة بعضهم لها بأن تنفّذ ما عزمت على فعله.
وحين قرّرت ذلك أخيرا وألقت بنفسها على المهبط المطاطي، الذي وضعته الشرطة للحؤول دون ارتطامها بالأرض، لم يكن ذلك إلا مخيّبا للأمل، إذ لم يكن أحد هناك، ولم يدر أحد بانتهاء الفرجة، إلا بعد فوات ساعة أو ساعتين على ختامها. وما يزيد من الإحباط والخيبة، بالمعنى الدرامي، أن المرأة نقلت إلى المستشفى بسيارة الإسعاف، حية لم تمت. بل وما يديم الإحباط والخيبة كونها لم تكن قاصدة أن تنتحر، بل إن السبب، الذي دعاها للصعود إلى سطح المبنى إقفالُ باب الشقة، التي كانت تعتني فيها بالنباتات البيتية، فعلقت، ثم حاولت الخروج من النافذة المؤدية إلى سطح المبنى.
كانت الكاتبة، في وصفها الأدبي لهبوط المرأة إلى الأرض، قد وعدت برواية أخرى غير التي أنجزتها. ذلك يحدث عادة، أن تجنح الرواية إلى غير ما كان قد رُسم لها، أو من ناحية أخرى، أن ترى أن ما بدئ به كان قويا وفذا، ويصعب محوه واستبداله. لكن تظل «القفزة» ممسكة بقارئها وإن مؤرجحة إياه بين المشاعر الوجودية الحادة، وإطفاء نارها بعد ذلك بالمرِح والعادي.

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية